الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/11/27

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - الدوران بين الأقل والأكثر - مبحث أصالة الاشتغال ( الشّك في المكلف به )- مبحث الأصول العملية.

وأما السؤال الثاني فجوابه: - إنَّ الاستثناء بالمعنى الذي يقصده صاحب الكفاية لا معنى له لأن أدلة الأجزاء تبيّن حكماً واقعياً فإنَّ هذا جزء وذاك جزء، وهذا بيان لحكمٍ واقعي، بينما حدث الرفع يقول ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) هو ناظر إلى حالة الجهل، فهو وارد لبيان الحكم الظاهري، فإنَّ موضوعه هو أنه عند الجهل يرفع الحكم، أما الدليل الأول للأجزاء فهو ناظر إلى الحكم الواقعي، فيكف يكون الدليل الثاني مخصصاً للدليل الأول فإنهما ليسا ناظرين معاً إلى حكمٍ واقعي، إذ لو كان الاثنين ناظرين إلى حكم واقعي فالتخصيص مقبول، أما بعدما كان أحدهما ناظر إلى الحكم الواقعي والآخر ناظر إلى الحكم الظاهري في حالة الجهل كيف يثبت التخصيص حينئذٍ؟!! فإذاً لا مجال لفكرة التخصيص وفكرة الاستثناء التي أشار إليها صاحب الكفاية(قده).

ومن الواضح أنَّ الفرق بين التخصيص وبين الرفع الظاهري هو أنه في التخصيص أنه من البداية الحكم ضيّق، يعني أن الجزئية من البداية هي للتسعة وليست للعشرة، أما الرفع الظاهري فهو يعني أنَّ الجزئية ثابتة للعشرة ولكن حديث الرفع يقول أنا أرفعها في حالة الجهل، ولكنها ثابتة واقعاً ولكن مادامت لست بعالم فأنا أرفعها رفعاً ظاهرياً بمعنى أنه لا يجب الاحتياط والاعادة وإن كانت ثابتة واقعاً، ورفعها يكون برفع الأمر بالعشرة، فإنه في حالة الجهل الأمر بالعشرة هو المرفوع، وحينئذٍ يعود التساؤل من جديد وهو أنه إذا ارتفع الأمر بالعشرة ما المثبت للأمر بالتسعة؟ فلم يصنع صاحب الكفاية(قده) شيئاً، وما ذكره إنما يتم فيما إذا فرض أنَّ حديث الرفع يدل على التخصيص الواقعي، ولكنه ليس كذلك، فهو ناظر إلى الحكم الظاهري، وما كان ناظراً غلى الحكم الظاهري لا يمكن أن يخصص الدليل الدال على الحكم الواقعي، فالتخصيص لا معنى له، نعم إنَّ الذي له مجال هو ما ذكرناه، وهو أنَّ الرفع الظاهري بمعنى أنه مادمت في ظرف الجهل فقد رفعت عنك الجزئية المشكوكة، ورفعها إنما يكون برفع الأمر بالكل، لأنه لا يمكن رفع الجزئية المشكوكة من دون رفع الأمر بالكل، فإذا رفع الأمر بالكل عاد الاشكال ثانيةً وهو أنه ما المثبت لبقاء الأمر متعلقاً بالتسعة؟، فإذاً الاشكال باقٍ ويتوجه على صاحب الكفاية.

اللهم إلا أن يقول: - إنه بضم حديث الرفع إلى أدلة الأجزاء تكون النتيجة هي أنَّ الجزئية ثابتة للتسعة دون العشرة، فنحن نفهم أنَّ الأمر بالأكثر مرتفع ويوجد أمر بالأقل. ولا مخلص إلا أن يقول هكذا.

وإذا قال هكذا فنقول: - إنَّ هذا يتم فيما إذا فرض ورود دليل خاص يرفع الجزئية المشكوكة ويقول ( رفع عن أمتي كل جزئية مشكوكة )، بحيث يكون وارداً في الجزئية المشكوكة، فهذا يدل بالدلالة الالتزامية العرفية على أنَّ الأمر بالباقي موجود، أما إذا كان الدليل عاماً مثل ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) فلا يستفاد من تطبيق حديث الرفع أنَّ الأمر بالباقي موجود، بل المناسب عدم تطبيق حديث الرفع لأجل أنَّ هذا رفع للعشرة ولا مثبت للأمر بالتسعة وحديث الرفع هو حديث رفع لا حديث إثبات، فلا يمكن أن يستفاد من حديث الرفع شيئاً، ولا يتمكن صاحب الكفاية(قده) أن يقول إنه بضمّ حديث الرفع إلى أدلة الأجزاء يثبت أنَّ الأمر بالتسعة ثابت، فإنَّ هذا لا يتم إلا إذا فرض أنَّ الدليل الرافع للجزئية المشكوكة كان دليلاً وروايةً خاصة بالجزئية المشكوكة فإنه بالالتزام العرفي يدل على بقاء الأمر بالباقي، أما مثل حديث الرفع الذي تكون دائرته واسعة فهو يرفع كلّ ما لا يعلم من أجزاء من حرمة تدخين لا تُعلَم ومن وجوب دعاء لا يُعلَم ومن غير ذلك فلا يمكن أن يدل بالالتزام على أنَّ الأمر بالتسعة موجود، بل المناسب حينئذٍ أن يقال هو ليس بشاملٍ لمثل هذا المورد، لأنَّ شموله لهذا المورد يحتاج إلى عناية، وحيث لا مثبت للعناية فلا مثبت للشمول.