الأستاذ السيد المدرسي

التفسير

38/02/07

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الآية 26

 

﴿وَ لَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فيهِ وَ جَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَ أَبْصاراً وَ أَفْئِدَةً فَما أَغْنى‌ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَ لا أَبْصارُهُمْ وَ لا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ

 

يمتاز الإنسان عن سائر الأحياء بإمتلاكه حرية الإختيار لأموره، بينما تحرك الغرائز سائر الأحياء، فلا يخوّل إليهم صلاحية الإنتخاب، ولكن كيف يختار الإنسان؟ وما هي المعايير التي يعتمدها في إنتخابه للأمور؟

لقد زوّد الله الإنسان بالعقل، وجعل الرب أمامه طريقين ونجدين، ليختار أحدهما، بل إن نطفة الإنسان الأولية مكونة من أمشاج مختلطة، وبحسب التعبير الحديث أن جيناته مبنية على هذه الثنائية، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَليهِ فَجَعَلْناهُ سَميعاً بَصيرا * إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُورا[1] .

وهنا يبرز التساؤل: كيف يستفيد الإنسان من عقله، لأن عقله محاط بالأهواء ومحجوبٌ بالشهوات، وتعصف به الفتن، فضلاً عن التأثر بوساوس الشيطان والثقافة الشيطانية المنحرفة، فليس من السهل على الإنسان وهو في زوبعة من هذه المؤثرات الداخلية والخارجية أن يميز الحقيقة ويسير خلفها، لأن الحقيقة ليست دائماً ترى بالعين المجردة بسهولة، بل هي مكتنفة ــ عادةً ــ بمجموعة من المؤثرات التي تجعلها ضبابية، كما لا يمكن أن يميز الإنسان دربه بسهولة في يوم ضبابي أو في وسط عاصفة رملية.

ومن هنا كان أهم ما يجب على الإنسان أن يعمله لكشف سبيل إدراك الحقائق هو الإلتجاء إلى الله سبحانه ومسألته لتجلية الطريق إلى الحق، فترى المؤمن بعد أن ينتهي من نوافل الليل وصلاة الفجر يبدأ بدعاء الصباح الذي يقول في نهايته في حالة السجود: "إِلَهِي‌ قَلْبِي‌ مَحْجُوبٌ‌ وَ نَفْسِي مَعْيُوبٌ وَ عَقْلِي مَغْلُوبٌ وَ هَوَائِي غَالِبٌ وَ طَاعَتِي قَلِيلَةٌ وَ مَعْصِيَتِي كَثِيرَةٌ وَ لِسَانِي مُقِرٌّ بِالذُّنُوبِ فَكَيْفَ حِيلَتِي يَا سَتَّارَ الْعُيُوبِ وَ يَا عَلَّامَ الْغُيُوبِ وَ يَا كَاشِفَ الْكُرُوبِ"[2] .

وليس المؤمن هو وحده من يسأل الله ذلك، بل حتى الأنبياء والصديقون يسألون ربهم دوماً أن يهديهم صراطه المستقيم، فقد قال إبراهيم عليه السلام كما ينقل عنه الرب عزوجل: ﴿قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِني‌ رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّين‌[3] ، وكذلك يأمر الله نبيه الأعظم صلى الله عليه وآله ليقول: ﴿وَ قُلْ رَبِّ زِدْني‌ عِلْما[4] .

ومن هنا كانت مسؤولية الإنسان الكبرى تبصّر الحق، ومن أجل ذلك كان عليه أن يطهر قلبه ويزكي نفسه، لأن الهوى يمنع من اكتشاف الحقيقة وتبصرها، ومن نهى نفسه عنها زكى و كانت عاقبته إلى الحسنى، قال الله سبحانه: ﴿وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‌ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى‌﴾[5] ، ومن دون محاربة الهوى ستكون الغلبة لها على حساب العقل، كما تسيطر الأوساخ على الإنسان إن لم يطهر جسده بإستمرار، فالقلب محاطٌ بوساوس الشيطان حتى لا يقدر أحدنا على أن يصلي ركعتين دون أن يحدث نفسه أو تتداخله وساوس إبليس من هنا أو هناك.

وليس أمام الإنسان للتخلص من أهوائه إلا التضرع إلى الله والتوكل عليه، فيقوم في محراب صلاته ليحارب نفسه لا بالسيف والرمح، بل بالدعاء والإلتجاء والتوكل على الله سبحانه وتعالى، ويقول قبل إقامة صلاته كما قال أمير المؤمنين عليه السلام لكميل بن زياد: "يَا كُمَيْلُ إِذَا وَسْوَسَ الشَّيْطَانُ فِي صَدْرِكَ فَقُلْ أَعُوذُ بِاللَّهِ‌ الْقَوِيِ‌ مِنَ الشَّيْطَانِ الْغَوِيِّ وَ أَعُوذُ بِمُحَمَّدٍ الرَّضِيِّ مِنْ شَرِّ مَا قَدَّرَ وَ قَضَى وَ أَعُوذُ بِإِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ"[6] .

 

الإنسان وآيات الرب

ومن مشاكل الإنسان هي التعامل الخاطئ مع الآيات الإلهية في الطبيعة من حوله، وكيفية العلاقة بها، هل هي الإنكار لها والإنطواء عنها من رأس، أم الخضوع لها؟ أم ماذا؟

ينبغي أن تكون العلاقة هي علاقة العبور، أي أن يستفيد الإنسان من النعم المحيطة به ولكنها يعتبرها آيات تدله على الله سبحانه وتعالى، فالشمس ــ مثلاً ــ ينتفع المؤمن من دفئها ويستضيء بها ولكنه لا يقصر نظره عليها، بل يعبر منها إلى معرفة خالقها وموجدها، فهي آيةٌ من آيات قدرة الله سبحانه وحكمته.

ومن هنا نجد المؤمن يسبح الله سبحانه فور مشاهدته أو سماعه لظاهرة عظيمة وعجيبة، لكي لا تأسر الظاهرة نفسه فينخدع بها، بل تبقى مؤطرة في إطار المخلوقية.

وفي هذه الحالة وحدها ينتفع الإنسان من عينه وسمعه وقلبه، ولولاها لا يمكن الإستفادة من تلكم النعم، وقد حدثتنا هذه الآية من سورة الأحقاف عن هذه الحقيقة، سنتوقف عندها بإذن الله سبحانه.

قوم عاد، نثرتهم الرياح العاصفة ودمّرت كل ما بنوه، ترى ما كان سبب ذلك العذاب؟

 

    1. ﴿وَ لَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فيهِ﴾

قال المفسرون في معنى الآية، أن الله اعطى قوم عاد ما لم يعطه لكم (أي قريش) ومكناهم فيما لم نمكنكم فيه، فما معنى التمكين؟

التمكين يعني الإستحواذ والسيطرة على مكانٍ أو أرضٍ ما، فيتمكن من ترابها ومائها وكل ما فيها من إمكانات فيتحكم بها كما يشاء، وهذه هي المكنة، ولا تكون حقيقةً إلا بتمكين الله سبحانه.

ربنا سبحانه يخاطب قريش، و ربما من بعدهم أيضاً، بأنه أتى عاداً ما لم يؤتهم، وما لم يعطى أحدٌ ما اعطوا، لكيلا يتصور أحدٌ أنهم اخذوا عن ضعف وقلة إمكانات، بل كانوا أقوياء في امكانياتهم وأجسادهم وقدراتهم.

فما يسمى بالحضارات السابقة إمتلكت من أدوات القوة في بعض الجوانب ما لم تمتلكها الحضارة الحديثة حتى، ولكنها لم تنفعهم حين جاء أمر الرب سبحانه، كما لن تنفع البشر اليوم طائراتهم أو صواريخهم أو سفنهم العملاقة إذا أراد الله تدميرها جميعاً.

 

لمحة تاريخية

حين اغتيل الرئيس الأمريكي جون اف كندي، وكان رئيساً لدولة عظمى مثل الولايات المتحدة، بقي فيه رمقٌ فنقل إلى المشفى، وأحضر أبرع أطباء البلاد ليحاولوا إنقاذه، فلم تنفعهم أدواتهم ولا تقدمهم العلمي على إرجاعه إلى الحياة، فإن كان التقدم التكنولوجي قادراً على منع إرادة الله سبحانه لتمكنوا من إرجاع رئيسهم إلى الحياة.

وهكذا تفجرت المركبة الفضائية "جالنجر" في الجو وانتهت حياة كل من فيها، رغم احتواء تلك المركبة على أحدث الأجهزة وأدق الأنظمة الحديثة.

ومن هنا نجد الحضارات تحوي في داخلها ما يشبه القنبلة الموقوتة إن لم تكن متصلة بالله سبحانه، فأية حضارة تبنى دون الإعتماد على الدين والقيم ودون الخضوع لله سبحانه، فإنها آيلةٌ للسقوط في أية لحظة، فهي حضارة ولكنها في بيت عنكبوت كما أسميتها قبل عقود من الزمن.

 

    2. ﴿وَ جَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَ أَبْصاراً وَ أَفْئِدَةً فَما أَغْنى‌ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَ لا أَبْصارُهُمْ وَ لا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ﴾

زود الله الإنسان بأدوات المعرفة، فالسمع أداة تلقي تجارب الحضارات السابقة، ولذلك يأتي السمع في القرآن بصيغة مفردة عادةً، ويقدم على ذكر الأبصار لأن البشر يستفيد من التجارب الحضارية السابقة أكثر من أستفادته من تجربته الشخصية.

والأبصار التي يبصر بها ما حوله، والأفئدة التي ينتفع بها في وعي التجارب السابقة وتجاربه الخاصة.

ولكن رغم وجود كل تلك النعم والأدوات المعرفية، إلا أنها لم تغنهم ولم ينتتفعوا بسمعهم ولا أبصارهم ولا استفادوا من عقولهم شيئاً، والسبب:

 

أولاً: جحد الآيات

    3. ﴿إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾

وجحود الآيات يكون على نوعين، الأول: إنكار الآية نفسها، كأن ينكر الإنسان وجوداً حقيقياً للشمس أو القمر أو..

والثاني: الإعتراف بالآية ذاتها مع إنكار دلالتها على الله سبحانه وكونها آية، وكلاهما سواء في الكفر، فلا فرق بين من يجحد بكون الحقيقة آية تدل على الله سبحانه وبين من يجحد بالحقيقة ذاتها، لأن المؤدى واحد.

 

ثانياً: الإستهزاء

    4. ﴿وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾

والسبب الثاني هو استهزائهم بالحقائق، فضلاً عن عدم قبولها.

على المؤمن أن يحذر من إتخاذ الموقف السلبي العاجل تجاه ما يسمعه، بل عليه أن يفكر فيما قيل له لكي لا يكون ممن يستهزء بالآيات.

ومن يبني حياته على الإستهزاء وإنكار الحقائق لا يمكن ان يتقدم في الحياة، وذلك بسبب عدم قدرته على الإنتفاع بما آتاه الله سبحانه من نعم السمع والبصر والعقل.

 


[1] الإنسان/السورة76، الآية3.
[2] بحار الأنوار، العلامة مجلسي، ج84، ص341.
[3] الأنعام/السورة6، الآية77.
[4] طه/السورة20، الآية114.
[5] النازعات/السورة79، الآية40-41.
[6] بحار الأنوار، العالامة مجلسي، ج74، ص271.