بحوث خارج الأصول

الأستاذ الشیخ محمدالسند

36/03/06

بسم الله الرحمن الرحیم

الموضوع:- التنبيه الاول ــــ تنبيهات البراءة ــــ الأصول العملية.
كان الكلام في الجهة الثالثة من بحث الموضوع وهذه الجهات ــ كما مر بنا ــ غير مختصة بمثال الميتة والمذكى بل هي تجري في كل ابواب الفقه، والبحث فيها عن الموضوع الذي تترتب عليه الآثار، فان المعروف عند الفقهاء أنَّ شرط النفقة على الزوجة هو عنوان التمكين وبحثوا عن عنوان التمكين بحوث عديدة ولكن بعد ذلك في فروع عديدة التمكين غير موجود ولكن النفقة واجبة فان صاحب الجواهر + قال (من الاول لماذا نحصر الموضوع بالتمكين) وهو قولبة من الفقهاء وليست من النصوص ثم ناتي في فروع اخرى فنرى الآثار غير مترتبة على التمكين أي التمكين غير موجود ولكن النفقة واجبة.
اذن الجهة الثالثة ضرورية ومتممة للجهتين السابقتين.
اذن لابد أنَّ نلاحظ السنة الأدلة، فتارة يأتي دليل يقول أنَّ النجاسة مبطلة للصلاة، وتارة أخرى يأتي دليل يقول الطهارة عن الخبث شرط في الصلاة.
والسؤال هو هل نأخذ بكلا الدليلين؟ او بأحدهما؟
الجواب:-
 طبعاً في الكتب القديمة يأخذون بكليها فظاهرهم انهم لم يبنوا على أنَّ الجعل واحد بل كليهما مجعول ولكن متأخر الاعصار لا يقبلون بهذا ويقولون بعدم إمكان وجود جعلين ــ اذا كان لسان الدليل متعدد وهو مترتب على الاضداد او على النقيضين ــ فيما إذا كان المركب واحد أو حكم واحد مثل حرمة الأكل فإنها إما مرتبة على الميتة بعنوانها أو على غير المذكى بعنوانه وهذا حكم واحد لا يمكن أنْ يجعل له موضوعين بل لابد أنْ يكون له موضوع واحد لأن غير المذكى أحد مصاديقه الميتة، وامس مرَّ بنا هذا المثال الذي نقلنا عن الميرزا النائيني + في مانعية النجاسة الخبثية في الصلاة وشرطية الطهارة في الصلاة فهذان حكمان فهنا ايضا يقول لا يمكن أنْ يكون له جعلين لأن الصلاة واحدة فأخْذُ أحدهما يغني عن الآخر فلا معنى لأخذ الآخر لأن المتعلق والموضوع واحد مع أنهما حكمين أما مع تعدد الحكم والموضوع فلا مانع مثل حلية أكل المذكى وحرمة أكل الميتة وإن كان أحدهما يستلزم الآخر عقلاً ولكن الموضوعين متضادين والحكمين متضادين.
وأما في مثال الميتة فان الموجود في الادلة مثل صحيحة زرارة الواردة في ابواب لباس المصلي أنَّ بطلان الصلاة رتب على ما ليس بمذكى أو ما لا يحل أكله ولذا أعتمد السيد الخوئي + على أنَّ بطلان الصلاة موضوعه ما ليس بمذكى، وموجود أيضا في السن الادلة ترتيب البصلان على الميتة بعنوانه، وايضا ورد في حرمة الاكل الآية (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[1] فالملاحظ أنَّ هذا الدليل رتب حرمة الاكل على الميتة وما اهل لغير له به والسيد الخوئي + يقول أنَّ الجامع بين الميتة وما أهل لغير الله هو ما ليس بمذكى لأن الميتة بما هي لها موضوعية، وايضا الآية الاخرى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[2]  ترتب الحرمة على الميتة، وقال المشهور ان حرمة الاكل والبطلان والنجاسة مرتبة على عنوان الميتة وهو الصحيح.
وبيان ذلك:- أنه اولاً لاحظوا أنَّ النراقي + ومن وافقه والسيد الخوئي + وجل تلاميذه يعترفون في الجهة الاولى أنَّ ما ليس بمذكى مساوي شرعا لعنوان الميتة واذا كان مساوي فكيف تأتون وتقولون في الجهة الثالثة أنَّ حرمة الاكل والبطلان مرتبة على ما ليس بمذكى والنجاسة مرتبة على الميتة ثبوتا، فاذا كان يوجد تساوي بين العنوانين ثبوتا فلماذا تفصلون في الاحكام والاثار فما الفرق؟
الجواب:- أنَّ تلازم العناوين شيء وأنَّ أياً منها هو الملاك شيء آخر وهذا يترتب عليه ثمار ثبوتية وإثباتية فتحديده بالدقة له أهمية  فضلا عن ثماره في مقام الظاهر، وحتما سمعتم بأن الشارع ثبوتا وإثباتا يفكك بين المتلازمات في الاثبات وربما حتى ثبوتا يفكك.
ولكن يلاحظ على كلام النراقي & والسيد الخوئي & :-
 اولاً:- في الجهة الاولى النراقي & ومن وافقه يقرون أنَّ الميتة شرعا مساوية لما ليس بمذكى وليست خاصة بما مات حتف انفه، اذن الميتة تلازم ما ليس بمذكى عقلا فاذا جاء دليل واخذ ما ليس بمذكى موضوعا للاحكام وهو ملازم عقلا للميتة فيمكن أنْ يكون ما ليس بمذكى كناية عن الميتة والمفروض أنه ورد في لسان الادلة عنوان الميتة فلماذا تحملون هذا على عنوان ما ليس بمذكى وتتركون ما ذكر فيه الميتة مع أنْ أحدهما يصلح أنْ يكون كناية عن الآخر وهذا مقام الدلالة اللفظية والتلازم العقلي يعتنى به فيه وهذه ملاحظة اولى على مختار العلمين في الجهة الثالثة.
ثانياً:- وفيها بيان لمختار المشهور وهو الصحيح وهي أنه مر بنا في الجهة الثانية أنَّ الميتة سبب ومسبب والتذكية سبب ومسبب وقد تقدم ما المراد من التذكية السبب والتذكية المسبب وتقدم ايضا معنى الميتة السبب والميتة المسبب وبناءً على هذا المبنى إذا أجرينا استصحاب عدم التذكية أي استصحاب عدم توفر اسباب التذكية سواء كانت الشبهة موضوعية او حكمية فاذا اجرينا اصالة عدم التذكية كما تتذكرون أن عدم اسباب التذكية أنه سبب مجعول وليس التلازم عقلي بل سبب مجعول فالميتة سبب والميتة مسبب، والميتة السبب الذي يترتب عليه الميتة المسبب هو كل سبب لخروج الروح مع عدم التذكية فهو بنفسه سبب للميتة المسبب وهي القذارة فعدم التذكية بهذا البيان الذي ذكره الشهيد الاول  ووافقناه عليه ليس ملازم عقلا للميتة بل هو ملازم شرعي وللاستشهاد على هذا المطلب توجد ثلاث طوائف من الروايات:
 الاولى:- واردة في باب الاطعمة والاشربة ان القطعة المبانة من الحيوان الحي ميتة.
الثانية:- القطعة من الصيد قبل ان يصاد ايضا ميتة.
الثالثة:- صيد المحرم ميتة.
فهذا التعبير في هذه الطوائف بانه ميتة من الواضح أنَّ المراد منه ما ليس بمذكى  وانه ليس المراد منه ما مات حتف أنفه فلاحظوا كيف رتب الشارع الميتة على السبب غير الشرعي فعدم التذكية سبب لعنوان الميتة بمعنى القذارة والسيد الخوئي + والسيد الخميني + قالا أن كلمة الميتة في هذه الطوائف الثلاث تشبيه وتنزيل وليس المراد انه هذا ميتة في كل الاثار.



[1]  نحل/سوره16، آیه115.
[2]  سورة المائدة، الاية3.