الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/05/16

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:باب الالفاظ/ الصحيح و الاعم/الصحة الاقتضائية والصحة الفعلية - النسبة بين الصحة الفعلية والصحة الاقتضائية - أنماط الأجزاء

كان الكلام في الصحيح والأعم ومرت بنا جملة من النقاط.

النقطة التي توقفنا فيها في الصحيح والاعم هي معنى الصحة؟ مر أن الصحة لها معاني عديدة، الصحة الاقتضائية والصحة التأهلية والصحة الفعلية وأن الصحة الفعلية تشتمل على أمور زائدة على الصحة الاقتضائية والتأهلية، كما أن المانعية أيضا فيها المانعية الاقتضائية والمانعية الفعلية فالموانع ليست على نسق واحد.

مثلا في الصلوة إذا وقع على الانسان نجاسة خبثية في أثناء الصلوة يمكن للإنسان أن يرمي بالثوب الذي تلوث بالنجاسة الخبثية ويمكن أن تخلص من المانع. هذا بخلاف صدور الحدث فالمقصود أن الموانع مختلف عن بعضها البعض فكما هو الحال في جانب الموانع كذلك الحال في جانب الصحة أو جانب الأجزاء فالكل ليس على وتيرة واحدة.

بتعبير الأعلام كما مر بنا أن هناك قيودا أو أجزاء نفس ماهية الشيء أو المسمى وهناك قيود المأمور به وقد لا يكون دخيلا في المسمى والماهية والعنوان لكنه دخيل في الأمر وتعلق الأمر والمأمور به. فإذاً ليس كل ما هو دخيل في الصحة الفعلية دخيل في الصحة التأهلية. لكنه بالعكس صحيح يعني أن كل ما هو دخيل في الصحة التأهلية والاقتضائية فهو دخيل في الصحة الفعلية.

بعض الأمور قد لا يكون دخيلا في الصحة الاقتضائية لكنها دخيلة في الصحة الفعلية. أعيد المعادلة: كلما دخيل في الصحة الفعلية ليس من الضروري أن يكون من عناصر الصحة الاقتضائية يعني أن بعض ما هو دخيل في الصحة الفعلية ليس من الصحة الاقتضائية ولكن كل ما هو دخيل في الصحة الاقتضائية فهو دخيل في الصحة الفعلية.

هنا الثمار الدسمة في البحث وبحث الصحيح والاعم والفوائد الضمنية فيه أهم من المباحث المذكورة فيه وكثير من المباحث الأصولية هكذا.

أعيد المعادلة؛ ليس كل ما هو دخيل في الصحة الفعلية هو دخيل في الصحة الاقتضائية، فما هو دخيل في الصحة الفعلية أعم من عناصر الصحة الاقتضائية لكن كل ما هو دخيل في الصحة الاقتضائية دخيل في الصحة الفعلية.

إذا أتانا دليل وأوضح لنا ماهية الصوم أو ماهية الصلوة أو الطواف أو السعي أو الحج هل هذا يعني أن الدليل قد استوفى كل شرائط وقيود الصحة الفعلية؟ لا، إذا أتانا دليل مثل «الصلوة ثلثها الركوع وثلثها السجود وثلثها الطهور» أو «إن الصلوة أولها التكبير واخرها التسليم» فهل هذا الدليل وهذا النمط من الأدلة دال على كل العناصر الدخيلة في الصحة الفعلية؟ لا، لأن الدليل متعرض للصحة الاقتضائية والصحة الفعلية لها عناصر أخرى.

حتى لو أتانا دليل في الصحة الاقتضائية يحصر لنا عناصر الصحة الاقتضائية في شرائط منحصرة فهل هذا الدليل يكتفى به ويتمسك به في الصحة الفعلية؟ لا يتمسك به. لأن مقام الصحة الفعلية مقام آخر وعناصر الصحة الفعلية مقام اخر. هذه نكتة جدا مهمة

فحينئذ أدلة الصحة الاقتضائية ليست في بيان كل عناصر الصحة الفعلية فلا يعترض معترض ويقول من أين أتيتم بقيود أخرى وراء أجزاء وشرائط المسمى مع أن الأمور توقيتية وتعبدية؟ لأن الأدلة التي تتعرض إلى عناصر الصحة الاقتضائية والتأهلية ليست في صدد استعراض واستيعاب كل عناصر الصحة الفعلية إذا تعقل الأصولي والمجتهد أن الصحة الفعلية تختلف سعة عن الصحة الاقتضائية.

قلنا: ليس كل عنصر وقيد هو دخيل في الصحة الفعلية هو قيد في الصحة الاقتضائية فالصحة الفعلية صارت أعم.

بمعنى اخر الصحة الاقتضائية أعم من الصحة الفعلية، كيف؟ لأنه ليس كلما صدقت الصحة الاقتضائية تحققت الصحة الفعلية. فبهذا اللحاظ الصحة الفعلية أخص من الصحة الاقتضائية. والعكس إن الصحة الفعلية فيها قيود ليست في الصحة الاقتضائية وكذلك الحال في المعاملات.

مر بنا أن الصحيح والاعم ليس بحثا عن خصوص عناوين المركبات المأخوذة في متعلق الاحكام الشرعية كالصوم والصلوة والطواف والسعي. هذه عناوين متعلق الحكم الشرعي يعني عناوين أفعال المكلف. لكنه عندنا مركبات وعناوين ومسميات ليست أفعال المكلف يعني أنها مأخوذة موضوعة للحكم الشرعي، يعني قيود الوجوب.

المتعلق هو ماهية الواجب كأن الصلوة واجبة وليست قيود الوجوب والصوم واجب وليس قيود الوجوب والطواف والسعي ماهية واجبة وليست قيود الوجوب.

أما استطاعة الحج وأجزاء استطاعة الحج هذه ليست من الواجب وإنما هي قيود الوجوب وكذلك في صلوة المسافر قصد المسافة وقصد السفر وأن يكون مباحا وثمانية أجزاء وقيود، هذه ليست متعلقا للحكم الشرعي بل هي قيود الوجوب. مر بنا أن الصحيح والأعم لا يختص بالواجب بل يشمل المركبات وقيود الوجوب.

مثال على الصحة الفعلية والصحة الاقتضائية: دليل ورد في استطاعة الحاج على الزاد والراحلة وتخلية السرب ثلاثة عناصر. تخلية السرب يعني طريق سالك والزاد هو معونة السفر والراحلة تعني الوسيلة للحركة. بينما الاعلام اشترطوا قيودا أخرى في الاستطاعة كأن لا يكون مديونا وأن لا يكون مبتلى بواجب ضيّق أهم وعناصر كثيرة في الاستطاعة. فمن أين أتوا بها؟ إذاً هناك عناصر مثل ما نعبر في الصحة الاقتضائية في أصل موضوع الاستطاعة وهناك عناصر مأخوذة في الصحة الفعلية يعني لتمامية موضوع وجوب الحج أو قيود وجوب حجة الإسلام. فإجمالا يجب أن نلتفت إلى قيود الأمر وقيود المأمور به وفي جانب قيود الوجوب وفي جانب قيود الواجب. فقيود الصحة الاقتضائية تختلف عن قيود الصحة الفعلية.

مثالا آخر: الاعلام والفقهاء ذكروا في المركبات في العبادات أو المعاملات أن هناك شرائط عامة وهناك شرائط خاصة. العامة يعني أن الدليل وارد في جملة من الأبواب وليس واردا في باب خاص. والشرائط الخاصة يعني أن الدليل ورد لخصوص باب الصلوة مثلا. حينئذ الفقيه أو المجتهد عندما يريد أن يستنبط لا ينظر إلى الأدلة الخاصة بل ينظر إلى الأدلة العامة والشرائط العامة ولايظنن الفقيه والمجتهد ان الدخيل في الصحة الاقتضائية خصوص الأدلة الخاصة. العبادات أيضا لها شرائط عامة. إذا أتى دليل عام في كل العبادات واشترط شرطا وقيّد قيدا فهذا جزء. صناعيا الفذلكة تختلف لكن بالتالي دليل أما في الصحة الاقتضائة أو الصحة الفعلية.

فلاتقل هنا الدليل الخاص بباب الصلوة لم يرد. هذا الجزء أو المانع أو القيد أو أي شيء آخر ليس دليله خاص بباب الصلوة بل عام لكل العبادات مثل أن الرياء مفسد العبادة سواء كان الوضوء أو الصلوة أو الغسل أو الطواف أو السعي أو العمرة أو غيرها لأن ادلته غير خاصة للصلوة. والرياء دخيل في الصحة الفعلية لكن بالتالي مانع دليله عام.

عكس ذلك في الجزء يشترط في النية كذا وكذا وشرائط النية في العبادة خاصة بعبادة دون عبادة ومن الشرائط العامة. فهذه النكات مهمة أن نفرق بين الصحة الاقتضائية والصحة الفعلية وبين الدليل الخاص للصحة الفعلية أو الدليل الخاص للصحة الاقتضائية وبين الدليل العام للصحة الاقتضائية أو الصحة الفعلية. لابد من الالتفات إلى هذه الأمور.

لذلك من باب المثال الولاية على مبنى الغالب والأغلب ومعظم علماء الامامية شرط صحة العبادات. الصحة الاقتضائية أو الفعلية بحث آخر، وليس دليله خاصا بالصلوة ولا بالصوم. فلا تطالب بالدليل الخاص في باب الصلوة بل هي دليله عام لكل العبادات ودخيل في المركبات.

لا تستشكل أنها شرط في الصلوة وليست شرطا في تشهد الصلوة، بل هو شرط في أجزاء الصلوة وكل العبادات. عندما يقال بأن الولاية شرط في صحة العبادة، فأي عبادة؟ حتى الأجزاء. تعلمون في باب الصلوة أو الصوم أو السعي أو الطواف فرق بين ما هو شرط في كل جزء جزء من المركب وبين ما هو شرط في جزء واحد من المركب، وفرق بين أن يكون شرطا لمجموع الأجزاء وبين أن يكون شرط لجزء واحد. فلما يقال أن هذا شرط في المركب ليس المراد منه أنه شرط في مجموع المركب وليس شرطا في جزء المركب وجزء جزء المركب. لا بل شرط في كل ما له تابع عبادي

هل الصلوة أفعال بدنية فقط؟ لا، هل هي أقوال فقط؟ لا، أفعال جوانحية فقط؟ لا. بل الصلوة مجموع الأفعال البدنية واللسانية والجوانحية والقلبية. النية فعل القلب وليس فيه لفظ اللسان وهي عبادة ودخيلة والركوع ليس فقط حركة بدنية أو السجود. ما لم تقصد قلبا عنوان الخضوع لا يكون ركوعا ولايكون سجودا. فلاحظ هذا فعل قلبي وليس فعلا بدنيا. الصلوة هي التوجه واستقبال البدن والقلب والوجه لرب العالمين. هذا ليس فقط أمرا بدنيا.

المهم أن الصلوة لها أفعال قلبية وتلك الأفعال القلبية عبادية ولما تكون عبادية فمشروطة بالولاية فلا تقل ما الدليل على أن الصلوة مشروطة بالولاية؟ هذا شرط عام. أنت إذا تريد أن تستنبط باب الصلوة فقط بالأدلة الخاصة الواردة في باب الصلوة أو التشهد فكارسة وليس استنباطا اجتهاديا. إنما تستنبط شئون الصلوة من الأدلة الخاصة والعامة. هذه مثل هندسة وحلقات لمركب ماهية شرعية وإذا لا يلتفت الانسان إلى كيفية الحلقات والعناصر المرتبطة بعضها إلى البعض لايتمكن من التعرف على البحث.

للبحث تتمات ان شاء الله تعالى