الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/04/24

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:باب الالفاظ/ الحقيقة الشرعية/الشهادة الثالثة والحقيقة الشرعية

 

(الشهادة الثالثة وحقيقة الدين)

كنا في مثال الحقيقة الشرعية ومر بنا أنها لدى الشارع يمكن أن تكون متعددة ويمكن أن تكون موحدة ومع الشك يبنى على الوحدة، فقرأنا جملة من الروايات الصحيحة أو الموثقة الدالة على أن التشهد له سقف أدنى وسقف أعلى وهذان السقفان حسب مجموع الروايات ليسا حدين بل في الحقيقة مراتب عديدة يخير فيها المصلي. هذا صريح ولا لبس فيه.

إن التشهد في اللغة إقرار بما هو حق أو بما قد شاهده الانسان يعني حقيقة واقعية وخصص في الشريعة بخصوص الدخول في الإسلام والايمان، فلاريب أن هناك حقيقة شرعية في التشهد في أسّ الإسلام وأسّ الايمان وأسّ الدين ولاريب في أن التشهد المعهود كحقيقة شرعية مأخوذة فيه الشهادة الثالثة بالولاية بنحو ركني ويعترف به الفقهاء كلّهم أن الشهادة الثالثة بالولاية من أساس الايمان.

أما التشهد بالشهادتين فهو تشهد صوري أو بعبارة أخرى تشهّد إجمالي أو يعني صورة ظاهر الإسلام وصورة ظاهر الدين وليس لحقيقة الدين لأن حقيقة الدين هي الشهادات الثلاث.

وبعد هذا المطلب هنا سؤال؛ هل للشارع في التشهد في الصلوة حقيقة شرعية؟ مر أن أساس التشهد في أول الأبواب وهو باب الدخول في الدين يعني أن لايمكن فرض أن التشهد الذي اعتبر في الأذان أو تعقيبات الصلوة أو في تلقين الميت أو تلقين المحتضر أو في الوصايا أو خطبة صلوة الجمعة اعتبر قبل اعتبار التشهد للدخول في الإيمان والإسلام وما معقولة، لأنه مقدم رتبتا وزمنا.

فمن البيّن أنّ جعل الشارع للتشهد حقيقةً شرعيةً أوّل ما قرّر وجعل هو ما يكون موجباً للدخول في الدين الظاهري بالشهادتين أو الواقعي بالشهادات الثلاث.

فإذاً عندنا حقيقة شرعية ذات مرتبتين في الإسلام الصوري بالشهادتين وفي الإسلام الواقعي بالشهادات الثلاث، فيا ترى هذه الحقيقة الشرعية هل هي متعددة في الأبواب أو هي نفسها؟ من البيّن أنه حقيقة شرعية واحدة لها سقف أدنى ذات شهادات ثلاث ولها سقف أعلى بقية الشهادات.

نعم، يمكن اجتزاء الشهادتين في التشهد بحسب نصوص الباب لأن الشهادتين والإسلام الصوري وصورة الإسلام كاف في الصلوة، لكن يمكن أن يقال: بقرينة أن العبادات مشروطة بالإيمان عند غالب علماء الامامية أن التشهد شامل للشهادة الثالثة ولو إن الإيمان يتحقَّق في أوّل الدخول في الإيمان قبل الصلوة وخارج الصلوة بالشهادات الثلاث فيتحقق الايمان ويتحقق ما هو شرط صحة العبادات.

بعبارة أخرى، صحيح أن العبادات مشروطة بالإيمان الخارج عن العبادات، لكن التشهد الذي أخذ وأمر به في الصلوة من الواضح أنه أخذ فيه الإيمان الذي هو شرط صحة الصلوة فيعني أنه شامل لها، إن لم نقل انه متخصص به ومتعين به.

لذلك إذا تراجعون كتاب الجواهر، باب التشهد في الصلوة فصاحب الجواهر في البدء يفتي بالاستحباب في التشهد بالشهادة الثالثة لكن بعد صفحات قليلة عندما يدخل في باب التسليم في الصلوة يقول إن الأصح أن الشهادة الثالثة ليس من باب الاستحباب بل الأصح أنها واجب تخييري، يعني أن التشهد الذي أخذ في الصلوة كحقيقة شرعية واحدة وهو في أصل الدين صوري بالشهادتين وحقيقة بالشهادات الثلاث هذا بنفسه أخذ في الصلوة والمفروض ان العبادات مشروطة بالولاية ونادر من علماء الامامية من يذهب إلى أن الولاية ليس شرط صحة العبادة وإنما شرط في قبول العبادة.

(الشهادة الثالثة شرط الصحة وقبول العبادات)

تعلمون أن كل شرط صحة هو شرط القبول وشرط الصحة لإسقاط الفريضة من الذمة لكي لا يعصي الانسان ويصح العمل منه ويسقط الفريضة من ذمته ولايصاب الانسان إلّا بالعمل الصحيح لكن ليس كل شرط القبول هو شرط الصحة لأنه قد يكون شرط القبول خارجا عن مركب العبادة، مثلا من شرب خمرا لم يقبل الله صلاته إلى أربعين يوما، ما دام هذا الخمر في جوفه، هذا شرط قبول الصلوة لكن مثل الوضوء والغسل شرطان للصحة والقبول.

علماء الامامية كلمة واحدة إلّا من ندر أو شذ يفتون أن الولاية لأئمة أهل البيت عليهم السلام شرط الصحة والشاذ النادر منهم أو كإثارة علمية منهم لا من باب الالتزام به يقولون هي شرط القبول.

النادر يقولون: إنها شرط القبول وليس شرط الصحة لكن هذا إثارة علمية حتى هذا الشاذ النادر لايجزم بصحة نيابة المخالف في الحج عن المومن فلو لم يكن شرط الصحة لماذا يستشكل في استنابة المخالف غير المومن في الحج أو الصيام أو الصلوة أو يفتي بالعدم. فمما يدلل على أنه اتفاق كلمة أن الولاية شرط صحة العبادة.

مع وجود هذه الكبرى أن الولاية شرط صحة العبادة ومع أن التشهد المأخوذ في الصلوة بالحقيقة الشرعية فالحقيقة الشرعية المتناسب هو التشهد بالشهادات الثلاث، لذلك الالتزام عملا بالوجوب أحوط من الالتزام بالعدم، وإن لم نقل أنها وجوب تعييني لا أقل نقول إنها وجوب تخييري.

فالإلتزام بالشهادة الثالثة في الصلوة أحوط لا أنه مستحب لأنه قد يكون ترك الروايات لذكر الشهادة الثالثة عطفا وحوالة على أن التشهد هو الذي معهود من التشهد للدخول في الدين الحقيقي بأن يكون بالشهادات الثلاث ولايكفي الشهادتين.

بعبارة أخرى: إذا قرّرنا أن التشهد حقيقة شرعية واحدة وليست حقيقتين فالأنسب أن يدخل به في الدين الواقعي أو الصوري؟ لأن الولاية مشروطة بالولاية فالأنسب التشهد بالشهادات الثلاث ولو خارجة عن الصلوة.

ليس هناك من عالم من علماء الإمامية من يقول أن الصلوة ليست مشروطة بالشهادة الثالثة خارج الصلوة لأنه من أحكام الإيمان فكلهم يذكرون أن الشهادة الثالثة من أحكام الايمان وهو شرط صحة الصلوة. ولاريب فيه عند علماء الامامية عند من يدقق في القضايا الصناعية ويلتفت إلى جميع الأبواب ولاينظر بشكل مقطعي في البحوث الفقهية.

فإذا كانت الشهادة الثالثة خارج الصلوة في أول الدخول في الإيمان والدين شرط صحة الصلوة فالتشهد الذي يؤخذ في الصلوة أيّ تشهد؟ هذا التشهد أخذ في الصلوة كجزء داخلي.

الان نقول ظاهر الروايات مرخصة فهل هذا الظاهر جدي أو قد يكون في جهة الصدور تقية لاسيما مع القرائن العديدة الدالة على صعوبة ذكر الشهادة الثالثة.

أعيد الوجه الصناعي. لأن لا تقرأ رواية في مسئلة من دون ارتباط هذه المسئلة بمسائل أخرى.

الصلوة بلا شك عند جميع علماء الإمامية إلا الشاذ النادر ولو أنهم لايفتون به ولا يجزمون به ويذكرون كإثارة علمية أن الصلوة عندهم مشروطة بالشهادة الثالثة خارج الصلوة ولا ترديد فيه أن الذي لم يتلفظ بالشهادة الثالثة في عمره ولا في بدء عمره فكل عباداته لا تصح، منها الصلوة والصيام والحج وغيرها. روايات متواترة عندنا.

المقدمة الثانية أن الحقيقة الشرعية في التشهد حقيقة واحدة وليست متعددة.

المقدمة الثالثة أنه إذا ثبت أن التشهد شرط صحة الصلوة ولو خارجا فأيّ تشهد أخذ في الصلوة؟ هل المناسب أن يؤخذ ما هو شرطها أو ما هو ليس بشرطها؟ واضح أن المناسبة والتناسب أن يؤخذ ما هو شرطها.

فهناك تشهد صوري لظاهر الإسلام وهناك تشهد واقعي والصلوة مشروطة بالتشهد فأيّ تشهد أخذ فيها مع أن الحقيقة الشرعية واحدة؟ ألا تكون هذه قرينة واضحة على أن تكون التشهد المأخوذة هو التشهد بالشهادات الثلاث لاسيما إنما عدم ذكر الشهادة الثالثة واضح أنه كان من التقية.

شاهد آخر: أذكر لكم سيرة قطعية زمن رسول الله لا من الصحابة لأن الصحابة ليس كلهم شيعة لأميرالمؤمنين صلوات الله عليهم. هذه السيرة ذكرت في مصادر العامة واستند إليها صاحب الجواهر في الجواهر في التشهد في الأذان. هذا الكلام الذي يثيره الاعلام في التشهد في الأذان يذكر بعينه في التشهد في الصلوة والتفرقة الصناعية بين البحثين تحكّم لأن البحث واحد.

تعلمون فتنة الكاظمية عندما حكم ببدعية الشهادة الثالثة في الاذان والإقامة برء منه كل علماء النجف وقم وردّوا عليه رحمة الله عليهم.

كلامي في هذا المطلب هناك صاحب الجواهر استند الى السيرة القطعية الموجودة في الصحابة وهم ليسوا كلهم مع اميرالمؤمنين وكل مصادر السنة وتراجم رجال السنة يذكرون قطعا أن الصحابي «كدير الضبي» كان يأتي بالشهادة الثالثة في التشهد داخل الصلوة وهذا هو السبب في أن التابعين رفضوا الرواية عن الكدير وهذه سيرة صحابي ويقرّون قطعيا أن سيرة هذا الصحابي هو أن يأتي بالشهادة الثالثة في التشهد في الصلوة.

من مصادر المخالفين في تراجم الصحابة عندما يأتون باسم هذا الصحابي كلهم يجزمون أنه يذكر الشهادة الثالثة في التشهد داخل الصلوة. هذه سيرة قطعية للصحابي مع وجود إرهاب السقيفة والأموي، من ثم رفض التابعين الرواية عنه.

فهنا يحتمل أن هذه الروايات بالشهادتين أن تكون من تقية مع هذه القرائن الصناعية مرتبطة وضعيا بالصلوة.

شاهد آخر: سيرة قطعية أن علي بن بابويه والد الشيخ الصدوق من علماء الغيبة الصغرى عنده كان رسالة عملية في الفقه الرضوي وهي عبارة عن نفس رسالة فقهية للشلمغاني ابن أبي عزاقر وعلي بن بابويه صحح بعض الموارد من هذه الرسالة للشلمغاني واختلفت فتاواه مع الشلمغاني.

ابن ابي عزاقر الشلمغاني كان أفقه فقهاء الشيعة في الغيبة الصغرى وانحرف لكنه من جهة العلم هو كان أفقه فقهاء الامامية وكان مقلَّدا مع وجود النائب الأول والثاني. التقليد الفقهي كان لابن أبي عزاقر الشلمغاني لكنه انحرف.

أتوا الى النائب الثالث حسين بن روح النوبختي وقالوا: إن بيوتنا مليئة برسالة الشلمغاني فماذا نصنع؟ قال: أقول في كتابه ما قاله سيدي ومولاي العسكري في كتب الطاطريين(؟) خذوا ما رووا وذروا ما رأوا.

الشلمغاني كان فقيها عجيبا وبوّب الفقه الشيعي وانحرف بسبب أنه كان يتوقع أن يصير نائبا ثالثا وما صار وانحرف. وهذا دليل على ان النيابة الخاصة لاتنافي المرجعية وهذه نكتة مهمة أن النيابة الخاصة دورها شيء و المرجعية دورها شيء آخر ودليل على أن المرجعية والفقاهة كانت مسئولية وما فيه تنافي بين النائب الخاص و المرجعية طيلة فطرة الغيبة الصغرى.

فقال حسين بن روح ذروا ما رأوا و خذوا ما رووا.

من ضمن ما رواه ابن ابي غزاقر الشلمغاني الذي كل بيوت الشيعة تعمل برسالته العملية في الغيبة الصغرى حسب التعبير الموجود في غيبة الشيخ الطوسي والذي فيه الشهادة الثالثة في التشهد داخل الصلوة.

سيرة قطعية من علماء الامامية بمحضر من النواب الثلاثة على الاتيان بالشهادة الثالثة داخل الصلوة سيرة قطعية من صحابة النبي وسيرة قطعية من الفقهاء بمحضر من النواب الأربع. فنحمل الروايات الواردة في التشهد بذكر الشهادتين على التقية مع وجود هذه القرائن. حقيقة شرعية واحدة وقطعية اشتراط الصلوة بالشهادة الثالثة والقرائن الأخرى مع جمع القرائن تدل على احتمال قوي في التقية.

فمع هذه المقدمات؛ المقدمة الأولى تسالم علماء الامامية على أن الشهادة الثالثة خارج الصلوة أو داخل الصلوة وإلا الشيخ المفيد والشيخ الطوسي والشيخ الصدوق يفتون بالشهادة الثالثة داخل الصلوة وفتوى الشيخ الصدوق بعدم دخول الشهادة الثالثة في الأذان كانت من التقية لأنه كان مفتي الدولة البويهية وهم أول دولة أعلن الشهادة الثالثة في بغداد وهو المفتي الرسمي للبويهييين بسبب أن البويهيين كانوا ديليميين و والدة الصدوق كانت ديليمية.

المهم أن الصدوق كان مقدما رتبتا علي علماء بغداد وسالت الدماء في بغداد إلى قرنين أو ثلاثة على ضريب الشهادة الثالثة.

بالله عليك علماء الامامية الشيخ الصدوق والمفيد والسلار وابن براج أمام مرأى أعينهم تسيل دماء المؤمنين. هذه سيرة ثالثة، شيعة بغداد قدموا ضريبة للتشيع في قرنين أو ثلاث قرون ربما لم يقدموا أي شيعة في منطقة أخرى وهذه حقيقة موجودة في كامل بن اثير والكتب الأخرى، لم يفت أحد من علماء الامامية على ردع الشهادة الثالثة في الأذان لأجل أن لا تسفك دماء الشيعة.

مراجع الشيعة من المفيد والصدوق من أواخر القرن الرابع والخامس والسادس كل كم سنة تحدث من طرف الآخر قتل المؤمنين ودماء سالت وعالم من علماء الامامية لم يقل هذه فتنة ولماذا تسبك دماء المؤمنين للشهادة الثالثة، لذا لاحظوا أن الشهادة الثالثة ركن الدين في الأذان والإقامة وهم ليسوا طلبة صغار ولا الفضلاء ولا الأساتذة بل كانوا مراجع للامامية. هذه حقائق لازم أن نلتفت اليها سيرة علماء الامامية.

ما الذي رأوا في الشهادة الثالثة كي يجب أن يقدّم على دماء المؤمنين طيلة قرنين أو نصف. لم يقل أن دماء المؤمنين مقدمة على الشهادة الثالثة. راجع كامل ابن اثير وتاريخ الخطيب البغدادي وكل كاتب كتب في القرن الرابع والخامس والسادس في مقطع بغداد. من كان فيهم الشيخ الطوسي والمرتضى وسلار وابن براج والمفيد وابن زهرة والحلبيون وماكان هناك فقيه من الفقهاء أن يقول هذا مستحب ودعوه.

لذلك السيد المحسن الحكيم لمّا يقول إن الوجوب بالشهادة الثالثة في الأذان غير بعيدة عن الثواب لكونه شعيرة للايمان. هذا الذي يذكره كان يقال قبله من العلماء. هل يمكن أن تسبك دماء المؤمنين لاجل شيء مستحب؟ هذه سيرة ثالثة ثلات سير أمام أعينكم.

كيف نستخلص وجها صناعيا من هذه السير الثلاث والمقدمات الأخرى إن شاء الله في الجلسة اللاحقة.