الأستاذ السيد المدرسي

التفسير

38/02/04

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الآية 20

 

{وَ يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ في‌ حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ بِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ(20(}

 

العدل؛ هو العنوان الظاهر للحق، والحق هو جوهر الكائنات وقوام خلقتها: ﴿ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ[1] ، فمن وعى قيمة الحق بعمق وترسخت في قلبه عناوينه كان عادلاً، والعدل هو أقرب شيء للتقوى كما قال ربنا سبحانه: ﴿عْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى[2] ، وحذف المتعلق في القرب يعني أنه أقرب إلى التقوى من أي شيء ومن كل شيء آخر.

والعدل يعني ملاحظة الإنسان لما حوله، ليعرف حقوقه على الآخرين فيستأديها، ويعرف حقوقهم عليه فيؤديها كاملة، وبين الإستإداء والأداء يعيش الإنسان في راحة العدل، لأن العدل يسع بينما الظلم يضيق بصاحبه قبل الناس، فبالعدل يعيش الناس السلام أما الظلم فيتعب الجميع ومنهم نفس الظالم الذي يظن الناس أنه في راحة والحال أنه هو الآخر يعيش الضنك.

ولجسم الإنسان عليه حقوقٌ أيضاً، إذا تجاوزها بالأخذ أكثر من الممكن أو العطاء أقل من المطلوب كان الإنسان ظالماً لنفسه وبالتالي كان في تعب.

وقد يسمى الإنسان ظالماً إذا ظلم ظلماً واحداً أو ظلمين، أما إذا بنى حياته على أساس الظلم والإستئثار وبناها على نظام تسخير الآخرين وعاش معتمداً على كدهم وسعيهم، فإنه يسمى حينئذ مستكبراً، فالمستكبر هو الظالم الذي يعيش على الظلم ويبني حياتها عليه.

وحين يظلم الإنسان نفسه قد يسمى مسرفاً أو مبذّراً، لكن إذا بنى حياته على تجاوز الحد سمي فاسقاً، فالفاسق هو المتجاوز للحدود، وأصل الكلمة تدل على الخروج من الحد كما تفسق التمرة بالإنفصال الحاصل بين القشر واللباب، كذلك الإنسان يسمى فاسقاً حين يخرج من حده.

 

سبب إستكبار الإنسان وفسقه

لماذا يصبح الإنسان مستكبراً، ولماذا يصبح فاسقا؟

السبب في ذلك يكمن في نسيان النسان للآخرة، فمثلنا في الدارين كمثل من أراد سفراً فكان بدء السفر الدنيا ونهايته الآخرة، حيث تتصل البداية والنهاية في خط طوليٍ واحد، فهما وجهان لحقيقة واحدة، وإن اختلفت المظاهر فيهما، فكانت الدنيا عملٌ ولا حساب، والآخرة حسابٌ ولا عمل.

ومع عدم الإلتفات إلى حقيقة العلاقة والإرتباط بين الحقيقتين ( الدنيا وألآخرة ) سينصب تركيز الإنسان على الدنيا، وبذلك يتحول إلى فاسقٍ أو مستكبر، لماذا؟

لأنه ينسى أن الله الذي خلقه في أحسن تقويم، وسخر لأجله كل ما في الدنيا من جمادات ونباتات وحيوانات، إنما كان ذلك لهدفٍ سام، وبنسيان ذلك والغفلة عن الآخرة، يصبح همه التمتع بالدنيا بكل ما أوتي من إمكانات، حتى يصل به الأمر إلى عدم إكتفائه بالشهوات الطبيعية، فيبحث عن المزيد والمزيد، فيسقط في أوحالها ويتخبط فيها حتى تنتهي فرصته في الدنيا، ويصطدم بحقيقة الآخرة ليرى نفسه فقيراً عما ينجيه هناك.

فالله سبحانه أعطى للإنسان العمر ليستفيد من كل ساعة فيه من أجل الآخرة، وأعطاه الطاقات المختلفة ليعمل الأعمال الصالحة التي تحفظ له في الآخرة، ولكنه أخطأ الطريق.

أنت أيها الشاب لابد لك أن تعلم أن فترة الشباب هي الفترة المثلى في حياتك التي تستطيع أن تقضي بها ما فات منك في أيام طفولتك، وتبني فيها حياتك المستقبلية، فماذا فعلت بأيام شبابك؟

وأنت أيها الغني، ما الذي قدمته لنفسك بمالك؟ كنت تستطيع أن تشتري بمالك الآخرة، فتبني المساجد وتساعد الفقراء وتقيم المشاريع الخيرية تلو المشاريع، فماذا فعلت؟

أنت أيها الإنسان؛ هل فكرت في قبرك.. في ساعة خروجك منه و هول المطلع حينئذ.. في الصراط.. في الميزان.. في الجنة أو النار؟

فالذي لا يفكر في كل تلك المواقف والساعات، سيختصر حياته في بضع سنين، وحينئذ سيسمح لنفسه أن يتجاوز على الآخرين، بل يتجاوز على جسده أيضاً، من خلال تجاوز حدود حق العين و الأذن واليد و.. التي أنعم الله عليه بها لأغراض مشروعة ولكنه يستعملها في المحرم.

فحق جسمه عليه أن يوجهه في الإتجاه الصحيح، ولكنه بالتبذير والإسراف في الأكل والنوم و الجنس و.. يكون متجاوزاً على حقوق جسده، كما يؤدي ذلك إلى ترك أداء حقوق الآخرين.

وهذه الآية من سورة الأحقاف تؤسس لبصيرة هامة هي ضرورة الرؤية الموضوعية إلى الحياة من خلال رؤية الآخرة معها، دون التركيز على جانب الدنيا فقط.

 

    1. ﴿وَ يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾

تقتضي عدالة الله سبحانه، أن لا يعذّب أحداً إلا بعد محاكمته، وبعد إعتراف المجرم بإستحقاقه للعذاب، وهكذا يعرض الكفار على النار قبل أن يلقوا فيها، فيسألهم الملائكة: أليس هذا حق؟ ألم يأتكم نذير؟ ألم يحذركم الأنبياء منها؟ بلى كل ذلك كان ولكنكم كذبتكم وقلتم أساطير الأولين.

 

    2. ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ في‌ حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾

ما هي الطيبات؟

العمر نعمة طيبة، الشباب نعمة طيبة، المال نعمة طيبة، وكذلك العلم نعمة طيبة، ولكن هذه الطيبات يبددها الإنسان في حياته فلا يبقى منها شيئاً لآخرته.

وحين يكون المرء كذلك سوف لا يحب الآخرة و لا يحب الإنتقال إليها، فقد قَالَ رَجُلٌ لرسول الله، صلى الله عليه وآله، يا رسول الله، ما لي لا أحب الموت؟

فَقَالَ هَلْ مَعَكَ مَالٌ؟

فَقَالَ نَعَمْ.

فقَالَ صلى الله عليه وآله: "فَقَدِّمْ مَالَكَ فَإِنَّ قَلْبَ الْمَرْءِ مَعَ‌ مَالِهِ‌ فَإِنْ قَدَّمَهُ أَحَبَّ أَنْ يَلْحَقَهُ وَ إِنْ خَلَّفَهُ أَحَبَّ أَنْ يَتَخَلَّفَ مَعَه‌"[3] .

المؤمن الذي يستغل نعم الله عليه من أجل العمل في سبيل الله، ويقدمها ليوم الحساب فإنه يرغب في لقاء الله، كمن بنى مسجداً أو نشر علماً أو صرف جاهاً في سبيل الله.

وقد نقل عن الخطيب المفوّه الشيخ محمد تقي الفلسفي قوله: ( أنا أحب الموت ولا أخاف منه، ولو زارني عزرائيل ليقبض روحي وفي يدي إبريق شاي، لما شربت الشاي لعدم رغبتي بالتأخر )، وفعلاً كان الأمر كما كان يقول، حيث مات الشيخ مستقبلاً الناس وأمامه إبريق شاي.

وقد روي أن أولاد الإمام أمير المؤمنين علموا بحب أبيهم لأكلة الكبد، فصنعوا له ذلك يوماً لإفطاره، فجاء سائلٌ قبل أن يطعم الإمام منها شيئاً، فأمر عليه السلام أن يحملوا الطعام إليه، قائلاً: "يا بني احملها إليه، لا تقرأ صحيفتنا غدا أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيَا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها"[4] .

هكذا يتذكر المؤمن الآخرة في كل لحظة من حياته، بينما الكافر ينساها فيعاتب يوم القيامة على إذهابه للطيبات، وإستمتاعه في الدنيا حين جعلها محطة لهوٍ ولعب متناسياً وجود يوم الحساب.

 

    3. ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ﴾

ينالون عذاب المهانة في النار، وكل من يدخل النار يخزيه الرب سبحانه، وكما قال عزوجل: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَ ما لِلظَّالِمينَ مِنْ أَنْصار[5] .

ولكن لماذا يهينهم الله سبحانه؟

 

    4. ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾

لأنهم استكبروا في الأرض، أي تجاوزا على حقوق الآخرين، وحقيقة الإستكبار واحدة، سواء في مستوى مدير دائرة او كبير عائلة أو شيخ عشيرة، أو حتى بمستوى دولة مستكبرة، كالدول الإستكبارية التي نجدها اليوم تتجاوز على حقوق الشعوب والدول الآخرى لتنعم هي بالرفاه.

وتجاوزهم بغير الحق، أي بعيداً عن حدود العدل.

 

    5. ﴿وَ بِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20(﴾

الإستكبار يرتبط بسلوكهم مع الآخرين، والفسق يرتبط بسلوكهم الشخصي، فهم فسقه على المستوى الشخصي، ومستكبرون على المستوى الإجتماعي.


[1] الأحقاف/السورة46، الآية3.
[2] المائدة/السورة5، الآية8.
[3] مجموعة ورام: ج1، ص157.
[4] شرح الأخبار في فضل الأئمة الأطهار عليهم السلام، القاضي نعمان، ج2، ص363.
[5] آل عمران/السورة3، الآية192.