الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/11/21

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - الدوران بين الأقل والأكثر - مبحث أصالة الاشتغال (الشّك في المكلف به)- مبحث الأصول العملية.

إن قلت: - إنه بناءً على منجّزية الاحتمال عقلاً نقول في موردنا نحن نحتمل أنَّ التكليف لم يسقط وإن أتينا بالتسعة ولو لأجل احتمال الترابطية ولا يسقط إلا بالعشرة، فإذا احتملت بقاء التكليف فقاعدة منجّزية الاحتمال عقلاً تقول عليك أن تمتثل مرة ثانية حتى تجزم بالامتثال وسقوط الأمر وذلك بالإتيان بالعشرة.

قلت: -

أولاً: - إنَّ قاعدة منجّزية الاحتمال عقلاً لو أردنا أن ننظر إليها فمن البداية هي سوف تؤثر أثرها، أي حينما يجلس الفقيه ويفكّر بأنَّ التكليف بماذا يتعلّق وهل يتعلق بالتسعة أو بالعشرة فإذا بنينا على منجّزية الاحتمال عقلاً فمن هنا نقول يلزم الاتيان بالعشرة لقاعدة منجّزية الاحتمال عقلاً من دون حاجة إلى كل هذا التطويل الذي ذكر مبحث الشك في الجزئية والشرطية، وإنما نقول لقاعدة منجّزية الاحتمال يجب الاحتياط عقلاً، فإذاً لابد وأن نفترض أنا قد غضضنا النظر عن قاعدة منجّزية الاحتمال عقلاً وإلا لم يبقَ لنا كلام في كل مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين، فإذاً نحن قد فرضنا غض النظر عن هذه القاعدة حتى يبقى المجال مفتوحاً للأصولي.

ثانياً: - صحيح أننا نسلّم قاعدة منجّزية الاحتمال عقلاً ولكننا لا نأخذ بها، لأنه توجد عندنا البراءة الشرعية، وقد قلنا إنّ البحث عن الاشتغال العقلي أشبه بالترف الفكري، فصحيح أنه بحث أصولي معمق ولكن بعد وجود البراءة الشرعية فتكون مقدمة على البراءة العقلية، أما أنه هل يوجد مورد لا تجري فيه البراءة الشرعية حتى يجري الاشتغال العقلي فقد نحصل على مورد أو موردين أو ثلاثة ولكن هذا غير مهم، وإلا فعادةً البراءة الشرعية موجودة، فلا داعي إلى البحث في البراءة العقلية بعد وجود البراءة الشرعية، لأنَّ المفروض أن الحكم العقلي بالاشتغال معلّق على عدم حكم الشرع بالبراءة، وأما بعد حكم الشرع بالبراءة فالعقل يرفع اليد عن حكمه، لأنّ العقل يحكم بالاحتياط لأجل التحفّظ على أغراض المولى وملاكاته، فإذا تنازل المولى وقال ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) أو ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها ﴾ فحينئذٍ لا مجال للاشتغال.

هذا كله من حيث الكبرى.

وأما من حيث الصغرى - وهي أنَّ المورد من موارد الشك في سقوط التكليف - فيمكن أن يقال في مقام التعليق: - إنه بناءً على رأي للشيخ العراقي(قده) لا يكون المورد من موارد سوقط التكليف، فالصغرى لا تكون تامة وإنما التكليف يكون ثابتاً جزماً، فإنه يوجد عند الشيخ العراقي(قده) رأي في باب التكليف يقول فيه إنَّ الاتيان بمتعلّق التكليف - أي الامتثال - هو مسقطات الفاعلية دون الفعلية.

وبيان ذلك: - كما لو وضع العام أمام شخص جائع فأكل منه حتى شبع، ففي مثل هذه الحالة هل نقول إنه لا توجد ارادة للأكل أصلاً أو أنها موجودة ولكنها غير فعّالة؟ إنَّ الارادة للأكل موجودة ولكن ليس لها فاعلية، ولذلك يقول احتفظوا بهذا الطعام حتى نجوع، أو أنه يشرب بعض المشروبات الغازية حتى يهضم الطعام ويستطيع الاستمرار بالأكل، وهذا معناه أنَّ الارادة موجودة، فتكون الفاعلية ساقطة دون الفاعلية، فبناءً على هذا الرأي للشيخ العراقي(قده) عند الاتيان بالمتعلَّق هو التسعة سوف لا نشك في السقوط، لأنَّ السقوط هل هو في نفس التكليف أو في فاعلية التكليف؟ أما في نفس التكليف فجزماً هو موجود، لأنه بناءً على رأي الشيخ العراقي(قده) يقول إنه بالإتيان بالمتعلّق لا يسقط التكليف، وأما في نفس الفاعلية فالفاعلية قد تحققت، لأنَّ المكلف قد اندفع للإتيان بالمتعلّق وهو التسعة وكل تكليف له فاعلية إلى متعلّقه وقد أتى بالمتعلق، فإذا نظرت إلى الفعلية فهي موجودة ولا تزول بالإتيان بالمتعلّق، وإذا نظرت إلى الفاعلية فهي قد سقطت بسبب تحقق المتعلَّق، فأين الشك؟!!

فإذاً بناءً على رأي الشيخ العراقي(قده) لا يكون المورد من موارد الشك في سقوط التكليف، فإنه حينما نأتي بمتعلق التكليف - وهو التسعة - لا يكون المورد من موارد الشك في التكليف، بل التكليف بمعنى الفعلية موجود جزماً وبمعنى الفاعلية قد تحققت الفاعلية وسقطت إذ اندفع المكلف إلى الاتيان بمتعلّق الأمر بالتسعة من خلال الاتيان بالتسعة، وفاعلية كل أمرٍ هي بلحاظ المتعلّق وقد أتى به، فالفاعلية قد سقطت جزماً، والفعلية باقية جزماً، فأين الشك حتى تقول إنَّ موردنا من موارد الشك في سقوط التكليف؟!! فإنه بناءً على رأي الشيخ العراقي(قده) لا تتصور الصغرى.

والمهم من المناقشتين هي الأولى.

الدليل الرابع: - إذا أتينا بالتسعة دون الجزء العاشر فسوف نشك في سقوط التكليف الموجّه إلينا من قبل المولى - والذي لا ندري هل هو متعلق بالتسعة أو بالعشرة - لاحتمال تعلّقه بالعشرة، فنجري استصحاب بقاء التكليف.

والجواب: - إنَّ هذا أصل مثبت، لأنك إن أردت أن تثبت أنَّ الأمر متعلّق بالتسعة فهذا لا معنى له، وإنما أنت تريد أن تقول إذا لم يسقط الوجوب عند الاتيان بالتسعة فإذاً التكليف الشرعي متعلّق بالعشرة، وهذه الملامة عقلية وليست شرعية، إذ لا توجد آية ولا رواية تقول ( إذا لم يسقط الأمر عند الإتيان بالتسعة فإذاً الأمر متعلّق بالعشرة )، وكل استصحاب يتوخّى من خلاله إثبات أثرٍ عقليٍ وليس شرعياً يكون أصلاً مثبتاً وهو ليس بحجة.