الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/03/13

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:الوضع

ومر بنا في تقسيم الوجود أربعة اقسام وان القسم الرابع ( النسب والروابط ) لا ذات لها أي لا يتصور ذات لها ، ولكن لها وجود ، فعندما يُنفى تذوت الذات لها ، لا ينفى وجودها ، ولكن وجودها من الضعف بمكان بحيث لا يُتصوَّر ويتقرر تذوت لها ذات ، فليس كلما انتفى ذاته انتفى وجوده ، فالفناء للموجودات لا يعني انعدامها من رأس بل انعدام ماهياتها وذواتها .

بخلاف القسم الثالث ( أي النسب ) فيمكن تقرر الحيثية الأولى فيها وهي حيثية ( في نفسه ) فهي نسب ولكن لها درجة من القوة أو درجة من الاستقلالية .

وحقيقة نظرية المحقق العراقي في القسم الثالث ما هي حيث أنه فصّل وقال إن بعض معاني الحروف من القسم الثالث وبعضها من القسم الرابع فما حقيقة مقولته في القسم الثالث ؟

فهو يريد انه اذا لاحظنا الحيثية الأولى ( في نفسه ) فهذه هي الأسماء المتحدة معانيها مع الحروف ، واذا لاحظنا الحيثية الثانية او الثالثة في نفس القسم الثالث لأن فيه ( في نفسه ) وهي الحيثية المستقلة ( لغيره بغيره ) وهما الحيثيتان الحرفية المندكة ، ومر بنا ان الحيثية الأولى ( في نفسه ) متحدة عيناً مع الحيثية الثانية

( لغيره ) فالحروف هي لغيره ،وهي الحيثية الثانية في القسم الثالث وكما مر ان كل قسم له ثلاث حيثيات والحيثية الثانية في القسم الثالث هي متحدة وموازية للحيثية الاسمية التي هي الأولى في القسم الثالث .

ففي القسم الثالث معاني اسمية ومعاني حرفية متحدة مع بعضها البعض ، كأتحاد الظرفية مع ( في ) غاية الامر كما مر ان لاحظ الظرفية اسمي بما هي ماهية ولحاظ ( في ) بما هي الوجود خارجي والنسبة الخارجية

وهذا كلام العراقي متين ودقيق ولا ينفي ما نقحَّه الميرزا النائيني من ان الحروف ايجادية وليست اخطارية وهذا يصدق فقط على القسم الرابع من الحروف ، وليس على القسم الثالث إلّا بلحاظ ان الوجود نوع من الربط ، فالاخطارية والايجادية التي ذكرها النائيني بلحاظ القسم الرابع من الحروف واما قسم آخر من الحروف فيتقرر ويمكن فيها الاخطارية الذي هو القسم الثالث .

وقول المحقق الاصفهاني صحيح بالنسبة الى القسم الرابع ، واما القسم الثالث فكلام العراقي هو المتين

واعتراضات السيد الخوئي تندفع بهذا اللحاظ كما مر ، ويبقى اعتراض عند السيد الخوئي على كلام اساتذته وهو ان النسب والروابط لا وجود لها ، ( طبعا السيد الخوئي ليس في صدد انكار القسم الثالث بل انكار القسم الرابع ولعل من خلال فحوى كلامه انه يريد ان ينفي القسم الرابع خارج الذهن واما في الذهن فلا أتصور انه يريد ان ينفيه ، والمفروض ان الحروف لا توضع للأشياء في الذهن بل توضع للخارج ، وفي الخارج ليس هناك نسب وروابط ، فالهيئات في الجمل كيف يمكن ان يعبر عن معانيها بأنها من القسم الرابع هذا الاشكال ذكره السيد الخوئي & .

وبالمراجعة الى كلمات الفلاسفة في بحث النسب وادلتهم التي اقاموها على النسب والروابط فالصحيح هو وجودها في الذهن والخارج وذكروا براهينهم في مظانها ولا حاجة لأستعراضها بشكل مفصل ، هذا مضافا الى ان السيد الخوئي يُقِر انها في الذهن والذهن قسم من الوجود الخارج بل حتى في الخارج قابل للتصوير في النسب ، كما انه في الاعراض هناك حظ من النسبة والرابط موجودة وان كانت تتحد مع الحيثية الأولى لكنها نسب .

ولا بأس أن ننبه على هذا المطلب :

انه في بحوث المعقول وكذلك في كلمات الاصفهاني ، او العراقي او السيد الخوئي وربما النائيني ان المعاني التي تأتي في الذهن تارة ارتباطها مع الأفراد في الخارج ارتباط الهوية النوعية او الجنسية مع افرادها ومصاديقها ـ أي الكليات الخمس ـ وذكروا في تحديد وادراك وانتزاع العقل للماهية من الوجود ـ لأنه في الواقع الخارجي العيني ليس هناك واقعيتان ، في كل شيء بل الاصيل شيء واحد ومن ثَّم قالو ان الاصالة اما للوجود او الماهية ـ وعلى أي تقدير فاحدهما عين خارجية ( بناءا على اصالة الوجود ) والأخر انعكاس للخارج في مرآة الذهن ويعبر عنه بالانتزاع الماهية ، فالماهية رغم انها ذات لأفرادها ، والرابط جنس او نوع وافراد ومصاديق ولكن مع ذلك الماهية في نفسها هي انتزاع من الحيثية الأولى في الموجودات فهذه هي علاقة غالب المعاني والمفاهيم مع الافراد و المصاديق ، فعندما يقال ماهية نوعية هذا هو المراد .لا ان هذا المفهوم الجنسي او النوعي له وجود عيني بل الوجود له وجود وحدود الوجود هي الماهية هذا ما قرروه في المعقول ، هذا بالنسبة الى القسم الثاني والثالث ، وماذا عن القسم الأول أي الباري تعالى والقسم الرابع ؟

فالباري ليس له ماهية نوعية ولا جنسية كما ورد في دعاء الصباح ( وتنزه عن مجانسة مخلوقاته ) فالمعاني التي تأتي في الذهن للباري ما هي العلاقة بينها وبينه ؟

ان المعاني التي تأتي في الذهن [[1] ] عن القسم الأولى هي مجرد حكاية معاني لكمالات وجودية ، ويجب أن يُفرَّق [[2] ] بين المعاني والمفاهيم الكمالية للكمالات وللوجود وبين الماهيات ، فالماهيات ليست كمالات ، فهم يقولون المخلوق مركب وزوج تركيبي والماهية هي أيضا زوج تركيبي فهي مركبة من كمال ونقص وحد وعدم ، فالماهية ـ هي في الحقيقة ـ مفاهيم كمالية مزجت مع عدم يحدد الكمالات وعندما يتجرد المفهوم الكمالي الوجودي ـ لأنواع الكمالات ـ عن العدم يعبر عنه ( المعاني الوجودية ) او ( المفاهيم الكمالية الوجودية ) التي لا رائحة للحد والعدم فيها .

اذن المفاهيم سنخان سنخ كمال محض بلا حد ، وهو معاني الأسماء والصفات الإلهية ، وحتى في الانسان عموما لما يقال ( زيد عادل ) فلم تلاحظ ماهية العدل ـ او العلم ـ بل لاحظت مفهوم الكمال في وجود زيد إلا اذا تلاحظ عدل زيد بما هو محدود فتقول الماهية كيف نفساني مثلا .

فهناك سنخان من المعاني معاني ماهوية مركبة ، ومعاني بسيطة وهي كمالات وجودية وهو القسم الأول من الموجودات ، والقسم الرابع أيضا هو مفاهيم كمالية وجودية ولكنها دون الماهية لحظ ضعيف من الوجود ويعبر عنه بالعنوان المشير وهو أيضا حكاية ولكنه لضعف المشار اليه وضعف المشير ليس بنحو الماهوي .

وبعبارة أخرى : المعنى الكمالي الموجود في القسم الثاني والثالث اقوى من المعنى الكمالي الموجود في القسم الرابع وان كان ممزوج بالعدم وذاك لا امتزاج بالعدم فيه ولكنه أضعف بخلاف المفاهيم الكمالية الموجودة في القسم الأول فهي أعلى من الثاني والثالث .

فمحصل العنوان المشير الذي يستعمله اهل المعقول اوالنائيني او الاصفهاني او العراقي او علماء الأصول يريدون به القسم الرابع والرابطة هي حكائية كمال ولكن كمال حظه من الوجود حافة العدم ولذا لا يحتاج الى تحديد عدمي له لأنه ضعيف .

بقي الكلام في نظرية السيد الخوئي هل هي صحيحة او لا ؟ وان كان ما ذكره من نكات صحيحة ولكنها ليست نظرية متكاملة ، وقد بين خواص جديدة وجيدة للحروف ولكن نظريته ناقصة فلم يبين ماهو كنه الحروف ، والصحيح كما سيأتي هو الجمع بين هذه النظريات .


[1] هذا يدل على مدى الاعجاز العلمي في بيانات أهل البيت فقبل 1400 سنة لم تكن الفلسفة اليونانية قد جاءت ولم ينفتح العرب على الأمم الأخرى يقول أهل البيت ان ما يتصوره الذهن عن الباري مخلوق لكم مردود عليكم ) ويسمى التعَّمل أي ان العقل عَمّال ويصنع، فاذا كان هذا المفهوم عن الباري او صفات الباري واسمائه تعمل من الذهن فلما يقال أسماء الباري لا يقصد المعاني التي في الذهن أو الأصوات بل هي ليست أسماء الله بل هي أصوات دالة على المعاني والمعاني انعكاسات بحجب كثيرة عن الأسماء الواقعية فالأسماء أكبر من الجواهر وهي مخلوقات مهولة مدهشة لا هول أكبر منها لا قيامة ولا عرش ولا غيره، ومع كونها مخلوقة إلا انها تنزهت عن دنس المخلوقية فالاسماء تلك واما هذه فهي أصوات وانعكاسات عن عن ...كالمرايا المنعكسة عن مرايا أخرى الى ان تصل الى عين الحقيقة، والاسماء الإلهية الخارجية طبقات فيا ترى المعاني التي تأتي في الذهن في القسم الأولى لا هي ماهية نوعية ولا ولا فما هو الرابطة بينها وبين الذات الإلهية التي عبر حجب الى ما شاء الله الى أن تصل الى الذات الازلية ماذا ؟.
[2] وقد اتقن الملا صدرا هذا الشيء الى حد ما.