الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/03/09

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:الوضع

كنا في نظريات الاعلام في المعنى الحرفي وكان الكلام في النظرية الرابعة وهي ما تبناه الشيخ الاصفهاني & وهي تعالج بعض أنواع الحروف ولا تشملها كلها ومن هنا الملاحظات التي سُجِلت عليها هي بلحاظ بانواع أخرى من الحروف لا تشملها النظرية وعليه فهي ليست باطلة مطلقاً كما أصر وتبنى ذلك السيد الخوئي &.

وحاصلها : ان الحروف وضعت للنسب والوجود الرابط ـ ونظرية الميرزا النائيني أن الحروف وضِعَت لأيجادية المعاني ـ وهي تستدعي الالتفات الى تقسيمات في الوجود ذكروها في المباحث العقلية [[1] ] حيث ذكروا ان الغني بقول مطلق هو الله عز وجل واما المخلوقات فمهما تعاظمت في الخلقة فلا تكون غنية غناءً ذاتياً ازليا مطلقاً وهذا هو الحد الفاصل بين الخالق والمخلوق وبين الاله والمألوه فتبقى هذه الموجودات حرفية أي فيها اعتماد على غيرها حتى الجواهرمع ان الجواهر موجود في نفسه لنفسه ولكنه بغيره فهي موجودة بغيره وحرف الجر ( ب) في قولنا ( بغيره ) يبين مخلوقية المخلوق وهذا هو ربط بحث حروف الجر ـ والمعنى الحرفي ـ بمباحث التوحيد والمعارف ، فيبقى فيه ـ الجوهر ـ جهة حرفية أي جهة عدم غناء وذلك كأنه في نظرة معينة هو نفسه له ما هية وهوية ، وفي نظرة أخرى هو لنفسه وليس نعتاً لغيره ، ولكنه بنظرة حقيقية واقعية هو بغيره وهذه الزاوية اشد حقائق المخلوق ففي يوم القيامة وما فوقه يتجلى ضعف المخلوق فيوم القيامة قائم على هذه الحقيقة { يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } [[2] ] فتتبين فاقة الخلائق وحاجتهم لرب العالمين ، فيتجلى تقوُّم الناس بربهم { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } فيظهر سلطان رب العالمين وأنّ الغير مملوكون { يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [[3] ] .ومن ثَم من يعيش في أعماق قلبه وفكره القيامة لا تفاجئه اهوال يوم القيامة .{ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ } [[4] ] كما أن الكثير من أهل الصلاح لا يحزنهم الموت الذي هو اصغر أهوال الاخرة وما بعده أطم فاطم الى أن تأتي القيامة وهي الطامة الكبرى .

إنّ ترَّوض الانسان بهذه الأمور يؤدي الى أن لا تفاجئه هذه الاهوال والعقبات فيمر عليها كالبرق كما يُبيَّن في الوحي فمن يعيش حقائق القيامة من الان ـ ويتقيد بها وجداناً وفكراً وعملاً ـ تكون كل هذه الاهوال نسمة ولا تؤثر فيه الصدمات الدنيوية .

اذن تقوُّم كل المخلوقات في نفسه لنفسه بغيره الذي هو الله رب العالمين ، ولذا في المباحث العقلية ان فلاسفة الشيعة وعرفائهم ومفسريهم يقولون أنَّ الفاصل بين الغلو والتأليه هو هذا فالمخلوق بلغ ما بلغ اذا كان فيه معنى حرفي فهو ليست بألوهية ، بل مخلوقية .

ان هذا مبحث في معنى الحرف يُعبِّد لك الطريق في أعوص مباحث التوحيد وكذا مبحث التوسل والاستغاثة والاستشفاء فالوهابية لم يفرقوا بين الشفيع والشريك مع أن الشفيع حقيقة وحيانية من يكفر به يكفر بالوحي ، ان الشفيع يختلف عن الشريك ، فالشريك ندٌ بند ، والشفيع مهما اثبتَّ له فهو يبقى معنى حرفي وقد خلط الوهابية بين الشريك والشفيع وتصوروا ان الشفيع شريك .

ولذا في أجوبة كثيرة للسيد هاشم الميلاني & يذكر هذه الضابطة من المعنى الحرفي فالمخلوق مهما أثبت له الا أنه لما كان فيه معنى حرفي فلا يكون له قوام إلا لرب العالمين وهذا المعنى الحرفي مشترك في الجوهر والعرض ،

والقسم الثالث وهو : العرض موجود في نفسه لغيره بغيره ـ وهو أضعف من الجوهر ـ بينما الباري عز وجل ( ان صح اطلاق صفة الفعل عليه فموجود بمعنى صفة الفعل لا الذات ) موجود في نفسه لنفسه بنفسه .

والقسم الرابع من الأقسام : لا في نفسه ولا لنفسه وبغيره ، أي في غيره لغيره بغيره وهو خالص مخلص عن الانانية .

وهذا القسم من الوجود يطلقون عليه ( النسب والروابط ) أو ( الوجود الرابط ) وهو متمحض بالربط بينما القسم الثالث العرض ( الوجود الرابطي )

والقسم الرابع لا ماهية له أي ليس في نفسه بل في غيره

وفي هذا التقسيم الرابع ما هو وماذا تعني الحيثيات الثلاث ( في نفسه ، لنفسه ، بنفسه ، أو في غيره لغيره بغيره ) ؟

حسب تعبيرهم الحيثية الأولى هي ماهية حيثية ذات الشيء ، في نفسه أو في غيره ( وفي الباري ليست ماهيته تغاير واقعيته او وجوده وإلا لتركب وحاشاه عن التركب ) فلما تسأل عن الباري ماهو ؟ يراد من الماهية غير المراد من الماهية في المخلوقات فيراد منها ما به الشيء هو هو أي واقعيته وليس المقصود ذاتٌ متغايرة عن الوجود ، بخلاف المخلوقات مهما كانت ـ عدا الأسماء الإلهية ـ ماهيتها تغاير وجودها ، ولماذا حُشِرت الماهية في المخلوقات في تقسيمات الوجود أو الواقعية ؟ بأعتبار بالدقة لأن الماهية نوع من شؤون الوجود ـ وان كانت مغايرة له ـ كاشفة عن شؤون للوجود ، وهناك بعض الموجودات من الضعف بمكان لا ماهية لها (وهي القسم الرابع ) وتسمى النسب والروابط وهي الحروف ، طبعاً لا كل الحروف بل قسم منها وهذا هو الذي أختاره العلمان النائيني والاصفهاني من ان الحروف من القسم الرابع ،أي النسب والروابط ، والشيخ العراقي أصر على ان الحروف هي القسم الثالث ليس كله بل بعضه وهي الاعراض النسبية وكلامه صحيح بلحاظ نوع من أنواع الحروف .


[1] تقدم في الدرس السابق : ان الوجود ينقسم عند العلوم العقلية الى أربعة اقسام فالوجود الذي هو في نفسه وبنفسه ولنفسه والغني عن كل شيء هو وجود الباري تعالى، ولا يتثنى الى ذات ووجود أي يتركب من ذات ووجود فذاته عين وجوده وذاته عين حقيقته . في مقابل القسم الثاني من الموجودات وهو الوجود الجوهر فلذاته وماهيته تقرر ولوجوده ليس وجود عرضي ناعت لغيره بل ناعت لنفسه فهو وجود في نفسه ـ أي إشارة للذات ـ ولنفسه ـ أي ليس ناعت لغيره كالعرض ـ ولكنه بغيره لكونه ليس ازليا بل وجد بخالق وفاعل أفاض عليه الوجود، بينما العرض وما دونه لا في غيره ولغيره وبغيره.
[2] المطففين : 6.
[3] غافر : 16.
[4] الأنبياء : 103.