آیةالله السید محمدتقی المدرسي

بحث التفسیر

38/01/17

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الآيات 3 و4

﴿ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ الَّذينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُوني‌ ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُوني‌ بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ (4)

لو تمكن الإنسان أن يستنير بمنهية الرب ويستضيء بنوره لكانت حياته مستقيةً وقائمةً على أساس الحق والصدق، ولكن لماذا نرى أن الكثير من الناس يعرضون عن الحق الذي به قوام الخلق ويغفلون عن الأجل المسمى الذي لا يخرج شيءٌ من المخلوقات في الطبيعة عن إطاره، حتى ترى الإنسان يشابه في مخالفته لسنن الحق والأجل المسمى كسائر في طريق معاكس للآخرين وكسابح بخلاف التيار، لأنه يخالف في سيره كل ما في الطبيعة، ترى ما هو السبب في ذلك؟

يكمن السبب في أن الطبيعة من حولنا تسير على غريزتها التي تقتضي موافقة السنن الإلهية، بينما الإنسان أوتي مضافاً إلى الغريزة (الفطرة) عقلاً يأمره بالسير بالإتجاه الصحيح، ولكنه في المقابل حوى مجموعة من الأهواء والشهوات، ولذلك فنحن البشر نواجه تياراً عاصفاً من الشهوات والتي تجري بخلاف مسيرةالكائنات، ومن هنا نجد الكثير من الناس ينساقون وراء شهواتهم فيسقطون في الهاوية.

والفتنة الكبرى للإنسان تكمن في تصرفّه واختياره بين الهوى والهدى، بين العقل والشهوة، فماذا نفعل؟

الخطوة الأولى تكمن في ان يكتشف الإنسان ما به نجاته بوسيلة عقله، أي يستحصل اليقين بما ينقذه دون الإعتماد على الظنون والأوهام وكذلك بعيداً عن الشهوات، لأنها جميعاً لا تنفع الإنسان عن الحق شيئاً وإن خالها كذلك، قال الله سبحانه: ﴿وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم‌﴾[1] أي لا ترفع رجلاً ولا تضعها دون علم، فمن معاني القفو هو الإتباع[2] ، فكما تمشي _ أيها الإنسان – في طريقك مبصراً أمامك بدقة لتتفادى العواثر وتتجاوز الحفر، كذلك لا يجوز لك أن تعيش في حياتك دون بصيرة هادية.

والسبب الأساس في ترك الناس لنور العلم هو إتباع الهوى، وكما قال أمير المؤمنين، عليه السلام: "ِ أَلَا إِنَّ أَخْوَفَ‌ مَا أَخَافُ‌ عَلَيْكُمُ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَ طُولُ الْأَمَلِ فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَة"[3] ، فبالرغم مما أودع الله في هذا الإنسان من أدوات كشف الحقائق وتبصرها والتي تصل إلى العشرات، بالرغم من ذلك تجده يناقض الحق ويعمل بخلافه.. لكن كيف برر لنفسه هذه المناقضة؟

لتوضيح الفكرة نحتاج إلى بيان تقدمة:

قام بعض أتباع الأديان بتفسير الديانات تفسيراً خاطئاً لظروفٍ وأسبابٍ مختلفة، فالمسيحية مثلاً ابتلوا بداء التحريف بسبب ما لاقوه من الفتن والتي كان منشؤها تعرضهم للتعذيب من قبل القياصرة نتيجة وشاية اليهود ضدهم، وقصصهم مدّونة في الكتب، حتى أن بعضها خلّد القرآن ذكراها، مثل قضية الأخدود حيث كانت الدولة تقوم بحفر أخاديد ويشعلوها ناراً ثم يرمى فيها أتباع الديانة الجديدة – المسيحية-.

ولما ضاق الأمر بالنصارى أنقسموا إلى ثلاث فئات: الأولى ترهبنوا وخرجوا إلى الكهوف تاركين الحياة الإجتماعية، والثانية عملوا بالتقية حفاظاً على حياتهم، والفئة الثالثة قامت بالتفاوض مع القياصرة، فحرّفوا الدين بما يتناسب مع أهواء السلطة وتوجهاتها، فتنازلوا عن التوحيد وقالوا بالثالوث، ومن ثم جاؤا بنظرية الفصل بين الدين والسياسة بقولهم (ما لله لله وما لقيصر لقيصر) و.. وهكذا قاموا بتحريف الدين أشد تحريف، بما يتعارض حتى مع العقل السوي، فالواحد (الله سبحانه) كان ثلاثة والثلاثة في واحد [4] ، وحين كان بعض الأتباع يعترض على نظرية الثالوث باعتبارها مناقضة للتوحيد الخالص، ولكنهم – علماء النصارى – يجيبوهم بأن القضية لا ترتبط بالعقل وإنما بالإيمان القلبي.

شاعت هذه الفكرة في اوروبا حتى جاء لوثر كينج ومن ثم الحركات التحررية من قيود الكنيسة المتزمتة، فقوبلت بقمع الكنيسة في محاكم التفتيش وغيرها، حتى وصل الأمر إلى الثورة الصناعية في فرنسا.

وبالثورة الصناعية ترك الأوروبيون التطرف المسيحي ووقعوا في تطرفٍ آخر، حيث رفضوا الروح والإيمان والقيم، فما لا يروه بأعينهم ولا يخضع للمقاييس المادية لا يعتبروه حقيقة بل يجعلوه في خانة الخرافات، وظهرت الحركة العلمانية (كما سمّوا انفسهم بذلك).

وتجدر الإشارة هنا إلى أهمية تاريخ أوروبا ليس بالنسبة لهم فقط بل بالنسبة لنا نحن المسلمين، لأن كل ما جرى ويجري في اوربا يؤثر على المسلمين في كل مكان وحتى في مناطقنا، فالتغيرات الإجتماعية والسياسية تؤثر علينا بصورة مباشرة أو غير مباشرة حتى يومنا الحاضر، وآخرها ما حدث في استفتاء إنفصال بريطانيا عن الاتحاد الاوروبي حيث نصحت البريطانيين بعدم الخروج، لما في ذلك تأثير على المسلمين.

فكانت مسيرة أوروبا بين تطرفٍ وآخر، الأول رافضاً العلم مطلقاً والثاني رافضاً الدين مطلقاً.

أما نحن فنخالف الإيمان بلا عقل، كما نخالف العلم البعيد عن الدين والإيمان، لماذا؟ لأنهم جميعاً منافذ للحقائق وإن أغلق الإنسان على نفسه نافذة منها أغلق على نفسه جزءاً من الحقيقة كمن يسدل الستار على بعض نوافذ حجرته فيحجب نفسه عن نور الشمس بحسب الستائر المسدلة، وكما تقول القاعدة: (كل حاسة يفقدها الإنسان يفقد العلم بمقدار فقده لها) فمن يفقد حاسة البصر يحتجب عنه العلم بمقدار فقده للعين.

وحين يترك الإنسان العقليات يفقد جزءاً كبيراً من حقائق الواقع وكذلك العكس حين يترك الإنسان الدين وبصائره.

ومن هنا نعرف أن العلمانية المدعاة ليست علمانية في واقع الأمر، لأن العلم قد يأتيك عن طريق الوحي كما يمكن أن تحصل عليه بالنظر في الآثار وإقامة التجارب و.. فتخصيصك لجانب واحد وترك الجوانب الأخرى يفقد الإنسان العلم، وبالتالي يكون نصف علماني لا علماني.

أما العلماني الحقيقي فهو من يفتح نوافذ العلم جميعاً ويؤمن بها ويستفيد منها كلها، فالمسلمون يؤمنون بالوحي كما يؤمنون بالتجارب وكما في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: " وَ فِي التَّجَارِبِ‌ عِلْمٌ‌ مُسْتَأْنَف‌"[5] ، وقد كتب علماء المسلمين مئات الكتب حول تجارب الأمم الأخرى للإستفادة منها، ولم يحرم الإسلام ذلك بل شجّع عليها وأمر في كثير من النصوص بدراسة حياة الأمم السابقة والسير في آثارهم و..

    1. ﴿وَ الَّذينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾

يبدو أن الكفر هنا هو كفرٌ بالرسالة وليس كفراً بالمعاد كما قيل، فالحديث في السياق هو عن الكتاب وحامله أي الرسول، فيدلنا على أن الكفر هو كفرٌ بالرسول الذي حمل الكتاب لإنذارهم، والكفار يعرضون عن إنذار الرسول، فماذا يعني الإعراض؟

الإعراض هو إمالة الوجه عن المتحدث[6] والصد عنه فضلاً عن عدم الإستماع إلى حديثه، ويعد ذلك من مشاكل التعصب لفكرة ورأي، حتى يمتنع المتعصب حتى من إستماع رأي الآخر والإنفتاح عليه لكيلا يتأثر بالفكر المخالف.

ونرى اليوم أن المتأثر بفكرة ما والمؤمن بمذهبٍ أو حزبٍ ما، يمتنع حتى عن مطالعة كتب الآخر أو مشاهدة فضائياتهم أو صفحاتهم على النت، وهذا الفعل ليس من العلم في شيء.

والقرآن الكريم يأمر الإنسان بإنتهاج المنهج العلمي في حياته، حيث يخاطب المعرضين عن الحق بقوله:

    2. ﴿قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُوني‌ ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾

الكافر حصَر نفسه وتوجهه على أوهامٍ وأفكارٍ باطلة، فراح يعبد آلهة مزيفة.. والقرآن الكريم يتحداه أن يظهر خلق ما يدعو اليه من دون الله، أو تأثيرهم في الحياة.

وكلمة (أروني) فيها إشارة إلى المطالبة بالدليل الواضح والبرهان الساطع، فلا قبول بالخرافات والنقول والقصص الخيالية.. ما الذي خلقوه؟ وما الذي صنعوه؟ هل خلقوا شيئاً من الأرض – ولو بحجم ذبابة-؟ كلا، بل وهل يقدروا على حفظ أنفسهم منه؟ قال الله سبحانه: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوب‌﴾[7] .

    3. ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ﴾

هل تمكنوا – الألهة أو الناس أو..- من إيقاف حركة الشمس – مثلاً- أو يعرف ما يجري في الكواكب الأخرى بدقة؟

    4. ﴿ائْتُوني‌ بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ ﴾

مطالبة بكتابٍ ثابت من عند الله سبحانه ليكون شاهداً على مدعاهم والا فأثارةٍ من علم، فما المقصود من أثارةٍ من علم؟

الأثارة: جزء من العلم المأثور الذي حدث سابقاً، أي شيءٍ مرتبط بعلمٍ مأثور، ولا يكفي نقل الظنون أو الشكوك، بل لابد أن يكون نقلاً للعلم.

ومن هنا نعرف أن أحد أسباب إعراض الإنسان عن الحق هو عدم إتباعه منهجية علمية رصينة، مستعيضاً عنها بالأهواء والشهوات.

 


[1] الإسراء/السورة17، الآية36.
[2] مفردات ألفاظ القرآن، ج1، ص680، كتاب الماء، ج3، ص1065.
[3] وقعة صفين، النص، ج1، ص3.
[4] مثل ما قال بعضُ (الوحدة في عين الكثرة والكثرة في عين الوحدة).
[5] الکافی، الشيخ الكليني، ج15، ص70، ط دارالحدیث.
[6] شمس، نشوان بن سعيد الحميري، ج7، ص497.
[7] الحج/السورة22، الآية73.