آیةالله السید محمدتقی المدرسي

بحث التفسیر

38/01/15

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الإطار العام للسورة

الإطار العام للسورة

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‌ * حم (1) تَنْزيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزيزِ الْحَكيمِ (2) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ الَّذينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3)﴾

بالرغم من أن القرآن الكريم يتجدد دوماً ومن أبعاد تجدده سوره المختلفة، فإنا نجد أنفسنا أمام أربع سورٍ قرآنية تبتدء بكلمة (حم) بدءاً من سورة الشورى وحتى الأحقاف، وتحمل السور جميعاً المضمون ذاته وهدفها متقارب وإن كانت تختلف هذه السورة عن تلك في طريقة تحقيق الهدف المنشود.

فكما المرض الواحد له علاجات مختلفة وأدوية متنوعة في الطبيعة، كذلك يعالج القرآن الكريم الأمراض المختلفة في الإنسان كالتكبر والتشدد و.. بطرق مختلفة ووسائل متنوعة.

فما هو الهدف الأساس لسورة الأحقاف؟

الحديث المحوري في سورة الأحقاف هو القرآن ذاته – كما السور السابقة لها – ولكن من جهة كيفية إستقبالنا للقرآن الكريم وآياته.

القرآن الكريم كلام الله وفضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه – كما في الأثر- والله سبحانه هو الخالق للسماوات والأرض والرازق لهما ولما بينهما وهو الجبار المقتدر، وهو الحكيم العلم، ولا يمكن للقلب الميت أن يستقبل كلامه، ارأيت كيف لو جئت بأفضل شتائل الدنيا وغرستها في صحراء قاحلة هل ستنمو ؟ او سقيتها بماء البحر هل ستثمر ؟ كلا، قال الله سبحانه: ﴿وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدا[1] ، وكذلك القلب الميت لا يمكنه أن ينتفع بآيات القرآن الكريم، قال الله عزوجل: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُون‌﴾[2] ، فالقلب الملوث بالكبر والغفلة والحسد يبقى محجوباً عن القرآن ولابد من إختراق تلكم الحجب بتطهير القلب من الأدران كي يستفيد من آياته الكريمة.

وفي سبيل كشف الحجب عن القلب يبدو أن أهم موضوع ذكر في هذه السورة الكريمة هو الحديث عن محورية الحق، فماذا يعني ذلك؟

هناك معادلة صعبة ودقيقة بين الهدى والهوى، ففي حين يدعوك الهوى إلى الإعتقاد بحقانية ما تشتهيه، يأمرك الهدى بأن الحق شيءٌ ثابتٌ ولابد لك أن تقول به وتعمل به.

وقد كانت هناك طوائف كلامية تدعي بأن كل ما يفتي به العالم هو الصواب، فالصواب ما قال به العالم، وقد عرفوا بالمصوبة فيما بعد، في حين أن هذا الإدعاء بعيدٌ عن الموضوعية وموغلٌ في الآنانية لتحويل الواقع كما تشتهيه نفس الإنسان، ومثلهم كمثل طبيب يصف دواءً مغايراً للمرض ويدعي أن ما يصفه هو الذي سيكون علاجاً للمرض، وللإمام أمير المؤمنين عليه السلام خطبة في الرد على هذا المذهب الخاطئ.

ولكن ماذا تعني محورية الحق؟

أولاً: أن الكائنات ذات حقيقة، ولا تؤثر في وجودها إغماض المنكر لها جفونه عنها أو جحودها بها، والعلمانيون الذين حجبوا أنفسهم عن المعنويات والقيم والروح والعرفان، وربطوا أنفسهم بهذه المادة الخشنة، وادعّوا حقيقة ما يقدرون على تشريحه مشرحتهم منكرين ما وراء ذلك.. فهل انعدم ما أنكروه ؟ كلا، ولكنهم هم الذين خسروا الإنتفاع بها بعدم الإيمان بها.

بالرغم من أن هذه العلمانية المفرطة انقرضت اليوم، وردّوا هم على أسلافهم ولكن بنسبةٍ ما هناك إنكارٌ من قبلهم.

فالحق هو ما هو واقع وقائم سواء كنت أراه أو لا، وسواء أقررت به أو أنكرته، إذ لا يمكن أن ينكر الإنسان شيئاً لم يره، أو لم يعرف كيفيته.

ثانياً: المعنى الآخر للحق أن كل شيء قائم على مجموعة من الأسس والقوانين، فمثلاً بدراسة الإنسان لعلم الفلك سيدرس فيزياء الفضاء، والعلاقة بين النجوم وبين الكواكب، والقوانين الحاكمة في العلاقة بين المجرات و.. الدارس لها سيجد أن القوانين هي ذاتها القوانين سواء كانت في المريخ او الأرض، وبناءاً على وحدة القوانين الحاكمة استطاع الإنسان أن يقوم بتجاربه في تلك الكواكب.

فالقوانين ذاتها القوانين، وتجري على كل شيء، فهي تسري على النملة والنحلة والنباتات و.. على حد سواء.

فالحق؛ بتعبير موجز يعني: وجود سنن إلهية تتحكم في كل ما خلقه الله سبحانه، وهي سنن عامة كالجاذبية وسنة الفعل ورد الفعل و.. ولكن حين تتواصل السنن بعضها مع البعض و تتحكم في شيء معين يذهل الإنسان لعظم ما يرى فيها.

 

الزمن ودوره في الخليقة

ومن معاني الحق أيضاً، أن كل شيء له عمر (أجل مسمى) وليس الأمر كما ادعاه ماركس بقوله: الكون شعلة متقدة كانت ولا زالت وستبقى كذلك "، فأنى له الجزم بأنها أبدية وكيف له بالقول كونها أزلية؟

بل لكل شيء بداية ونهاية، وهذا ما توصل إليه العلم القطعي أيضاً، وبالوصول إلى عمق العلم لعرفنا بداية كل شيء ونهايته أيضاً مجملاً، فالشمس بحسب القوانين الذرية لها عمراً محدداً، وبحسب القانون ذاته فهي سنتهي في وقت معين.

فلكل شيء أجل معلومٌ عند الله سبحانه وما عسى الإنكار أن يغير من الواقع شيئاً وإن أنكر الجاحدون.

والآية الثالثة من سورة الأحقاف تحوي بوضوح قانون الأجل لكل شيء، والتي لو عكسناها على الواقع وتعمقنا فيها تحمل لنا عبراً كبيرة وكثيرة لكل حياتنا.. ونعرف من خلالها أثر الزمان لأنه جزء من خلقة الله سبحانه، فالله خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان قادراً على خلقتها بين الكاف والنون، ولكن الأيام الستة هذه مهمة، لأن الصيرورة جزء من طبيعة كل شيء، حتى أنا وأنت الزمان جزء من وجودنا، عمرنا الذي مضى والذي سيأتي هو جزء من وجودنا.

ومن هنا لا يمكن بحال إنكار عامل الزمان في حياتنا كبشر، ومن ذلك إنكار البعض للموت وتصورهم بالخلود في الحياة عاملٌ رئيس لخسارتهم أنفسهم.

 

تسمية السورة

تحدثنا آيات القرآن الكريم عن قوم عاد في أكثر من موقع، ولكن ذكرت القصة في هذه السورة بذكر كلمة الأحقاف عنهم، واختلفت كلمة المفسرين عن معنى مكان الأحقاف بعد بيانهم لمعنى الأحقاف الذي يعني الرمال الكثيفة، فقال بعضٌ انها منطقة بين حضرموت وعدن والشامات اي ما يسمى اليوم بالربع الخالي، وقال بعضٌ أنها في الشام، وقال قسم أنها في العراق.

والذي يبدو أن الأحقاف هي في جنوب الجزيرة العربية وعلى ساحل بحر، وكلمة الأحقاف تعني أساساً كثبان الرمال المتعرجة، والتلال الرملية المتعرجة، والتي تجري الرمال في الصحاري كما يجري الماء، فهناك تلال رملية ولكنها غير ثابتة ومتحركة.

سميت السورة الكريمة بـ (الأحقاف) لورود قصة عاد فيها والذين كانوا في منطقة الأحقاف، وفي ذلك إشارة بأن حضارة عاد كانت بين رمال متحركة ولكن باعتبار قربها من الماء و وجود نبع الماء بالقرب منهم صارت لديهم حضارة وخضار و.. ولكنها تبقى حضارة هشة من الناحية المادية لاحتمال إغراقها بالرمال وكذلك من الناحية المعنوية لخواءها الداخلي.

فالله سبحانه منّ على قوم (عاد) الذين كانوا يعيشون بالأحقاف بالأشجار والصخور والماء وبنوا حضارتهم ولكنهم بارزوا الله سبحانه بالعصيان ورفضوا الإنصياع لرسوله بالطغيان، فكان من أمرهم ما كان.

وهذه هي مشكلة البشر جميعاً، إذ يغتر الإنسان بما آتاه الله سبحانه من نعم فيظن أنها خالدة وباقية، وبذلك يظن أنه في مأمن من أخذ الله سبحانه وتعالى.

 


[1] الأعراف/السورة7، الآية58.
[2] الواقعة/السورة56، الآية79.