الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/04/15

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: باب الالفاظ /تعدد وجوه الظهور على الموازين بين الترجيح والاجمالعلامات الحقيقة/الارسال او عدم الارسال في تنصيص ابناء اللغة عن الواضع و اللغويين

(تعدد وجوه الظهور)

في ختام البحث في بنية الظهور -باعتبار أن البحث في الظهور صغروي في مباحث الألفاظ وكبروي في مباحث الحجج والحجية- لابأس أن نذكر هذا المطلب وإن كان سيأتي في استعمال اللفظ في أكثر من معنى، لكن لابأس بإشارة إجمالية مرتبطة:

في جملة من الموارد بمقتضى القواعد النحوية أو الصرفية او البلاغية أو مقتضى القواعد في أي علم من علوم اللغة، تتعدد وجوه الإعراض ويعبرون عنه الأعاريض، بالنسبة الى قواعد النحو أو بالنسبة الى قواعد الصرف أو البلاغة أو أي علم من علوم اللغة.

فهل تكون نتيجة الأعاريض إجمال النص والمتن أو لابد من الترجيح إن كان في البين ترجيح أو نأخذ بأحدها أو نأخذ بكلها؟ المعروف لدى الاعلام هو الترجيح أو الإجمال، لكن قد يظهر من بعض الأعلام وهو الصحيح ويظهر ايضا من كثير من بيانات أئمة أهل البيت عليهم السلام أنه ما دامت جميع الوجوه على الموازين اللغوية يأخذ بها كلها.

هذا ليس فقط على مدار بنية الظهور في مرتبة الاستعمال بل قد يكون على صعيد بنية الظهور في مرتبة التفهيم أو الدلالة الجدية أو حتى الدلالة التصورية، كأن تقرأ هذه اللفظة هكذا أو تقرأ غيرها.

فليس منحصرا في مرتبة الدلالة الاستعمالية بل يشمل التفهيمية و يشمل الجدية أو التصورية، مثلا لفظ واحد يمكن أن يقرأ كإسم و يمكن أن يقرأ كفعل لمادة أخرى وكلاهما قابلان للقرائة، فعلى صعيد التصور لفظتان وليست لفظة واحدة. فما هو الصحيح؟ هل نحكم بالإجمال في التعدد في الدلالة التصورية؟

فقبل الاستعمال يتعدد المعنى ويمكن أن يقال: أن التعدد في مرحلة التصور ليس من استعمال اللفظ في أكثر من معنى إلا إذا وسعنا استعمال اللفظ في أكثر من معنى إلى جميع هذه الصور وسيأتي البحث فيه طبعا.

على كل فهل يا ترى هذه الوجوه مجملة أو حجة؟ المعروف عند المشهور أنه إن كان ترجيح في البين يأخذ به والا يجمل الكلام ولكن الصحيح أنه ما دامت وجوه الدلالة او فذلكات أو تركيب الدلالة بحسب القواعد من العلوم المخلتفة اللغوية كلها ممكنة فالصحيح أن كلها مرادة وحجة.

(حجية تعدد الدلالة على الموارين)

الوجه في ذلك أن تلك القواعد كلها صحيحة وموزونة والبناء على تحكيم وجه دون الوجوه الأخرى تحكم من دون مرجح و لماذا يبنى على التعارض سيما مع بناءنا في استعمال اللفظ في أكثر من معنى من أنه استعمال جائز وسيأتي توسعة استعمال اللفظ في اكثر من معنى لكل هذه الصور وإن كان الخلاف أوسع مما قد بحثه الاعلام.

لاسيما نحن الذي في مقابلنا المتكلمين الحاكين الوحي الالهي وبالتالي كلام الخالق خالق الكلام و الوحي، فكل هذه القواعد والموازين الموجودة مرادة ولم يعيّن إحداها، مضافا الى كثير مما في الروايات بشكل مستفيض بل متواتر من التأكيد على أن كلام الوحي كلام الله أو كلام سيد الانبياء و كلام أوصياءه الكرام -بتعبيرهم- «ليتصرف الى سبعين وجها» ويتصرف يعني يتفذلك تغيرا ويعني يسبك ويركب ويصاغ و يشكل بالتغير وكلها على الموازين وكذلك تعبيرهم «ولنا من كلها المخرج»

طبعا هذا خلاف المشهور مشهور المفسيرن أو الفقهاء، لكن هناك قليل ممن ذهب اليها فلا موجب لدعوى الإجمال بل نلتزم الى ذلك حتى إذا كان في البين ترجيح يعني أنا نعمل بالترجيح إذا كان الراجح نافي المرجوح، أما إذا لم يكن الراجح نافي المرجوح والمرجوح ايضا على الموازين والراجح ايضا على الموازين ما الموجب لدعوى وحدة المراد، لاسيما كما مر في الوجه الاول من أن عموم القواعد لعلوم اللغة تبني الظهور وكل ظهور حجة وإذا تعدد الظهور لكلام واحد سواء على مستوى التصور أو الاستعمال او التفهيم او الجدي الاول او الجدي الثاني وهلم جرا كلها حجة طبعا على طبق الموازين والشواهد وايضا مادامت المفادات غير متناقضة وغير متدافعة ما دامت الموازين موجودة.

أضف الى ذلك تصريحهم صلوات الله عليهم: إن القرآن هكذا و تبيانهم للايات بما يعجز المفسرون غالبهم إلا نادرا ممن اطلع الى مذاق اهل البيت صلوات الله عليهم.

على هذا، في كثير من المواطن ظهور الايات متعددة و كلها مرادة وليس بينها تناقض وتدافع ولو كان بينها تناقض وتدافع لابد ان نقول بالترجيح وإذا ليس بينها تناقض وجميع الوجوه سليمة وغير منافية لمحكات الوحي فالوجوه كلها مرادة. هذه نكتة اخرى في بنية الظهور وصغرى الظهور ولابد من التنبيه اليها.

(علامات الحقيقة)

العنوان اللاحق الذي أثاره صاحب الكفاية هو علامات الحقيقة لتشخيص الوضح والمعروف أنها أربع علامات؛ إما تنصيص الواضع او التبادر أو صحة الحمل او عدم صحة الحمل أو صحة السلب وعدم صحة السلب والعلامة الرابعة الإطراد.

أربع آليات مذكورة قديما وحديثا في كتب الاصول أو كتب البلاغة علامة على الموضوع الحقيقي، شبيه بحث الترادف ولكن سيتبين أن هذه العلامات الأربع يستثمرها الاعلام لا في خصوص تعيين وتحديد الموضوع له اللفظ بالوضع الحقيقي بل يستثمرونها ولو لتشخيص بعض أبعاض المعنى.

(استثمار علامات الحقيقة في دلالات المعاني)

هذه نكتة جدا لطيفة. تارة نحن نريد أن نشخص المعنى الموضوعة له هذه اللفظة بتمام حدوده وهذا جيد إذا أمكن وتارة لتشخيص بعض المعنى او جنس المعنى أو بعض فصول المعنى أو كما ذكر المرحوم الكمباني لتشخيص ملزوم أو لازم المعنى، يعني أن نعين المعنى بشكل مبهم لا المبهم من جميع الجهات بل المبهم من حيث الجنس والأجناس والفصول لكن يشخص عبر العرض اللازم له أو العرض الملزوم له وهذه درجة من تشخيص المعنى.

فالاعلام في العلوم الدينية عملا لم يحصروا ثمرة هذه الاليات في تشخيص الموضوع له لغتا بتمام حدوده وثغوره، بل اذا ما حصل لا أقل من بعض زواياه وهو ذا ثمرة.

هذا البحث ليس تعيين الموضوع له بل ولو لم نعين الموضوع له بل إذا استطعنا أن نعين المجاز المشهور يعني هذا المعنى إما موضوع له أو مجاز مشهور فهذا أيضا مثمر لكي نحمل الاستعمال عليه و ليس ضرورويا ان نشخص الموضوع له بل يمكن لنا أن نعين ما يكثر الاستعمال فيه بسبب الوضع او بسبب كثرة الاستعمال وكثرة الاستعمال من أقوى القرائن. وهذا ايضا نوع من الثمرة والثمرة غير محصورة بتعين الموضوع له بل تشخيص الاستعمال ربما أهم من تعيين الموضوع له وهو الذي يحرص عليه اللغويون.

يمكن أن يصاغ او يعبر عن ثمرة هذا البحث؛ أنه ليس فقط في الترادف اللفظي يمكن ثمرة هذا البحث في أوسع من الترادف اللفظي وليست منحصرة في تعيين حدود المعنى الموضوع له بل يمكن إلى درجة الترادف العقلي والترادف العقلي صياغة اخرى لتعيين جنس المعنى او الجنس العالي او الجنس القريب او الفصل القريب او الفصل البعيد او المتوسط. فهذا كلها ترادف عقلي. الترادف اللغوي ترادف في حدود تمام المعنى، أما إذا كان في بعض المعنى فترادف عقلي وهذا ايضا فيه ثمرة.

إذاً هذا البحث ثماره أعم من تشخيص الموضوع له فيشمل تشخيص الموضوع له أو المجاز المشهور او بعض المعنى أو الترادف العقلي ما شئت فعبر عن صور عديدة من ثمرات هذا البحث.

(تنصيص الواضع)

تنصيص الواضع: من هو الواضع؟ أبناء اللغة هم الواضعون بهذا المعنى، يعني أنهم يعكسون كلام الواضع بما ارتكز عندهم وطريق تعلم اللغات هكذا أن يسمع الانسان كلام ابناء اللغة من المهد أو الممارسين لها وهذا نوع من التنصيص يعني بمثابة تنصيص الواضع لأن أبناء اللغة والممارسين لللغة هم يحملون ارتكاز وجود العلقة الوضعية وهذا يريده السيد الخويي من التعهد بهذا المعنى يعني المرتكز عندهم.

الان هل الوضع تعيني او تعييني او الواضع هو الله او غير الله تعالى ايا ما كان، هذا الواضع له وجود، فطبعا دور اللغويين أن ينقلوا هذا الارتكاز.

التنصيص غير التبادر والتنصيص من الواضع المراد به هو هذا المطلب.

(عدم الارسال في تنصيص ابناء اللغة ارتكازا)

هنا وقفة مهمة بالنسبة إلى أبناء اللغة او الممارسين لها أن تنصيصهم على المعنى ليس إرسالا وليس خبرا مرسلا لأن المفروض أنهم يحملون الارتكاز وينبئون ويخبرون عن الارتكاز والوجدان والشهود والعلم الاتكازي.

إذاً ليس فيه الارسال، أما كلام اللغويين عن العرب أو جميع لغات العالم نقلهم عنهم أو نقلهم عن استعمالات أبناء اللغة مرسل.

تنصيص أبناء اللغة عما ارتكز عندهم أو تنصيص الممارسين بالعلم الارتكازي ليس إرسالا لأن هذا العلم الارتكازي موروث جيلا بعد جيل وليس في إخبارهم إرسالا وإن كان الفاصل بين أبناء اللغة الان والواضع الاصلي آلاف السنين.

(العمل بالامور الظاهرة من القواعد الفقهية)

نعم يبقى أنه كيف يكشف الوضع هنا عن الوضع قبل آلاف سنين؟ يحتاج الى الاستصحاب القهقرى هذا ليس استصحابا بل هذا أصل لغوي لفظي واجتهادي كأصالة عدم النقل و ليس أصلا عمليا.

يعني أنك تتيقن الان وكنت شككت سابقا، عكس الاستصحاب وهذا معمول به في جميع البشر أن يأخذ بالظاهر، فلايحتاج الى سجلات وأسانيد.

مثلا ان هذا المرقد لأولاد الائمة من اين؟ ليأخذ بالظاهر. نعم، لانقول هذا واقع بل الظواهر يأخذ بها. مثلا من يقول أن هذا المسجد ليس مغصوبا؟ نعمل بظاهر الحال مادام في عقود من السنين تداولها المسلمون والمؤمنون. لانقول أن هذا الظاهر هو الواقع. خمس قواعد فقهية تعمل على الظاهر يد المسلمين وأصالة الصحة والشهرة خمس قواعد عمل بها الفقهاء ولايقولون أنها الواقع بل ظاهر يأخذ به و عكسها يريد الإثبات.

علمت أنه موضوع ومختلقة بحث آخر أما إذا لاتعلم فيعمل بالظاهر. هذا في جميع أمور المسلمين وهذه قواعد فقهية معمولة بها، يعني في أبواب عديدة في الفقه يأخذ بالظاهر و إذا دل الدليل على الواقع خلافه يأخذ بالدليل.

ذكرت في رسالة حول السيدة شريفة أن السيد الخويي في بعض استفتائاته لبعض البلدان ذكر أن الظاهر يأخذ به والخلاف يحتاج الى الدليل.

في العلوم اللغوية ايضا هكذا، هذه اللغة التي استعملت ظاهرة في هذا المعنى ويمكن نقلها عما كان في زمن النص لكن الاستصحاب القهقرى موجود و اصالة عدم النقل موجودة والعلوم الدينية كلها مبنية عليها يعني يبنى عليها ما لم يعلم بالخلاف. وليس واقعا بعين اليقين ولا حق اليقين بل ظاهر لأن اليقين في عالم المادة والحس دائرته محدودة. فهذا الاستصحاب القهقرايي وأصالة عدم النقل من الاخذ بالظاهر ولايحتاج الى الشواهد ما دام النص ظاهرا في المعنى الظاهر إلا أن يقام الشواهد على خلافه، لا أن نحتاج لحمل نص القرآن او حمل نص الروايات على ما هو المرتكز الان عندنا الى اثباتات. نعم، إذا فحص واحد أو نقب فنعم به، لكن حمله على الظهور غير مبني على اثباتات تاريخية في أعماق جزور التاريخ. هذه وقفة مهمة.

أما إذا لم يكن نص أبناء اللغة والممارسين بل بتنصيص اللغويين فماذا عن حجية هذا النص؟ طبعا بحثوه في الحجج لكن يحتاج الى وقفة لكي يتبين أن التشدد في الاسانيد عن كثير من متأخري هذا القرن او بعض الجماعة من الأعلام هذا التشدد لاوجود له عندهم في نقول اللغويين. الباء تجر في مكان ولا تجر في ألف مكان.

وسوف يتبين أن الوثوق بالصدور أو الوثوق بالمضمون لامفر منه وهو مبنى عقلائي.