الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/05/08

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:باب الالفاظ/ الصحيح والأعم/معاني الصحة والفساد

(التحليل في مبحث الصحيح والاعم)

مر بنا أن الصحيح والأعم مبحث تحليلي صناعي لمعاني جميع العبادات وجميع المعاملات، وسيأتي تفاصيل أخرى تمتاز بها المعاملات عن العبادات وهذه التفاصيل التي ذكرها الأعلام في المعاملات عن العبادات يوميات باب المعاملات مرتبط بها، كيف يتمسك بأدلة الصحة وكيف يتمسك بأدلة اللزوم وما الفرق بين موضوع أدلة الصحة وموضوع أدلة اللّزوم وما هو معنى أدلة فساد المعاملات مثلا «حرم الربا»

هذه البحوث دقيقة ومهمة وإنما تستكشف ضوابطها ومعانيها من خلال مبحث الصحيح والأعم ومبحث المشتق وهو أيضا مبحث تحليلي في المعنى والأعلام ليسوا متفقين في هذه المباحث وكل واحد منهم له نظر لكن لا يعني أن هذه المباحث استذواق وهلوسة، بل آراء و استنتاجات لدى الاعلام وكل يعتمد على الشواهد وهذا طبيعة الاجتهاد لكن هذا لايبرّر ان يعزب الباحث عن هذه المباحث لانها مسيرية وفيه آثار وثمرات فقهية كثيرة.

من ثم المباحث الفوقية في الصحيح والأعم لديّ أهم من التفاصيل وهذه الدورة بحمد الله وبمشية الله نركّز على البحوث الفوقية الأفضل من التفاصيل، فمعنى خوض الأعلام في الصحيح والأعم في الأصول والفقه في بحث خلل الصلوة وخلل الحج وخلل الطواف وما هي الضابطة وأركان الحج، يعني أحد المباحث المهمة المثمرة من الصحيح والاعم هو الفرق بين الأجزاء الركنية وغير الركنية سواء في العبادات أو المعاملات أو الفرق بين نفس الأركان وفي نفس الأركان اختلاف في التأثير والماهية، ثم الأركان في المركب مثل أن القبلة ركن وهل كل درجات القبلة ركن؟ الركوع ركن، أي شيء في الركوع ركن؟ كل ما في الركوع ركن؟ السجود ركن هل كل ما في السجود ركن؟ الوقت ركن أي درجة من الوقت ركن؟ صرف أن نتعرف على الأركان لا يكفي بل يحتاج إلى التحليل والتفصيل وهذا كله شاهد على أن الاستظهار في الاستنباط لا يكفي فيه الاجمال والجمود على سطح الالفاظ وسطح المعنى هذا ليس استنباطا بل هذا عمل الراوي وبداية فهم الأدلة وفهم الأدلة عبارة عن ان تعبر عن اللفظ إلى المعنى ثم إلى منظومة المعاني ومعرفة كيفية ترتبها ومرارا مر بنا أنه ما عندنا في الشرع والتكوين دليل مستقل بل كلها منظومة وتناسق فبالتالي المعاني للادلة لابد أن تتناسب وتتناظم مع بعضها البعض.

«لولا النفر» النفر إلى مراكز علوم أهل البيت وهي في زماننا الحوزات العلمية وهذا النفر ليرووا ولاجل الرواية وللوقوف على روايات أهل البيت وبعد ذلك ليتفقهوا وليتفهموا.

اذا مبحث الصحيح والأعم ومبحث المشتق وكل هذه المباحث التي ستأتي ينبهنا إلى ان قالب المعاني و ارتباط المعاني مبحث تحليلي صناعي لابد منه ونسبته إلى الاستذواق والهلوسة كلام العجزة. طبعا لابد من الشواهد والموازين والنظم.

عدة نقاط مرت بنا في الصحيح والأعم.

(معنى الصحة والفساد)

نقطة أخرى أثارها الأعلام في الصحيح و الأعم: أنه ما هو معنى الصحة؟ طبعا هنا في البداية الأعلام ذكروا معاني للصحة متناسبة مع العبادات و لم يذكروا معاني الصحة المتناسبة مع المعاملات أو الايقاعات لكن بعد ذلك في مبحث الجامع في المعاملات يثيرون معاني الصحة للمعاملات.

ربما مجموع ما ذكروه في معاني الصحة في المعاملات يقرب من خمس أو ستة معاني وهذه المعاني مهمة جدا لأن يوميات الفقيه لابد ان يلتفت إلى أدلة الصحة وأدلة الفساد وما شابه ذلك. ما يعني أدلة الفساد؟ مبحث جدا حساس يؤثر على مسار الفتاوى في المعاملات. ما هو معنى الفساد في المعاملات؟ ذكرنا العام الماضي أو قبل سنتين في المكاسب المحرمة، بعض الأعلام فسر الفساد الشرعي بنحو يمكن عدم التقيد به والتقيد بالتقنين العرفي الوضعي.

بشكل ملخص ولا أريد في تفاصيله وسيأتي؛ بعض الاعلام حتى صاحب الجواهر وعجيب من هذا الفقيه الفحل الكبير في بحث القمار والشيخ الانصاري يتعجب منه، أن الانسان يمكن له أن لا يبنى على الفساد الشرعي ويبني على الصحة العرفية.

هل هذا هو معنى الفساد الشرعي أو معناه أن الشارع يريد أن يقف أمام العرف لا يريد أن يقول أنا لا اعتبره بل يقف امامه مثل المحرمات التكليفية. ان الشارع اذا يقول الزنا حرام أو الفجور حرام أو شرب الخمر حرام هل يعني اذا يتبنى الشرع فحرام اما اذا يتبنى القوانين الوضعية ذاك مسار آخر وحيات أخرى. لايمكن ان يقال: إذا كانت حكومة دينية نتقيد بأن الخمر حرام وأما إذا كانت الحكومة غير الدينية فمسار آخر. هل هذا معنى تحريم الشارع؟ ههنا مبحثه. معنى الفساد في التكاليف في المعاملات أو العبادات ماذا؟ فنكات جدا مهمة وينطبق على هذا المبحث ما هو الصحيح و الأعم ومعنى الصحة والفساد في العبادات والمعاملات.

لاحظ، هذا المبحث تحليل في المعاني كمعنى الحرام هل يطالبني على صعيد السياسي أو الفردي أو الاجتماعي أو يكون لابشرط أو لابألف شرط؟

نرجع: فمعاني الصحة والفساد خمسة واذا كان في العبادات معاني الصحة متعددة فمعاني الفساد أيضا تتعدد.

الان نذكر معاني الصحة والفساد في العبادات.

في معاني الصحة والفساد ذكر الاعلام أحد معانيها ما يوجب سقوط التكليف من المتكلمين والصياغة الثانية سقوط العقوبة.

أصلا مبحث الدولة المدنية والدولة الدينية هنا في مبحث الصحيح والأعم وانطلاقها هنا، لماذا يحكم الشارع بالصحة والفساد؟ هل تنظيرا أو بمعنى آخر؟

الصياغة الثالثة: إسقاط القضاء من الفقهاء والمعنى الرابع في معنى الصحة والفساد في العبادات هو تمامية الأجزاء. طبعا في هذا المعنى من معاني الصحة ربما المعاملات تشترك مع العبادات في ما كانت المعاملات مركبة أو الايقاعات مركبة.

متى تكون المعاملات مركبة أو غير مركبة يعني البسيطة؟ ولو سيأتي البحث لكن من باب الفهرسة.

الاعلام قالوا إن المعاملات والايقاعات إنما تكون بسيطة بلحاظ المسبب والماهية وليست بسيطة عقلية بل في الوجود الخارجي وإلا كل المعاملات ماهويا وعقليا مركبة بتركب عقلي وليس بتركب خارجي.

أما أسباب المعاملات وأسباب الإيقاعات فهي مركبة خارجية كالايجاب والقبول والعوضين والشرائط والمتعاقدين مركبة من الأجزاء.

أما تحليل هوية الانسان ليس بدن الانسان تحليله تركب عقلي، فالإنسان له تركب خارجي وهو بدنه وله تركب عقلي وهي هويته وماهيته وبقية الموجودات أيضا هكذا.

المعاملات من ناحية السبب لها تركب خارجي يعني تشاهدها ولها تركب خارجي ولكن بلحاظ المسبب ماهية البيع والاجارة والمضاربة، كما أنه ما الفرق بين ماهية المضاربة وماهية القرض الربوي ماهويا؟ هذه معضلة وقع فيها الاعلام وفيه تعقيد وبحث صعب وجدا دقيق وما هو الفرق بين الحيل الشرعية في باب المعاملات المالية وبين المعاملات المحرمة ماليا؟ الفرق ماهوي وليس الفرق فقط في الأسباب كقولك «أقرضت بشرط الربح أو ضاربت بشرط الربح» ولعلمكم يقول أغلب الفقها إن المعاملات لا تدور الالفاظ فقط بل تدور مدار أن العقود تابعة للقصود وان يحلل الكلام ويحرم الكلام لكن القصود لها دور والقصود هي البعد الماهوي العقلي للمعاملات بخلاف الايجاب والقبول والكلام والأسباب وهي أجزاء خارجية. فاذا هناك معنى مشترك في الصحة بين العبادات والمعاملات إذا كانت المعاملة يلاحظ فيها الأسباب.

فهذه النكتة أن عالم المعاملات فيها الأسباب وفيها المسببات وبعض الاثار تترتب على السبب وبعض الاثار تترتب على المسبب وبعض الاثار لا تترتب على الأسباب ولا على المسبب بل تترتب على اثر المسبب فهو اثر المسبب أو قل مسبب المسبب.

نكتة يسيرة دقية عقلية تحليلية أفتى جميع القدماء بمن زنى بذات البعل تحرم عليه مؤبدا لنكتة تحليلية وغفل عنها متأخروا الأعصار في القرنين الاخيرين. ما هي النكتة: أن الوارد علينا «من نكح ذات البعل» أو «نكح ذات العدة» القدماء يقولون ليس المراد من «نكح» السبب فقط ولا المسبب فقط بل المراد أثر السبب والمسبب أيضا وهو الوطي واصلا المراد هو الوطي فحينئذ الأدلة تصير واضحة كالشمس وكل ما ورد فيه نكح ذات بعل ليس المقصود منها العقد فقط ولا المقصود منها المسبب فقط بل المقصود أيضا يشمل الوطي فالادلة وافرة بوفور وأشار اليه ثلاثة عشر فقيها من القدماء في كتبهم لنكتة تحليلية. صناعة الاستنباط هو التحليل وهذا التحليل ذكره القدماء.

فإذاً نظام المعاملات عند الأعلام هو الأسباب والمسببات والآثار يعني اثر المسبب ومسبب المسبب والمسبب الأول يكون بمثابة السبب لمسبب الثاني وقد تترامى كالمسبب الثالث والرابع والكل لازم عليه ان يحيط عليه الباحث في باب المعاملات وبلحاظ هذه الطبقات أي معنى من الصحة مرادة أو من الفساد.

«لكل قوم نكاح» هذه قاعدة شرعية وماذا معناها؟ فتوى صدرت من بعض الأعلام أن هذه الصداقة العرفية عند الغرب باعتبار ان الزواج الكنيسي لايمكن ان يطلقه ابدا والزواج القانوني أيضا لازم ان يعطيها للزوجة والعرف تمرد وقال لا نريد الزواج الكنيسي ولا الزواج القانوني واصطلحوا الصداقة لا بمعنى اللعبة بل توافق الرجل مع المرأة مع المسئوليات المشتركة بدءا من الحياة المشتركة وإذا يريدان الطلاق والتفرقة فيفرقان. هذا زواج عرفي ثالث واستفتوا عنها هل التي لها صديق عرفي يمكن التمتع بها؟ قلت ابدا، هذا زواج عرفي ويشملها «لكل قوم نكاح» ولايجو لذلك مساحة كبيرة في الزواج العرفي ويخلفون الأولاد و يلتزمون بالالتزامات يعني تمرد العرف على دائرة قانونية كنائسية أو المدنية ويشملها «لكل قوم نكاح» فالعرف يفسح لنفسه مجال لذلك في عرفهم هذا الزواج غير الزنا وغير الخيانة وغير اللعبة وهم انظمتهم تضطر ان تقبل هذا الزواج العرفي بعقد آخر وعقد ثالث.

المقصود أن معرفة مبحث الصحة والفساد والصحيح والأعم في الأسباب والمسببات يحلحل مباحث كثيرة في المعاملات أو العبادات. فهناك معان للصحة والفساد.

وأحد المعاني هو التمامية والنقص اذا كان تركيب في المعاملات بمعنى الأسباب يعني التركب الخارجي.

البعض فسر الصحة في العبادات أنه ما يوجب تحقق الملاك والأثر والحكمة من التشري

والميرزا الناييني والمرحوم الاصفهاني فسرا الصحة في العبادات لا بمعنى التمامية والنقص بل فسراها بما يرتبط بإسقاط الأمر أو إسقاط القضاء أو إسقاط العقوبة مثلا. هذا الترديد بين إسقاط الأمر وإسقاط العقوبة فيه نكتة صناعية في العبادات لا بأس ان اذكرها.

(التلازم بين الصحة والفساد والعقوبة؟)

مشهور القدماء التزموا أن بعض العبادات صحيحة وإن لم تسقط العقوبة. عمل صحيح لكنه لا يسقط العقوبة يعني إذا كان ناقصا بتفريط من المكلف.

مثلا جريان «لا تعاد» على ما هو المشهور وهو الصحيح أنها تجري في المقصّر خلافا للسيد الخويي وهو يجريه في القاصر فقط.

هل هذه القاعدة كما يقول الناييني تجري في القاصر فقط أو الجاهل والغافل؟ الجاهل والغافل القاصر أو المقصر؟ السيد الخويي يقول تجري في القاصر ولاتجري في المقصر والمشهور يجرونها في المقصر أيضا.

المشهور لما يقولون ان «لا تعاد» تجري في المقصر فصلاته صحيحة كما أنه ستين سنة فرّط في كيفية قرائة الحمد وقرائة تكبير الإحرام فالمشهور يقولون صلاته صحيحة ولا تعاد تشمله لكن عليه العقوبة للتفريط في المرتبة لكاملة للصلوة، المرتبة التي اتى بها ناقصة لكنها صحيحة وتسقط القضاء ولا تسقط العقوبة والعقوبة للتفاوت بين المرتبة الناقصة والمرتبة الكاملة.

نكتة لطيفة عند المشهور؛ أن إسقاط العقوبة لا ينفي أصل الصحة و هذا بنوا عليه في خلل الحج وغيرها بينما هناك من يقول بالتلازم بين الصحة و إسقاط العقوبة والسيد الخويي يستند اليه ويقول ما دامت العقوبة مسجلة فلاصحة في البين ويعيد كل الاعمال، أما المشهور فيقولون لامنافاة بين تسجيل العقوبة والصحة.

في حج أيضا هكذا في موارد يستند اليها متاخرون وقالوا حجه باطل وعمرته باطلة لان العقوبة سجّلت عليه والمشهور وهو الصحيح يقولون لامنافاة، عمرته صحيحة والعقوبة موجودة، الصحيح بلحاظ المراتب والعقوبة بلحاظ تفريط المرتبة العليا. لا العقوبة على أصل الصلوة بل العقوبة على تفريط المرتبة العليا.

هذا المبحث مهم وهذا قانون هل تلازم بين العقوبة و الصحة و الفساد؟ ليس فيها تلازم و هذه النكات جدا مهمة في بحث خلل العبادات. أصلا بحث خلل العبادات كله تحليلي..

ان شاء الله ستأتي تتمة بعد.