الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/03/26

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:الوضع/ الدرس ( 21)/ الاخبار والانشاء

كان الكلام في مراحل الانشاء ومرَّ بنا أن تشخيصها أمرٌ حسّاس سواء على صعيد الاحكام التكليفية ، في الأبواب الفقهية او الأصولية ، او على صعيد الاحكام الوضعية لاسيما المعاملات ، فلولب البحوث الصناعية الفقهية يدور مدار تشخيص مراحل الحكم الشرعي ، سواء باب التزاحم او باب النهي يقتضي الفساد ، باب اجتماع الامر والنهي ، وباب العام والخاص ، وباب مقدمة الواجب ـ وهذا الباب يمكن أن يسمى بباب أقسام وأنواع الاحكام ـ او أبواب القواعد الثانوية كالضرر والنسيان والخطأ والحرج الذي يبحث في الحجج .

إجمالا تشخيص مراحل الحكم أمر مصيري جدا ويُلجئ كثير من الكبار الى نتائج غير سديدة تماما اذا غفل الحكم ومراحله ، ومما يؤثر في معرفة وتشخيص مراحل الحكم هو معرفة مراحل الانشاء .

ومر بنا ـ أمس ـ ان المشهور عندهم في الانشاء مرحلتين : مرحلة الانشاء ، ومرحلة الفعلية

والانشاء أي إنشاء الحكم بشكل فرضي تقديري ، وفعلية أي يتحقق فعلا بتحقق موضوعه الجزئي .

والانشاء هناك له وجود عالم افتراضي عرفي عقلائي وهناك عالم افتراضي شرعي ، وأضاف له صاحب الكفاية وربما غيره من الاعلام ان هناك عالم اعتبار شخصي عند شخص المُنشأ ، اما هو شخص واحد او شخصين كما في الايجاب وقبول فيقال العقد في إعتبار المتعاقدين ، وهناك وجود للعقد في إعتبار العرف العقلائي ، وهناك عقد في اعتبار الشارع ، ولا يخفى انه حتى الاعتبار العرفي العقلائي قد يتعدد ، فعقد النكاح في الكنيسة نتيجة تشدد احكامها، استحدث القانون الوضعي قانون آخر في الزواج ، وهو أيضا هو مكبِّل لأن نصف ثروة الرجل تملكها الزوجة ان طلقها ، فقام العُرف الغربي كمجتمع باستحداث عقد الصداقة ، وفي البداية كان يُنظَر إليه انه ليس عقد نكاح ، بل معاشرة جنسية غير مشروعة ، ولكن المجتمع رأى كفاءة هذا التقنين فانتشر وفرض نفسه أنه عقد نكاح عرفي آخر غير النكاح العرفي الموجود عند الأنظمة والكنيسة .

اذن في بعض الأحيان يتعدد العرف وهذا شاهد على أنَّ مراحل الانشاء يمكن ان تتعدد ، فالقمار عند المسلمين المتقيدين بالشرع معاملة باطلة ، ولكنه عند المسلمين غير المتقيدين بأحكام الدين أو عند الغربيين معاملة مباحة مشروعة مع أن أحد أسباب العاصفة الاقتصادية التي استمرت ( 15 سنة ) وتهب على الدول والشركات والبنوك بشكل مفاجئ ولا يمكن توقعها حتى من قبل التوقعات الاقتصادية أو الحسابية ، وهذا دليل على أنهم لم يستطيعوا أن يضبطوا النظام الاقتصادي ، وعمدة ما وصلوا اليه ان الغدد السرطانية التي حرمها سيد الأنبياء هي السبب في تلك الازمة بحسب تصريحاتهم هم لمن يكون علمياً .

فمن ضمن الأسباب ذكروا الألعاب القمارية فإنها تسبب ثروة فضائية خيالية بل منشأ حقيقي وتسلب ثروة من آخرين في ضمن دقائق ، ولذا توصلوا الى نتيجة أن هذا العرف ـ القمار ـ غير صحيح وهناك خلاف فيه بين الدول فبعضها تحدد جوازه بسقف محدد من المال وإلا فهو باطل للخوف من هذا المنبع الفاسد .

اذن مراحل الانشاء تبدأ من أفق الاعتبار عند المتعاقدين او عند المنُنشِأ إن كان إيقاعاً ، ثم عند العرف العلائي وقد يتعدد عنده ، ثم تصل الى العرف الشرعي وعادة يكون العرف السابق بمثابة الموضوع للعرف اللاحق ، فلما يقال في أدلة الصحة ( أحل الله البيع ) او ( تجارة عن تراض ) المراد بها التجارة العرفية وهي تكون تجارة شرعية عند الشارع ، وكذلك البيع العرفي يكون بيعاً شرعياً عند الشارع فمعنى الحلية الوضعية ـ في الاحكام في علم الأصول او الفقه ـ هي وجود المعاملة في أفق إعتبار الشارع ، والحرمة الوضعية للمعاملة او الإيقاع تعني عدم وجود المعاملة في أفق إعتبار الشارع ، فالحلية والحرمة الوضعية بمعنى الوجود واللاوجود في أفق إعتبار الشارع ، والمعاملة التي ( احل الله البيع ) هي التي أحلها الله وهي المعاملة العرفية فهي موجودة في العرف ، ولكن هل توجد في أفق إعتبار الشارع أو لا توجد فهو بحسب الحلية الوضعية ، فمعنى الحلية الوضعية هو البيع الشرعي ، فمعنى حكم البيع الصحة أي وجود البيع في أفق إعتبار الشارع ، اذا قارنت البيع الشرعي في أفق إعتبار الشارع مع البيع العرفي تقول البيع العرفي صحيح أي وجد أيضا ، أمضي وقرر وجوده في أفق وجود الشارع فمعنى ( احل الله البيع ) ان البيع العرفي بيع عند الله ، والربا عند العرف ليس بربا عند الله { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } [[1] ] فالربا تعني النمو المالي ممحوق لا ينمو عند الله ، وأما الصدقات فيعتبرها الشارع مُنْماة للمال .

فمعنى ( أحل الله البيع ) ان البيع العرفي بيع عند الله والتجارة العرفية تجارة عند الله { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } [[2] ] أي المعاملات الباطلة عند الشارع وان لم تكن باطلة عند العرف فضلا عما اذا كانت باطلة عند العرف كالسَرقة والنَهب ، وهناك في بعض الأحيان تطابق في الانشاءات بين العرف والشارع وهناك تخالف بين أفق إعتبار المتكلم او المتعاقدين مع الأعراف العقلائية او مع الأعراف الشرعية فالمتعاقدين يتبايعان على المخدرات ولكن العرف الصالح والشرع لا يُقرِّاه وان وجد كبيع عند المتعاقدين في افق الاعتبار شخصي .

فهذه التعددية والتغايرات في وجود الأمور الانشائية بين آفاق مختلفة في الاعتبار يجب التركيز والالتفات اليها ( لا مهر لبغي ) أي لا أجرة ولا يحترم ولكن نفس إعتبار عقد الدعارة كاعتبار شخصي بين المتعاقدين موجود ولكنه عند العرف أو الشرع معدوم فهذا التعدد في آفاق الاعتبار يجب الالتفات اليه

أذن مراحل الانشاء متعددة وكل مرحلة تعتبر سبب وموضوع للمرحلة اللاحقة ، والمرحلة اللاحقة

تعتبر محمول ، ولكن كما مر ان المحمول سيكون نسخة مستنسخة للمرحلة السابقة فالبيع العرفي بيع عند الله والطلاق العرفي طلاق عند الله ، والنكاح العرفي نكاح عند الله ، والنكاح الشغار[[3] ] ليس نكاح عند الله فالمقصود انه يجب الالتفات الى هذه النكتة وهي تعدد الاعتبار ومعنى الصحة والفساد في الحكم الوضعي وهذا من ناموس باب المعاملات لذلك مبحث الصحيح والاعم ـ الذي سيأتي ـ من المباحث الحساسة والخطيرة ويدخل في كل أبواب الايقاعات والمعاملات وكل باب خلل الصلاة والحج والعبادات يتوقف علىه ومهارة الفقيه في ذلك ـ أي في الخلل ـ ترتبط ببحث الصحيح والاعم والصحة (أي الوجود) والفساد ( أي عدم الاعتبار) .

اذن الاستعمال في الجمل الانشائية ـ سواء بنحو القضية الحينية أو بنحو ضيق الملاك أو بنحو العنوان المشير وما شئت فعبِّر ـ صحيح ان المعنى ماهوي والمفروض أنه متحد من البعد الماهوي مع الجملة الخبرية ولكن الانشاء وضع لهذه الماهية من المعنى ليوجد في أفق الانشاء والاعتبار .

طبعا حقيقة الانشاء عند السيد الخوئي & ابراز الجملة الانشائية للحاظ المتكلم للمعاملة او للشيء الانشائي ، فاكتفى السيد الخوئي بوجود الأفق الافتراضي عند المتكلم نفسه ، ولكن جملة من كلماته ـ بغض النظر عن وجود التدافع بينها أو لا ـ يقر بوجود عالم إعتبار شرعي وعرفي عقلائي لكن في أفق إعتبار المتكلم فيعتبر نفس الوجود الذهني واللحاظ الذهني يعتبره عالم إعتبار شخصي .

ولا بأس به نعم هو ملحوظ عالم الاعتبار في الذهن .هذا إجمال بحث الانشاء وستأتي زوايا أكثر فيه في مباحث أصولية لاحقة وهذه هي بذرة إنطلاقة .

وأما الجملة الخبرية فهي إستعمال لفظ في معنى بداعي الحكاية وهذه الكلمة ( بداعي الحكاية أو ليوجد

في أفق الاعتبار في النشاء ) هذا الشرط بنحو نتيجة التقييد وان لم يكن قيد في المعنى ، ولكن بحيث أنه اذا استعمل المعنى في غير هذه الموارد ـ نتيجة التضييق ـ لا يكون انشاء ولا إخبار وان كان المعنى هو هو وذلك لأنه في الانشاء ( ليوجد ) ولو بلحاظ الغاية وهذا من قبيل نتيجة التقييد كما مر كالقضية الحينية او العنوان المشير او ضيق الملاك وبالتالي لا يكون المعنى موضوع له بل ولا مستعمل .

النقطة الأخرى :

واما النقطة الأخرى في مراحل الانشاء او الانشاء وهي ان كل اخبار فيه انشاء وكل انشاء فيه اخبار فما المراد من هذا ؟ وربما الاخبار فيه عدة انشاءات وليس واحدة ، والانشاء فيه عدة إخبارات

مثلا لما يقال الجملة الانشائية جملة إنشائية يعني بالمطابقة والمعنى الأساسي المركزي إنشاء وإلا ففيها معاني إخبارية تبعاً والتزاما وتضمناً ، أو إنشائيات أخرى ، وكذلك لما يقال الجملة الخبرية جملة خبرية أي بالمطابقة وإلا ففيها عدة معاني إنشائية تبعية أو عدة معاني إخبارية أيضا .

وهذا يجب الالتفات اليه لكي لا يظن ذوو المنهج الحشوي الجمودي والسطحي ان الدلالة التي هي حجة في الظهور هي الدلالة المطابقية ولا حجية لما ورائها ، فهذا المسلك باطل لا يقره جماعة من أصحاب أصناف العلوم الفنون المختلفة وهذا المسلك موجود عند جماعة من الأصوليين وجماعة من الاخباريين

فهذه السطحية ليست مختصة بالإخباريين فالحشوية والسطحية مسلك لا علمي موجود عند الفريقين

وموجود عند المتكلمين والفلاسفة والمفسرين ولذلك مر بنا ان الشيخ المفيد والطوسي والسد المرتضى وغيرهم من القدماء عندما يميزون يعبرون بمسلك الحشوية في مقابل المحققين حتى المحقق صاحب الشارع في كتابه معارج الأصول لذديه هذا التعبير .

إجمالا كيف أن الانشاء فيه إخبار تبعي لا مطابقي وكيف أن الاخبار فيه أنشاء تبعي ؟

ان هذا مهم جدا لأنه أذا كان الانشاء فيه إخبار فهو يحتمل الصدق والكذب ، فالإنشاء قد لا يترتب عليه آثاره اذا كان الاخبار الضمني فيه او التبعي أو المطوي فيه كاذب ، فالعقلاء لا يرتبون عليه الاثار في جملة من الموارد ، وكذلك العكس فالجملة الخبرية اذا لم يكن فيها انشاء ـ والمفروض ان فيها انشاء فكل اخبار فيه انشاء ـ فلا يعده العقلاء إخبار حجة فلا يرتب عليه العقلاء آثار الجملة الخبرية كالحجية

وكأنما لم يقم بإلاخبار .

ان تحليل الجملة الانشائية المطابقية أنّ فيها معنى تضمني خبري ان كان صادقا يترتب عليه آثار الانشاء وإن كان كاذباً لا يترتب عليه آثار الانشاء ، وكذلك العكس فاذا كان الاخبار ليس فيه انشاء فكأنما هذا

الاخبار ليس حقيقته إخبار ، وأئمة أهل البيت هذه العلوم في الكلام لم يكن يلتفت اليها العرب آنذاك ولم يفهمهم أفق زمان ذلك الوقت ولكن بعد تطور العلوم اللغوية شيئا فشيئا فهم أهل البيت أنهم أمراء البين فألف سنة كان الطرف الاخر يعبر عن أهل البيت انهم باطنية غنصوية وما شابه ذلك ولكن الان في علم الالسنيات عُلِمَ ان تأويل المعاني إعجاز بيان ، فهذه السُبة التي كانوا يسبون فيها أتباع أهل البيت أصبحت معجزة فلا أحد يطعن الان على أهل البيت وأتباعهم بأنهم باطنية فتعدد القراءات معجزة كما أن غيبة الامام الحجة كانوا يطعنون فيها ولكن الان عرف أنها معجزة فالخفاء يَعمل فيه الانسان مالا يستطيع أن يعمله في الظهور .

 


[1] البقرة : 276.
[2] البقرة : 188.
[3] زواج الشغار أو نكاح الشغار هو نوع من الزواج كان منتشرا في الجاهلية، وهو أن يزوج الرجل وليته (ابنته أو أخته) على أن يزوجه الآخر وليته ليس بينهما صَدَاق ولا مهر.