الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/03/24

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:الوضع/ الدرس ( 19)/ الاخبار والانشاء الدرس (3)

كان الكلام في الانشاء والاخبار ومراحله ، وقبل ان ندخل في تتمته لعله فاتني مطلب متكرر عند الاعلام في المعنى الحرفي او في الانشاء والاخبار او ما سيأتي من بحوث لفظية مثلا صاحب الكفاية ـ من باب المثال ـ ذكر ان المعنى الاسمي والحرفي ذاتاً معنى واحد إلا أنه خُصَّ المعنى الحرفي بذات المعنى حينما يلحظ حرفيا ، والمعنى الاسمي فهو أيضا موضوع للمعنى الموازي له حينما يُلحظ اسمياً ، او مبنى السيد الخوئي & من ان اللفظ وضع للمعنى حينما يتعهد المتكلم بإرادة المعنى بكذا ، هذه الشروط تسمى قيود في الموضوع له او الوضع اوقيود الاستعمال فأي نمط من القيود هذه ؟ فلو قُدِّر ان يقال ان المعنى الحرفي مأخوذ فيه اللحاظ فهو غير ممكن اذ الالفاظ وُضِعَت للمعاني من دون لحاظ وضع فيه اللحاظ فكيف يقيدها الاخوند وكذا السيد الخوئي بإرادة وتعهد ... فهذه أمور طارئة على المعنى بغض النظر عن كون أي مبنى هو الأقوى أو كل مبنى فيه زاوية من الصحة والقوة .

هذه التقيدات ليست راجعة الى المعنى ، بل هي من شؤون السامع او المتكلم ولا تؤخذ في المعنى ، وتؤخذ في الوضع فمن الذي يُلزم فهل عقد الوضع عقد معاملي او عقد سياسي او بيعة اجتماعية مثلا اذا كان من شروط الوضع مثلا ، ولو معاملة اجتماعية وتعهد اجتماعي كما يذكر السيد الخوئي & ، وبالتالي إفترض الوضع كعقد اجتماعي مقيد فما الموجب لتضييق المعنى هذا السؤال فاتني التنبيه عليه في بحوث المعنى الحرفي بغض النظر عن النظرية الصحيحة أو ان الجامع بينها هو الصحيح .

في الحقيقة ان بحث التقييد ـ بما يشمل التخصيص والتحصيص بعد كون المعنى ذاتا ذو سعة ـ حساس في علم الأصول والفقه والمعارف ومن ثم غاص فيه الاصوليون في جملة من الزوايا والدقائق حتى اكثر من الفلاسفة والمناطقة كي لا ينجم منه مثلا تداعيات خاطئة أو ما شابه ذلك .

وقد اثارنا ـ في الدورة الثانية ـ ان العام ـ بما في ذلك المطلق نفسه ـ في مرتبة واحدة على أنواع خمسة كـ( عام لحاظي ملاكي ذاتي الى خمسة أقسام ) وقد خاض علماء البلاغة في ذلك أيضا أي بحث التقييد وحقيقته .

فالتقييد عند الأصوليين ـ سيما المتأخرين ـ أنواع كما أن العام على أنواع ، فنفس تقسيمات العام لا أن الاقسام عديدة بل المَقسم والاقسام وكيفية التقسيم متعددة ، فنفس عملية التقسيم والمقسم للعام تتخذ أنواع متعددة عند الأصوليين ، لا أنه في تقسيم واحد الأقسام متعددة فقط ولسنا في صدد إثارة ذلك على أهميتها ، بل نريد الان أن نلقي الضوء هنا زاوية من التقييد وهي ان التقييد والتخصيص يمكن ان يرتكب بأنماط ويَتوصل المتكلم او السامع او المقنن بأنماط نمط من قبيل ( القضية الشرطية ) وآخر من قبيل ( القضية الوصفية ) وثالث من قبيل ( القضية الحينية) مقابل ( القضية الطبعية ) [[1] ]

فـ ( القضية الطبعية ) المرسلة من الواضح أنَّ فيها عموم وليس كلامنا فيه ، واما في القضية الشرطية أوالوصفية وكذا الحينية كل واحدة فيها تقييد ولكنه مختلف مثلا ( اشرقت الشمس حينما إرتفع القرص ) إذن الكلام رُكِز عندالاعلام بين القضية الحينية من جانب ، والقضية الشرطية والوصفية من جانب آخر .

الميرزا النائيني في كتابه ( اللباس المشكوك ) ـ وهو رسالة فيما لو شك المصلي مثلا أن عليه أجزاء من غير مأكول اللحم أو لا فهل هذا الجلد أو الشعر مما يؤكل لحمه أو لا فهل يجوز الصلاة فيه او لا ؟ فالشبهة موضوعية بالذات ، حكمية بالتبع ـ ففي هذه الرسالة [[2] ] أيضا عمدة كلامه في التقييد و أنواع التقييد والقيود وهذا مؤثر جدا في الاحكام الشرعية ونظام الاحكام في الأبواب الفقهية وكثير من المؤاخذات التي يؤآخذ الاعلام بعضهم البعض هو في كيفية التقييد ، فالتقييد له أنواع وألوان كما حقق الاعلام ذلك فالتقييد في القضية الحينية صياغته ليست تقييد ولكنه يؤدي الى نتيجة التقييد التي هي تضييق الطبيعة من دون تقييد ومن دون قيد مرئي ، فيتَوصل بها العقل الى نتيجة التقييد من دون محاذير وجود حقيقة القيد والتقييد عبر القضية الحينية ، فالقضية الحينية قسم من اقسام يكتسب أهمية شديدة جداً ويتوسل بها الاصوليون لدفع محاذير التقييد والحصول على نتيجة التقييد .

في علم البلاغة او المنطق او الأصول بل والفلسفة والكلام لدينا أطراف وهي ( ذات الطبيعة والقيد والتقييد ) فذات الطبيعة إسمية وكذا القيد ولكن التقييد والنسبة بينهما ( حرفي ) وهذا يعول عليه في بحوث عقائدية أو عقلية أو فقهية او قضايا أدبية .

المهم انه في القضية الحينية براعة القضية الحينية لا القيد ولا التقييد موجود ومأخوذ حتى على مستوى اللون الحرفي غير موجود ، لكي لا يلزم الاشكال ، ولكن نتيجة التقييد موجودة ، وهي ضيق وتحصيص الطبيعة وهو على معاني ، المهم انه في القضية الحينية بهذا المعنى إن القيد ليس موجود إسميا أي نفس ذات القيد ، ولا حرفيا وهو التقييد وهو النسبة بين القيد والطبيعة مثلا هنا في المعنى الحرفي او الاسمي على مبنى الاخوند حيث قال انه ذات المعنى حينما يلحظ آليا ، فاذا اخذ اللحاظ او التقييد باللحاظ يلزم منه محذور ، لأن المعنى المستعمل هو لحاظ المتكلم للمعنى الموضوع له ، فاذا كان المعنى الموضوع له مأخوذ فيه اللحاظ ، فلحاظ اللحاظ إذن ذات المعنى ولحاظ المعنى ، ولحاظ لحاظ المعنى ، والحال أنه ليس هكذا ، فيلزم منه نوع من تركب اللحاظ وإن لم يكن تسلسل اللحاظ وتركب اللحاظ وإن لم يكن ممتنعاً إلا أنه لا نشعر ولا نحتاج الى مؤونته عندما نستعمل الكلمات والمعاني والالفاظ بصورة سلسة طبعية .

اذن اللحاظ غير مأخوذ وكذا الإرادة غير مأخوذة فأنت تريد إبعاد الإرادة ـ على مبنى السيد الخوئي ـ

وإبعاد اللحاظ ـ على مبنى الاخوند ـ تبعد هذا القيد والتقييد عن ذات المعنى لئلا يلزم إشكال في حين تريد أن لا يبقى المعنى على سعته وعموميته بحيث يستعمل في الموارد الاسمية ، هذا النموذج من نماذج الاتيان بالشيء من دون الاتيان بإسمه نظير بعض الاكلات إسمها بشع وطعمها لذيد أو بعض العلاجات اسمها بشع ـ كالحنظل ـ ولكنها نافعة وعلاج لبعض الامراض فلا يقال للمريض أسمه لأن له تداعيات مبغوضة ، وهنا هكذا نتيجة التقييد موجودة ولكن نفس عملية التقييد والقيد غير موجودين

وهذا البحث يحتاجه الاصولي في أبواب عديدة كثيرة ستأتي ولذلك المحقق العراقي يتوسل كثيراً بالقضية الحينية لأنه نتوصل الى نتيجة التقييد من دون أن نرتكب التقيد او القيد لوجود محذور ، مثلا اخذ العلم بالحكم في الحكم .

اذن القضية الحينية أحد طرق الوصول الى نتيجة التقييد من دون وجود القيد أو التقييد .

الميرزا النائيني له طريقة أخرى منطقية أخرى غير القضية الحينية ولكن يستطيع ان يتفادى نفس المحذور بأن لا يأتي بالقيد ولا التقييد وذلك عن طريق ( ضيق الملاك ) فالطبيعة ضيقة لا تبقى على طبيعتها العامة المرسلة .

وأحد أنواع العموم عند الأصوليين او البلاغيين او المناطقة يعبرون عنه ( العموم الملاكي ) وهو ان الملاك الموجود في الطبيعة الذي سبب الحكم عليها بكذا ، هو في نفسه اما ضيق ، أو بقدر الطبيعة ، أو أوسع ، فعموم وضيق الملاك مؤثر في الطبيعة ، وان كان هو غير متواجد في قولبة وعنونة الطبيعة ( أي موضوع ومحمول ) صحيح المتكلم قال ( أكرم زيداً ) ولكن ذلك لكونه ورع ومتقي فالحكم نفسه مقيد ملاكاً لا قولبةً وليس كلامنا في كيفية الاستكشاف لذلك .

أحد معاني العموم هو العموم لحاظي ، وتارة عموم في اللفظ ويسمى ( عموم لفظي او دلالي ) وأخرى (عموم لحاظي) أي انت السامع أو المتكلم تلحظ العموم وتارة العموم ( طبعي او ذاتي ) أي نفس الطبيعة طبيعتها واسعة كأسماء الاجناس والانواع فهي الطبيعة مرسلة سواء لاحظها ام لم يلاحظها ،

الفرق بين اقسام العموم وتقسيماته ، انه المقصود من ( التقسيمات ) ان هناك مقسم وأقسام وهناك مقسم ثاني وأقسام وثالث ورابع ، وأما ( الأقسام ) انه في مقسم واحد الأقسام كثيرة ، والعموم أقسامه وتقسيماته كثيرة أي له أقسام متعددة .

والقسم الرابع للعموم (العموم الملاكي ) أي ان ذات الطبيعة ليست ذاتا وطبعاً هي واسعة وعامة ومرسلة بل ملاكها الذي بسببه حكم عليها بحكم ـ تكويني أو شرعي او غيره ـ ملاك الطبيعة هو واسع أو مضيق ، اذا واسع يسمى ( عموم ملاكي ) وفي مقابله التقييد الملاكي وفي مقابل العموم الذاتي ( تقييد ذاتي ) وفي مقابل العموم اللحاظي ( تقييد لحاظي ) وفي مقابل العموم اللفظي الدلالي هناك ( تقييد لفظي دلالي ) اذن في مقابل كل قسم من العموم تقييد وقيد .

والعموم الملاكي وهو من قبيل حكمة الحكم وفي مقابله ( التقييد الملاكي ) وحكمة الحكم اذا كانت توجب عموم الطبيعة هذه حكمة الحكم لا يأتي عنوانها كقالب في القضية القانونية ، بل يؤثر من بعيد ، والتقييد الملاكي أيضا يؤثر في ضيق القضية من دون أن يرى مرئيا وصياغة وقولبة .

هذه هي الطريقة التي يتوسل بها النائيني & في موارد القيود التي فيها محذور فيتوسل بـ ( القيد الملاكي ) لأن طبيعة القيد الملاكي كـ ( القضية الحينية ) لا القيد ولا التقييد موجود بل نتيجة القيد والتقييد موجودة ، في مقابل مبنى الشيخ العراقي من ( القضية الحينية )

والشيخ الاصفهاني له مسلك وطريق ثالث فلسفي وهذه الطرق الثلاثة نتيجتها ان القيد والتقيد غير موجودة ولكن نتيجة التقييد موجودة وهي الضيق .

وعنوان المسلك الثالث عند الاصفهاني يعبر عنها بـ ( العنوان المشير ).


[1] ـ وبتعبير الشيخ العراقي الذي يعرف القضية الحينية حق معرفتها وفرقها عن القضية الشرطية او الوصفية أعطيه إجازة اجتهاد.
[2] ـ وكان يتابع تدوينها ثلاثين عاماً، لا أن كل وقته صرفه في كتابتها بل يتابع ذلك، وقد إستغرقت تعليقته على العروة الوثقى عشرين سنة كما ينقل تلميذه الميرزا هاشم الاملي، وفي جانب تعليقته على العروة الوثقى له كتاب في الحكومة الإسلامية ( تنبيه الامة وتنزيه الملة ) وكان من اللذين يدعون لتأصيل الدين في نظام الحكم وهو من قادة الثورة الدستورية ( المشروطة ) في إيران مع صاحب الكفاية.