الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/05/06

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:باب الالفاظ/ الحقيقة الشرعية/الحقيقة الشرعية والشرائع السابقة

(الحقيقة الشرعية والشرائع السابقة)

كان الكلام في الحقيقة الشرعية هل هي ثابتة أو لا؟ طبعا كما مر أنها بمعنى، ليست فيها ثمرة وبمعنى فيها ثمرة وهي حمل الألفاظ على إرادة المعاني المجعولة شرعا لامحالة ولكن الكلام هنا أشبه ما يكون بالصياغة الفنية والشئون العلمية فيها وإلّا الثمرة مترتبة سواء قلنا بالحقيقة الشرعية أو لم نقل. فمتّفقون عليها الأعلام أن الألفاظ لا يحمل على المعاني الأصلية القديمة بل يحمل على المعاني المخترعة المجعولة من قبل الشارع.

لكن بحثهم بحث علمي وفني أنه في زمن النبي هذه المعاني الجديدة وضعت لها الألفاظ أم لا؟ أم أنها كانت موضوعة لهذه المعاني الجديدة قبل شرع الإسلام؟ فاذا البحث تخريج فني.

فعدم الثمرة يعني أن الثمرة ليست مرهونة بتقرير الحقيقة الشرعية فسواء قيل بالحقيقة الشرعية بمعنى ان اللفظ وضع له في زمن النبي أم لم يقل وإلّا في زمن الأئمة لاريب أن هذه الالفاظ لها العلقة بهذه المعاني.

فهل هذه المعاني قديمة أو جديدة أو قبل شرع الإسلام أو بعده أيا ما كان فهذه المعاني المركبة المخترعة الشرعية حصلت بينها وبين الألفاظ علقة. الان حصلت قبل الإسلام أو بعده في زمن النبي أو بعده تعينا احتمالات لكن أيا ما كان لها علقة بالمعاني الجديدة. لذلك الثمرة ما مترتبة وليست مرهونة بزمن حدوث هذه العلقة. لأن العلقة في زمن الأئمة موجودة.

لكن انصافا سنبيّن أن هذا البحث الفني له ثمرات.

هناك من يقول: إن القرآن الكريم يشير إلى عهود الأنبياء السابقين والعناوين المستعملة فيها، كالآية الكريمة: ﴿أوصاني بالصلوة والزكاة﴾[1] و﴿أذن في الناس بالحج يأتوك رجالا...﴾[2] س فكون هذه العناوين في زمن الأنبياء السابقين موضوعة للعناوين المخترعة أمر لها شواهد كثيرة.

هنا من أشكل في هذه النقطة ويقول: المعاني كانت موجودة لكن بأي دليل استعملت في اللفظة العربية واللغة العربية؟ النبي موسى عليه السلام كانت لغته عبرية والنبي عيسى عليه السلام كانت لغته عبرية أو سريانية، والسيد الخويي يسند إلى النبي عيسى أن لغته كانت سريانية والمفروض كانت لغته عبرية. نعم الانجيل أو التوراة قد ترجم من العبرية إلى السريانية أو من السريانية إلى العبرية وهذا موجود وصحيح. على كل المهم أن لغتهم كانت غير العربية. نعم النبي آدم والنبي نوح كانت لغتهما سريانية لكن النبي عيسى كانت عبرية والمهم انها كانت غير العربية. من ثم السيد الخويي يشكل بأن المعاني موجودة لكن بغير العربية وهذه العناوين.

لكن يمكن دفع هذا الاشكال وإن كان السيد الخويي ببركة درس الشيخ محمد جواد البلاغي كان متبحرا في الملل والنحل.

ظاهرا السيد الخويي كان يحاضر درسين من البلاغي درس التفسير ودرس العقائد والتفاصيل ما أطّلع عليها. آنذاك كان يدرس في النجف الشيخ محمد جواد البلاغي والأجلة الكبار ذكروا أنه كان بمستوى أن ينشر رسالة عملية ويتصدى المرجعية ولكن ما تصدى للمرجعية والرسالة العملية، لكن من الدروس الأصلية في النجف الاشرف كان درس العقائد ودرس التفسير الذان كان يقوم به الشيخ البلاغي وكان له موقف عظيم في الشعائر الحسينية في الحادثة المعروفة في النجف الاشرف وكان موقفه خلاف المرجع الأعلى السيد أبو الحسن الاصفهاني وكان موقفه مساندا للشعائر الحسينية بشكل جدا عظيم. المهم قصص العلماء كثيرة ورحمة الله عليهم اجمعين.

أيا ما كان يمكن رد كلام السيد الخويي بأن المسيحيين ونصارى نجران وغيرهم كانوا يعيشون في الجزيرة العربية ويختلطون وحتى اليهود وهم نزحوا من الشام إلى خيبر والمدينة المنورة وكانوا يختلطون بالعرب وكان العرب يتكلمون معهم باللغة العربية، سيما المسيحيون لأن المسيحية ليست دينا عرقيا عنصريا. اليهود لايقبلون أن يدخل في دينهم إلا من كان من نسل يعقوب أما بالنسبة إلى المسيحيين كانوا أعمّ وبالتالي هذه المعاني استعملت في اللغة العربية كالصلوة والصوم والحج.

فالصحيح كما أشار اليه صاحب الكفاية أن هذه المعاني المستحدثة موجودة في اللغة العربية واستعملت في المعاني المخترعة شرعا وإن لم تهجر المعاني اللغوية لكن استعملت في الجعل الشرعي. فالكلام في أن هذه المعاني استعملت بنحو الحقيقة أو بنحو المجاز والثمرة في موارد نشك فيها أن المعنى حقيقة لغوية أو حقيقة شرعية. فنقول إن قبل زمن الإسلام استعملت هذه العناوين في هذه المعاني المخترعة.الكلام هنا فقط ووقفة مع الاعلام.

الأعلام مثل صاحب الكفاية قالوا: إن الاختلاف في الأجزاء والشرائط بين شرع الإسلام وشريعة موسى وعيسى صلوات الله عليهم من قبيل الخصوصيات وأصل المعنى الجامع واحد.

لاحظوا: حسب كلام صاحب الكفاية، الصلوة المجعولة شرعا في شريعة النبي موسى وعيسى والإسلام وان اختلفت في الشرائط والاجزاء والكيفية إلا أن المعنى المخترع الشرعي له جامع يخالف المعنى اللغوي.

السيد الخويي ما أشكل على هذا المطلب وأشكل على أن لغتهم كانت سريانية وعبرية لا العربية وتبيّن الاشكال في كلامه رحمه الله. طبعا السيد الخويي بعده يقرّب ويقول كثرة الاستعمال في زمن النبي يقرّب حصول الوضع ولو تعينيا. وسيأتي

(وحدة الحقيقة الشرعية بين الشرائع)

الان وقفتنا في هذا المطلب؛ إن الأعلام متفقون على أن اللفظة في الصلوة والعبادات والتهليل والتكبير وغيرها لها حقائق شرعية غير المعنى اللغوي القديمة الأصلية وإن لم يهجر المعنى اللغوي من قبيل الاشتراك اللفظي، وأما الاختلاف المركب بين شريعة النبي موسى وعيسى وسيد الأنبياء هذا الاختلاف من قبيل الوضع العام وبينهم جامع والموضوع له الخاص.

مر بنا أن الوضع العام وموضوع له الخاص من قبيل الاشتراك المعنوي لأن الوضع واحد ووحداني والموضوع له متعدد.

فالمقصود هذا المطلب؛ إذا كان الأعلام الصحيحي منهم أو الأعمي يصوّرون الجامع الموجود في الحقائق الشرعية بين الشرائع الثلاث فهل التشهد في الشريعة الإسلامية الواحدة له حقائق متعددة شرعية أو حقيقة شرعية واحدة؟

لا أقول أن التعدد ممتنع وإذا كان دليل عليها فنعما هي، لكن إذا كان العبادات بين الشرائع لاتتبدل وتكون واحدة فهل يكون في الشريعة الواحدة متعددة؟ فأقصد أن من أثار من الأعلام في بحث التشهد في الصلوة والشهادة الثالثة فيه أن التشهد في الصلوة يمكن أن يكون غير التشهد في الايمان والإسلام كلامه عجيب وغريب جدا. بين الشرائع الثلاث للعبادات جامع و في الشريعة الواحدة ليس لها جامع. هذا تحكم.

هذا تقريب لأن التشهد له حقيقة شرعية واحدة في الأبواب المختلفة وله الحد الأدنى والحد الأعلى.

حتى شريعة النبي إبراهيم عليه السلام كانت موجودة آنذاك، الصلوة في بيت الله الحرام والطواف والسعي والحج كانت من شريعة النبي إبراهيم وبقيت إلى زمن النبي صلى الله عليه وآله «ما كانت صلوتهم إلا مكاءا وتصدية» هذه ليست بمعنى الدعاء فإذاً هذه الحقائق كانت موجودة باللغة العربية من النبي إبراهيم وحتى النبي إسماعيل.

(عظمة عبدالمطلب)

حتى عبدالمطلب شرّع شرائع في الحج وتدخّل في الحج.

العجيب أن قريش ما أنكرت عليه وما قالت صبّأ -بمعنى العلماني ودخل في الدين ما ليس في الدين. صبأ في اللغة العربية كما قال: أن محمدا صبأ يعني جعلهم إلى الصباوة يعني العلمانية والبشرية و البعد البشري. العلمانية باللغة العربية يعني الصابئة والصابئين يعني الذين فكرتهم هذه أنا ننتخب من الدين ما يعجبنا وما يليق لنا ونقنن لأنفسنا ما يليق لنا ولا نقبل من الأنبياء ما لا يليق لنا. فكرة الصابئة بالدقة هي العلمانية القديمة-

المقصود أن قريش ما طعن في عبدالمطلب وقبلت منه وأيضا شرّع زمزم كسقاء مندوب في نسك حج. خمس سنن شرّعها عبدالمطلب وما شرّعها من باب السانية العشائرية بل من باب الناموس الإبراهيمية. لكن كيف قريش تلقت منها القبول لا أدري، هل كانت تنظر اليه كالنبي أو حامل لوصاية إسماعيل؟ في بخاري والصحاح الستة والكتب الحديثية هذا الحديث موجود: إن جدي عبدالمطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن وأجراها الله في الإسلام ويعني المقام العظيم. «وإن جدي عبدالمطلب يبعث يوم القيامة وعليه سيماء الأنبياء وبهاء الملوك» والملوك يعني الأئمة وقد يفهم من هذا الحديث أن له البنوة.

الخمس في الكنز والدّية وتحريم نكاح الأبناء نساء الآباء كانت من تشريعات عبدالمطلب لا بمعنى أنه كان تابع شريعة النبي موسى ولا عيسى بل هو شرّعها. إذًا يدلّل على شأن عبدالمطلب وبني هاشم بضرورة المسلمين ولم يكن عبدالمطلب تابعا لعيسى ولا موسى بضرورة المسلمين. إذا قلت أنهم كانوا موحدين وعلى دين إبراهيم ولم يشركوا بالله طرفة عين أبدا وأصلاب طاهرة وأرحام مطهرة فماذا تستنتج؟ وبتقرير النبي ان جدي عبدالمطلب لم يبدع في الدين، ماذا تستنتج؟ واضح القضية. غير الايات الكريمة التي تدل على هذا المطلب بقوة وان اصطفاء آباء النبي من ذرية النبي إسماعيل أعظم من اصطفاء إبراهيم في سورة البقرة وسورة الحج ولسنا في صدد هذا المطلب والحر تكفيه الافاقة.

إذاً هذه الشرايع كانت من شريعة النبي إبراهيم والحج فيها كل أبواب العبادات كالصلوة والصدقة والهدي والسعي و الطواف. لذلك عندنا رواية أن الحج شريعة والحج شيء مسلم ورثته قريش باللغة العربية من النبي إبراهيم وإسماعيل.

(امكان الوضع بالاستعمال)

بغض النظر عن هذه لو افترضنا أن هذه المعاني لم تكن لدى العرب فبحث الاعلام بحثا علميا لابأس به. أنه لم ينقل أن سيد الأنبياء شكّل محفلا ومجلسا ووضع اللفظ في الماهيات المخترعة لكن فيه طريقة في الوضع التعييني لا التعيني، أن الاستعمال الأول من النبي صلى الله عليه واله أو القرآن هو استعمال بنحو الوضع التعييني.

هل هذا يمكن أو لايمكن؟ السيد الخويي قال: يمكن خلافا لجملة من اساتذته والحق مع السيد الخويي. بعضهم قال لايمكن، باعتبار أن الاستعمال فناء اللفظ في المعنى والوضع لحاظ اللفظة بنحو استقلالي لا الآلي. فكيف يجتمع الاستعمال مع الوضع؟

أجاب السيد الخويي بجواب متين وله شواهد كثيرة لا فقط في المقام: قال: من قال إن النظرة إلى اللفظة في الاستعمال فنائية؟ النظرة إلى اللفظ استقلالي والنظرة إلى المعنى أيضا استقلالي. علماء التجويد كيف ينظرون إلى اللفظ لكي يتقنون التلفظ به. فيمكن أن يلاحظ اللفظ في الاستعمال مستقلا فكون الاستعمال عبارة عن إفناء لحاظي للفظة في المعاني لايقبلها السيد الخويي والحق معه خلافا للكثيرين. إذًا يمكن في خلال استعمال واحد وضع اللفظ للمعنى.

عند السيد الخويي جواب آخر متين. لو التزمنا أن الاستعمال فناء اللفظ في المعنى مع ذلك ليس الوضع بالاستمعال ممتنعا، لأن الوضع إنشاء العلقة بين اللفظ والمعنى وهذا تسبق الاستعمال لأنه اعتبار على كل المباني في حقيقة الوضع. الوضع ما هو؟ اختصاص اللفظ بالمعنى وهذا الاختصاص نوع من الاعتبار وهذا الاعتبار أول ما يبدأ من المعتبر يلحظه في نفسه. حتى على مبنى غير السيد الخويي. دور اللحاظ النفساني موجود في الوضع والاعتبار قبل الإبراز والإنشاء والايجاد. حينئذ عندما تستعمل تبرزه وقبله كان ملحوظا كان عندك اعتبارا.

لذلك ذكر السيد الخويي إن الاستعمال الأول للفظة في المعنى الجديد متعارف في الشريعة أو الاصطلاحات الأخرى لتجديد الاصطلاحات أن الوضع التعييني عادتا لا يكون بنحو إعلان انشائي بل يستعملون الاصطلاح وهو وضع تعييني. هذا فضلا عن الوضع التعيني وهو شيء آخر.

هذا تمام الكلام في الحقيقة الشرعية وخلاصة ما التفتنا اليه تطبيقه في التشهد في الأبواب الفقهية هل هو حقيقة شرعية واحدة أو حقائق وان الأصل الاولي يحمل على المعنى الوحداني.

ان شاء الله سنشرع في الصحيح والأعم.

ما ربط الصحيح والاعم بالحقيقة الشرعية؟ الصحيح والأعم عبارة عن تحليل صناعي ومجهري للمعنى الجديد في الحقيقة الشرعية.

الكثير يرفض التحليل في الاستنباط ويقول هذا استحسان، كما يطعن الأخباريون على الأصوليين والحال أن التحليل إذا استند إلى الشواهد وا لقرائن ليس استحسانا والهلوسة و الاستحسان أن لايستند الانسان إلى الشواهد والقرائن والموازين.

فالصحيح و الأعم عبارة عن صناعة تحليلية مجهرية لدقائق المعاني، ألزم الأصوليون أنفسهم في هذه الخطوة في كل المعاملات وكل العبادات. وليس عشوائيا.


[1] السورة مریم، الأية 31.
[2] السورة حج، الأية 27.