الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/05/24

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الالفاظ/ الصحيح والأعم/ وحدة الجامع ووحدة الحقيقة الشرعية في العنوان الواحد - ثمرات وحدة الحقيقة الشرعية

 

كان الكلام أنه لماذا يلتزم الأعلام بأن الجامع بين موارد الحقيقة الشرعية لابد أن يكون واحدا سواء على الصحيح أو على الأعم؟ يعني الحقيقة الشرعية للعناوين مثلا التشهد يلتزمون بأنها لابد أن تكون حقيقة شرعية واحدة في التشهد عند الدخول في الإسلام أو الايمان وفي الأذان والإقامة و داخل الصلوة وتعقيبات الصلوة وخطبتي صلوة الجمعة وتلقين الميت وصلوة الميت وفي الدعاء والزيارة والوصية لابد أن يكون التشهد بمعنى واحد وحقيقة شرعية واحدة وليست حقائق شرعية.

ما الضرورة لأن يلتزم الأعلام بهذا؟ مثلا الصلوة رغم أنها متنوعة، الصلوات اليومية متنوعة والصلوات الواجبة متنوعة والنوافل متنوعة والنوافل مع الواجبة متنوعة مع ذلك التزموا بأن الحقيقة الشرعية في الصلوة واحدة، لماذا؟ أو في الطواف أو السعي أو في العمرة.

طبعا من ثمرات وحدة الحقيقة الشرعية هي أن كثيرا من آثار خلل الحج يرتبط بها كمن أتى بالحج بنية مندوب فظهر انه متوفّر لديه الاستطاعة، فهل تجزي عن حجة الإسلام أو لا؟ وبحوث كثيرة في خلل الصلوة وخلل الحج وخلل العمرة وبحوث مثمرة فالأعلام يلتزمون بأن الجامع واحد والحقائق الشرعية ليست متعددة للعنوان الواحد. حتى منهم من صوّر عدة تصويرات للعنوان الواحد أيضا التزم بأن الحقيقة الشرعية لابد أن تكون واحدة في كل عنوان عبادي سواء في جزء العبادة أو المجموعي.

لذلك في كتاب الوسائل في باب الصلوة وباب تشهد الصلوة يسأل الرواة: ما هو التشهد؟ والإمام يجيب أن سؤالكم فيه نوع من الغرابة لأن التشهد هو التشهد المعهود لديكم. يعني هو التشهد ذو الحقيقة الواحدة وهو التشهد في الزيارة والدعاء وغيرها. لو كان في التشهد في الصلوة شيء موقّت يعني حقيقة شرعية أخرى -التوقيت يعني الحقيقة الشرعية- لهلك الناس. فكيف له حالة قصر وحالة طول كذلك هو التشهد. «قل فيه أحسن ما علّمت أو ما علمت» لذلك يعبر علیه السلام عن الشهادتین أدنى التشهد وهو طبيعي لأن التشهد للايمان ثلاثي أو أكثر من التشهد الصوري للإسلام الصوري وهو الشهادتين.

فلذا لاحظ مع التعامل مع هذه النكات الصناعية في بحث التشهد للصلوة يوقف المجتهد الفقيه أن القضية ليس أن تأتي بباب الصلوة والروايات الخاصة في تشهد الصلوة وتتعامل معها جموديا إياها فقط. بل طبيعة الأدلة شبكية وارتباطية بهذه النكات الصناعية التي تذكر في علم الأصول وهذه ضرورة وإلا لماذا يبحثون عن هذه النكات في علم الأصول، ليست طرف فكري.

فلماذا يلتزمون بوحدة الحقيقة الشرعية ولا يلتزمون بالتعدد؟ هذا من جانب و سنخوض فيه ان شاء الله و جانب آخر جملة من التصويرات التي ستأتي على الصحيح أو على الاعم تواجه مشكلة وهي أن أصناف العبادة الواحدة مثل الصلوة أو التشهد أو الحج أو العمرة أو غيرها هذه الأصناف في بعض أصنافه لها أجزاء أكثر و في بعض أصنافه لها أجزاء أقل، فماذا نصنع بها؟ كيف يتصور جامع بينها؟ بالتالي هذه الأجزاء داخلة أو خارجة؟ غير معهود في الماهيات أن يكون لها عناصر داخلية كأجزاء هي داخلة وهي خارجة، ذاتيات الشيء لا تتبدل و لا تتغير، وإذا تتبدل فليس شيئا واحدا بل أشياء. فيعنون الاشكال هكذا.

هذا الاشكال يحاول أن يعالجه الأعلام في الجامع الصحيحي أو الجامع الأعمي، كيف يعالج وكيف يلتزم بانه ماهية واحدة وجامع واحد وحداني والحال أنه كل صنف له أجزاء داخلية وليس أجزاء خارجية؟ صلوة الصبح ركعتان و صلوة الظهر أربع ركعات، هاتان الركعتان داخلتان أو خارجتان؟ وسيما نريد أن نصور أنها أجزاء داخلية.

الاعلام يحاولون أن يجيبوا عن هذا المطلب و ليس الكلام الان في كيفية جوابهم و سيأتي والنكات اللطيفة الصناعية فيها وليست مجرد تنظيرات فكرية بل لها ثمرات من هذه الثمرة وحدة الجامع التي مرت بنا امس أنه إذا حدد الشارع الجامع في باب من الأبواب الحقيقة الشرعية فهذه الحقيقة الشرعية قانون عام تسرب للابواب والزائد على ذلك يحتاج إلى دليل. الشهادت الثالثة ليست مانعة عن التشهد في الزيارة بل هي من مكملاته فكونها مانعة في الصلوة يحتاج إلى دليل. في خطبة صلوة الجمعة وما شابه ذلك وغيرها من الأبواب بل هي أجزاء راجحة وفي الايمان مقوم. فكيف الأجزاء تدخل وتخرج مع أن الذاتي لا يتغير و كيف يلتزمون بالجامع الوحداني؟

بغض النظر عن الأجوبة الصناعية وتعقيدها و تفاصيلها هناك جواب يعتمد عندهم إجمالا وعرفي وأنا اعتمده ونستطيع أن نقول هو جامع مشترك. ما هو الجامع؟ إن بعض العناوين المركبة الاعتبارية وليست تكوينية مثل عنوان الخطاب أو الخطابة، مجلس منبر حسيني علیه‌السلام وأيضا مثل الدار والمدرسة والكلام هذه العناوين للأمور المركبة الاعتبارية. هذه العناوين طبيعتها هكذا إن أدني شيء فيها وكل ما ينضاف اليها ليس كإضافة العرض للمعروض وخارجة عن ذاتها. بل كل ما ينضاف إلى الدار من الدار. مثلا هناك دار من الغرفتين و هناك دار من عشر غرف وكلها من الدار وهو التوسع في الأجزاء الذاتية والمسجد هكذا. مثلا الالتزام بأن العتبات المقدسة لها أحكام خاصة وكل ما تتوسع تأخذ حكمها. هذا الانضمام ليس انضمام العرض للمعروض بل انضمام الأجزاء.

خطبة صلوة الجمعة بدل ركعتين من الظهر ويمكن أن يأتي بها بخمس دقائق أو يأتي بها بعشر دقائق أو عشرين دقيقة وكلها تعد خطبة واجبة. يمكن أن يكتفى الأقل لكن أحكام الخطبة كلها مرتبة على المجموع عشرين دقيقة أو خمس دقائق. كلامنا ليس في الركن بل في الأجزاء الداخلية.

كذلك الكلام ما يتركب من كلمتين أو عشرين كلمة أو عشرة كلمات كلها كلام لذلك اذاً فرق بين انضمام عناصر تدخل في الذات وبين انضمام عناصر لا تدخل في الذات كالعرض والمعروض. هذا بحث مهم حساس. من مباحث مهمة في الصحيح والاعم.

ما هو الفرق بين الجزء المستحب والجزء الواجب؟ المرحوم الاصفهاني وتلاميذه والسيد الخويي وتلاميذه ذهبوا إلى أنا لا نتصور جزءا مستحبا وما يقال من الأجزاء المستحبة مسامحة وهي ليست أجزاء بل مستحبة ظرفها الواجب. نعم الجزء الواجب عندنا أما الجزء المستحب، لا.

الجزء المستحب هو الأجزاء التي تقوّم فردية الفرد يعني تدخل في خصوصيات الفرد ولاتدخل في ماهية الفرد وماهية الفرد شيء آخر. بينما الاصفهاني يقول هي لا تدخل في فردية الفرد بل هي مستحبات ظرفها اثناء الواجب. والسيد الخويي أيضا هكذا. وتترتب عليه الاثار.

لاحظ، للتصوير الصناعي للعناصر المضافة الزائدة مختلف عند الاعلام في المركبات الشرعية وهذا ليس تنظيرا نظريا بل فيه اثار كثيرة تترتب عليه.

كما ذكرنا في التشهد هنا ثمان وجوه صناعية في المركب فإذاً العناصر المضافة قابلة للتصوير بالتصويرات العديدة لا التصوير الواحد. كيفية الانضمام أو التقارن بعناصر متعددة.

إذاً أحد الوجوه التي التزم بها الاعلام إذا انضافت الأجزاء داخل الماهية أن الماهية من قبيل المركبات الاعتبارية القابلة للاتساع وهذا هو الذي بنى عليه المشهور في التسبيحات الأربع. قالوا بأن التسبيح الواحدة او التسبيحات ثلاث دفعات واجب تخييري لا أنه أقل وأكثر والأكثر زائد مستحب. فمبحث صناعي وتترتب عليه اثار في خلل الصلوة.

في تكبيرة الأحرام في الصلوة اختلف الفقهاء تكبيرة واحدة واجبة والبقية مستحبة في الصلوة أو واجب تخييري والكثير بنوا على أنها واجب تخييري ولا أقول كل ولا الأكثر بل الكثير. إما تأتي بواحدة أو بثلاث أو بخمس أو بسبع. طبعا بعض القدماء بنوا على واحدة وعشرين تكبيرة والنص موجود يعني كل تكبيرات الصلوة التي للركوع وللسجود وللقيام وغيرها تجمعها و تأتي بها في الأولى وهذه النكات تترتب عليها اثار كثيرة. هل التكبيرة ماهية واحدة والكثير يصلون عقود من السنين من عمرهم ولا يلتفتون إلى تكبيرة الاحرام في الصلوة ولكنه يكبّر قبل الركوع بعنوان التكبير قبل الركوع أو التكبير في القيام هذا يمكن تصحيح صلوته أم لا؟

أريد أن أنبه إلى هذا المطلب أن تكبيرة الإحرام نفسها عبادة مستقلة في نفسها ولها حقيقة شرعية وهل الحقيقة الشرعية تكبيرة واحدة أو ثلاث أو خمس أو كل التكبيرات تكبيرة الاحرام؟ على كل فإذاً هذا المبحث حساس أن الجامع الوحداني في المركبات في الصحيح أو الأعم واحد وإن كل ما ينضم يدخل في الماهية ولا مانع أن الماهية الواحدة تزداد أكثر وتقل أقل وهذه كلها واجبة. مثل فصول الأذان للمستعجل يخفف وللمرأة فيه تخفيف فمراتب في عدد فصول الأذان وفصول الإقامة و كل المراتب داخل الأذان والاذن ذو مراتب يعني ينبسط ويكثر ويقل وينقبض.

لذلك صاحب الجواهر جزم بأن ما ذكر من الزيادات في التشهد التي منها الشهادة الثالثة حينما هو أفتى باستحباب الشهادة في تشهد الصلوة في كتاب تشهد الصلوة في الجواهر ووصل إلى هذا المطلب في تسليم الصلوة ذكر الأصح هو ليس مستحب بل واجب تخييري.

لان طبيعة التشهد مثل خطبة صلوة الجمعة وإذا تمدها كلها واجبة وإذا تقصرها هي واجبة وإذا توسطها هي واجبة فمن ثم قال كل زيادات التشهد التي شرعت ومنها الشهادة الثالثة هي من الواجب التخييري فمن ثم يذهب إلى أن الشهادة الثالثة في تشهد الصلوة في كتاب الجواهر في مبحث التسليم أنه واجب تخييري. المخرج الصناعي له هو هذا المبحث. بعض العناوين المركبة إضافة العناصر اليها ليس من قبيل إضافة العرض للمعروض بل تنضاف اليها داخلية.

مثلا في موثقة أبي بصير التشهد قريب صفحة و نصف وفيها التشهد بالجنة والنار و الصراط والساعة قريب خمسة عشر شهادة وفيها التكرار للشهادتين وكلها مصداق للتشهد وواجب تخييري على تصوير صاحب الجواهر.

نرجع: ما هو الدليل على أن الجامع لا بد أن يكون واحدا؟ لماذا التزم الأعلام؟ هذه نكتة صناعية. لماذا يجب أن يكون الحقيقة الشرعية في العبادات واحدة؟ تكبيرة الاحرام هو تكبيرة واحد. حتى البعض في بحث تكبيرة الاحرام يذكرون مواطن استحباب التكبير ولو كماهية منفردة في باب الصلوة. ولو موارد استحباب الصلوة بغض النظر عن الصلوة، فهذه لنكتة لطيفة مما ينبه على أن الاعلام يتعاملون مع أجزاء الصلوة قبلها داخلها و بعدها تعامل أنها في نفسها ماهية عبادية بغض النظر عن الصلوة وأمر بها في موارد متعددة وهي حقيقة شرعية واحدة وليست حقائق. هذه نكات صناعية مهمة.

على كلٍّ الجلسة القادمة نبيّن أنه ما هو الوجه لالتزام الاعلام بالحقيقة الشرعية الواحدة ويترتب عليه اثار كالتمسك بالاطلاق و التمسك بحوالة العناوين على بعضها البعض وجدا هذه ثمرةعظيمة. يعني أن الروايات الواردة في التشهد في الزيارة يتمسك بها في الأذان والإقامة و لانخلط بين الأبواب لان الحقيقة الشرعية واحدة و التفرقة بين الأبواب خلط وعدمه يحتاج إلى الدليل.

ما هو الدليل على وحدة الجامع وهو من أركان بحث الصحيح والأعم؟ وما بيّنها الشارع في عمرة التمتع هل هو في نفسها في العمرة المفردة؟ أو لا؟ فالثمرة مهمة جدا.

إن شاء الله نخوض فيه