الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/04/10

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:الدلالة و مراتبها

هنا إثارة مر ذكرها يوم السبت ويمكن طرحها كما ذكرها بعض الاعلام؛ هل التأويل بلغ ما بلغ من الظهور أو أن التأويل في مقابل الظهور؟ طبعا الظهور يستعمل بمعاني عديدة ولم يثير هذا البحث الصغروي أو الكبروي. هذا البحث صغروي بمعنى و كبروي بمعنى، صغروي بإعتبار أن تشخيص الظهور يشخص موضوع حجية الظهور في الحجج، فالبحث في الظهور موضوعي وإن يكون من الشبهة الحكمية ومن تقسيمات الشبهة الحكمية.

على كل؛ هل الحجية للظهور تشمل كل مراتب التأويل أم لا؟ فمن ثم هذا البحث ليس بحثا متمحضا في الحجج بل بحث مرتبط بمباحث الألفاظ، بمعنى أن الظهور أي مرتبة من مراتب الدلالة؟

ذهب السيد المرتضى والشيخ الطوسي الى أن الظهور إما جلي وإما خفي، فكيف الظهور يكون خفيا؟ وهل يلتزم بأن الظهور الخفي شمولي لكل مراتب التأويل؟ وهل مراتب التأويل من مراتب الدلالة أم لا؟ ثم هي من مراتب الدلالة اللفظية أو من مراتب الدلالة العقلية؟

طبعا، الظهور من شئون الدلالة اللفظية وليس من شئون الدلالة العقلية وإذا راجعنا كلمات علماء البلاغة في علم المعاني بالذات أو حتى علم البيان سنجد أن علماء البلاغة يذكرون دقائق لطيفة في المعاني لايلتفت إليها العلما تفصيلا فضلا عن العوام أو عموم الناس. فلاحظوا ما ذكره علماء البلاغة في علم المعاني من الدقائق ونكات المعاني وهندسة المعاني مثل باب المسند وباب المسند اليه و باب الاسناد و باب الحصر و باب الاخبار والانشاء وباب الفصل والوصل، ثمانية أبواب فيها دقائق من المعاني.

الزمخشري في كتابه الكشاف يذكر دقائق من معاني الايات -سواء في الايات الكلامية أو غيرها- لايلتفت اليها الكثير من علماء الكلام أو علماء الأخلاق، فهل استخراج هذه المعاني خارج عن الظهور؟ يعني أنه هل هي داخلة في الدلالة العقلية وحجية العقل بضميمة حجية اللفظ ونقل الظهور أم هي الدلالة اللفظية؟ بالتالي هي أيا ما كانت، حجة.

مرارا نقلنا أن السيد عبد الحسين شرف الدين رحمه الله اقتنص من الزمخشري نقطة نفيسة في آية المودة لم يلتفت اليها علماء الفريقين حسب التتبع و هي اخطر من المعنى الذي استفاده علماء الفريقين من آية المودة والذي اقتنص هذا المعنى هو الزمخشري و ربما اذا راجعنا كلام الزمخشري لانقتنص هذه النكتة مثل ما اقتنصها السيد عبدالحسين شرف الدين بعد سبعة قرون من زمن الزمخشري وواقعا معنى محير للعقول وجدا عظيم ويؤيده متواتر روايات النبوية عند الفريقين وليست أصل ولاية اهل البيت بل هيمنية ولاية أهل البيت عليهم السلام بشكل عجيب.

إنما ذكرناها كمثال وشاهد على أنه كيف يقتنص شيء كان يخفى على أجيال من العلماء فضلا عن عموم الناس، مع ذلك هذا من الظهور مع أن الزمخشري ليس من أبناء اللغة العربية وكان متاثرا من كتاب التبيان وعنده هذا المطلب.

الان مر بنا هذا المثال وليس مثالا فقط بل هو من سيرة أهل اللغة من قبل الاسلام الى يومنا هذا و هو ظاهرة النقد الادبي في كل لغات العالم وليس مختصا باللغة العربية كما أن هذا البحث -أن الظهور الذي هو حجة هل يشمل التأويل أم لا- ليس مختصا باللغة العربية.

الشاهد الثاني هو علم النقد الادبي من نقاد الادب من علماء الشعر او فقه اللغة او غيرها و كان متداولا في أيام منى في سوق العكاظ و من نتائجها المعلقات السبع.وهذا موجود في كل اللغات، مع ان الناقد الادبي يلتفت الى نكات لايلتفت اليها عموم علماء الادب.

الان، المفسرون سواء في تفسير القرآن بالقرآن او تفسير القرآن بالمأثور أيا ما كان من مناهج التفسير، المفسرون بين بعضهم البعض متفاوتون. هناك معان كانت تخفى على العلماء قرون متمادية ثم كشفت وبرزت وبنسبة تلك القرون الماضية كان من التأويل.

فهل الظهور يشمل كل درجات التأويل أم لا؟ أم أن التأويل مباين للظهور؟ بحث موضوعي و حساس طبعا الكلام في الظهور الذي يستند الي الدلائل والشواهد والموازين وان عجز منها العلماء.

شاهد آخر على هذا المبحث وشمولية الظهور لدرجات التأويل موجود في سيرة الفقهاء أو المتكلمين أو المفسرين وهو أنك ترى الاجيال اللاحقة تستنبط من النصوص الدينية ما لم يخطر على بال المتقدمين ولايتناكرون هذا الشيء شريطة ان لايخالف ضرورة وأن يكون مستندا الى الدلائل والشواهد.

شرطان لكي يكون الاجتهاد قويما وسليما وسويا؛ أن لايخالف ضرورة وأن يكون مستندا و مبتنيا على الشواهد والدلائل وإن لم تكن بديهية، فليس من الضروري أن تكون الشواهد بديهية وهذا شيء جديد في بعض الاوساط العلمية أن هذه الدلائل اذا لم تكن غير يقينية تكون استحسانية وهذا عجيب. هذه نغمة جديدة شبيه النغمة الحشويين بأنا نطالب بالادلة اليقينية والادلة الظنية كلها نرمي بها عرض الجدار.

المهم أن يستند الى الادلة المعتبرة سواء كانت ظنية أو يقينية. يسئلون: هل أنت تحلف بالمقدسات أن هذه النتيجة واقعية؟ لا بل احلف بالمقدسات ان هذه النتيجة موزونة. المجتهد لايقبل أن كل نتائجه هي عين اليقين وحق اليقين، هذا لعلم النبوة و الوحي. بالنسبة الى العلماء المهم أن يكون على الموازين وإذا تبين الخطا يرفع اليد عنها والمهم أن لاتخالف الضرورة وتستند الى الموازين أعم من كونها يقينية او ظنية. هذا الشرط بأن تكون يقينية نوع من المسلك الحشوي. يعني أنه يسد باب الاحتمالات وباب الاجتهاد.

هذه النكتة مهمة وهي أن الظهور هل هو شمولي لكل مراتب التأويل؟ حبل ممدود طرف منه عند الناس يعني الالفاظ و طرف منه عند الله.

تذكرون ان كبار علماء الامامية نبهوا على هذا المطلب وهو أن معنى مدرسة النص ليس المراد بها الالفاظ بل المراد بها كل مراتب الوحي شريطة أن تكون طبق الموازين و الضوابط. هذا شاهد آخر على شمولية الظهور عنوانا وشمولا لكل مراتب التأويل.

شاهد آخر صناعي مر بنا أن لفظة الاستصحاب -لاتنقض اليقين بالشك- جملة والشيخ حسين بن صمد الحارث الهمداني العاملي من جبل البنان استنبط منها الاستصحاب مع أن سبعة قرون او ثمانية قرون كان مخفيا عن العلماء و وافقه كل من أتى بعده وهو لما استنبط الاستصحاب منها لم يقل هذا عين اليقين وحق اليقين بل قال بحسب الظاهر و الان بعد الاجيال من العلماء تبده المطلب لكن هو استند الى الأدلة الظنية المعتبرة.

العلامة الحلي رحمه الله استنبط أن البئر ذو المادة لاينفعل بالملاقاة والروايات الواردة في نزح البئر للاستحباب و قبله كانوا يفتون بالانفعال وان كان له المادة، فالعلامة الحلي و كل من أتى بعده خالفوا المتقدمين.

هل هذا يعني أن هذا الظهور الذي استند اليه العلامة الحلي لم يكن من الظهور؟ بل من الظهور وإن خفي أربعة قرون أو ثلاثة قرون عن العلماء ومن هذا القبيل الى ما شاء الله.

فإذاً دعوى أن الظهور هو ما كان جليا عند الكل في الكل و الا فليس بشيء دعوى غير صحيحة. الظهور شمولي للتأويل وإذاً ما ادعاه السيد المرتضى و الشيخ الطوسي في غاية المتانة؛ أن الظهور منه جلي و منه خفي و الخفي منه لايصل اليه الا نوابغ من العلماء شريطة أن لايصادم الضرورة و أن يكون على موازين ولو ظنية.

مثلا يقولون: هل عندك يقين بأن هذا مرقد الفلاني؟ ليس ضروريا أن يكون يقينيا، بل عندي ظواهر أعتمد عليها ولاأرفع اليد عن القواعد الظاهرية. إذا كان فيه قواعد ظاهرية تلزمني بأن هذا مسجد وليس غصبيا او غيرها من الموانع من الصلوة فيه لاأرفع اليد شرعا عن الأخذ بالظاهر. الواقع شيء و الظاهر شيء آخر و الظاهر تعمل به.

مساحة كبيرة من العقائد مبنية على اليقين وهذا صحيح ومساحة كبيرة من العقائد مبنية على الظن ليس في المدن المركزية من العقائد. هذا في كل علوم من العلوم تجربية او غيرها، مادية أو غير مادية. مراكز العلوم وعواصم العلوم يقينية وحواشيها ظنية معتبرة. هذه كلها شواهد على هذا المطلب أن الظهور له شمولية لكل مراتب التأويل و دعوى الشيخ الطوسي والسيد المرتضى استاذه دعوى قويمة ومتينة.

أكثر من هذا مر بنا أن كلام السيد المرتضى ليس فقط في حجية الظهور بل ضرورة من ضروريات أصول الدين. يقول السيد المرتضى وكان اسمه سيد علي ولقبه أشهر و أخوه السيد محمد المشهور بالسيد رضي والشريف المرتضى يقول إن إمامة اميرالمؤمنين في دلائل نص التنزيل في القرآن عند مذاهب المسلمين من الظهور الخفي لما روج من المشاغبات والشبهات، لأن دور المشاغبات و الشبهات التي احدثها السقيفة او بني امية او بني عباس سوت غماما أو غبارا على ظهور القرآن مثل ما يقال الان: ألفاظ القرآن الغريبة وليس من الفصاحة أن يستخدم القرآن الفاظا غريبة لكن نحن غرباء عن اللغة.

فالمقصود؛ يقول السيد المرتضى في كتابه الشافي أن الظهور الخفي إذا تواتر في نص التنزيل يثبت منه الضرورة بل يثبت منه أصول الدين و هذا المطلب ايضا خفي من كثير من الكبار.

جملة من الكبار تنكروا أنه كيف في القرآن إمامة علي بن ابي طالب صلوات الله عليه في نص التنزيل ومن الضرورة؟ نعم من الضرورة و إن اختلف فيها من اختلف. غاية الأمر هي من الظهور الخفي وليس من التأويل. هذا من الضرورة و ان لم يسبب التكفير وإخراج المذاهب الاخرى عن ظاهر الاسلام حسب كلام السيد المرتضى.

هذا بحث لطيف؛ إن البعض قال أن الظهور موضوعي او إضافي ونسبي؟ هذا هو الصحيح على أن الظهور موضوعي وليس الظهور نسبيا. الحجية للظهور النسبي والاضافي أو الحجية الواقعية؟ تارة الحجية بمعنى التنجيز نعم كل من ظهر له فحجة عليه، أما إذا قلنا أن الظهور ليس بمعنى التنجيز بل الظهور يعني اقتضاء الدلائل البنيوية المعتبرة، هذا لايدور مدار قدرات العلماء وقدرات فهم عموم الناس. القرآن معجز في الظهور والبلاغة وان عجز كافة العلماء عن فهم مفاتيح البلاغة في القرآن. لماذا؟ لانه موضوعية وواقعية و تكوينية وان غفل عنها و لايهتدي اليها العلماء الى يوم الدين و لايتهدون اليها إلا نزرا و قطرات يسيرة جيلا بعد جيل. لكن هذا لايعني ان القرآن ليس بليغا بل هو في ذروة البلاغة.

فإذً هذا شاهد آخر لشمولية الظهور لكل مراتب التأويل.

لماذا يشمل الظهور التأويل ولو كان خفيا بخمسين درجة لأن ذلك التأويل مبني علي بنيويات في علوم اللغة او العلوم الاخرى مبدهة في نفسها وإن عجز عنها العلماء في السنين المتمادية. ويقال دولة النبي في الرجعة لاجل هذا يعرج البشر الى قمة الفهم.

بلاغة القرآن مبنية على أمور خفية حتى النبي موسى لايلتفت اليها والانبياء لايلتفتون اليها الا سيد الانبياء وأوصياءه. التورات والانجيل و صحف ابراهيم فيها حقائق لايلتفت اليها النبي ابراهيم وموسى وعيسى على نبينا وآله وعليهم السلام وإنما يلتفت اليها خاصة سيد الانبياء وأوصياءه. عندنا دلائل قرآنية على هذا. إياك أعني أخاطبك صوريا لكن المخاطب الحقيقي سيد الانبياء للتورات. المخاطب الحقيقي بعمق التورات ليس النبي موسى مع أنه أوحي للنبي موسى. المخاطب الحقيقي والنهايي بالانجيل ليس النبي عيسى بل سيد الانبياء. جبرئيل يأتي بالوحي ويدرك من الوحي درجات والمخاطب الحقيقي سيد الانبياء وسيد الانبياء يدرك ما يأتي به جبرئيل فوق ما يدركه جبرئيل.

هذا لايعني أن هذا الوحي ليس بوحي. بل لايقدر النبي موسى وجبرئيل على إدراكه فضلا عن علماء الأمة. هذه كلها مستندة الى بينات وشواهد.

فالمقصود إذا بنينا على هذا النظام وهذا النظام لامفر منه أن الظهور موضوعي مبتن على بنيويات واقعية منظومات معادلات من العلوم اللغوية وليس الظهور بقدرة العالم أو قدرة عموم الناس على الفهم.

الرياضيات هي في نفسها شبكة المعادلات والان تتفجر العلوم الرياضية وقبل عشرة سنوات او عشرين سنة أو خمسين سنة بالنسبة الى الان كانوا اميين وهكذا علم الاقتصاد يتفجر و في كل العلوم. المقصود أن هذه المعادلات واقعية وإن جهلها من جهلها و للبحث تتمات.