الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/11/06

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - التنبيه الثامن ( الانحلال الحقيقي والانحلال الحكمي ) - الشبهة المحصورة - مبحث أصالة الاشتغال (الشّك في المكلف به)- مبحث الأصول العملية.

ويمكن أن نطرح ثلاثة أسئلة في هذا المجال: -

السؤال الأول: - ما الفارق بين الانحلال احكمي والانحلال التعبدي؟

السؤال الثاني: - ما الثمرة فهل هاك ثمرة بين الانحلالين التعبدي والحكمي أو لا ثمرة وإنما هي مجرد قضية علمية أصولية لا أكثر؟

السؤال الثالث: - هل فكرة التعبد بالانحلال الحقيقي ممكنة أو ليست ممكنة؟

أما السؤال الأول:- فقد تقدم جوابه حيث قلنا إنَّ الانحلال الحكمي يعني أنَّ العلم الإجمالي موجود غايته الأصول في أطرافه لا تتعارض كما لو كان أحد الطرفين كان خارجاً عن محل الابتلاء فإما الاناء في بيت السلطان نجس أو هذا الاناء الذي أمامي فهنا نطبق فكرة الانحلال الحكمي، يعني نقول إنَّ الاناء الذي في بيت السلطان خارج عن محل الابتلاء فالأصل بلحاظه لا يجري، فيجري أصل الطهارة والاباحة بلحاظ الاناء الذي في محل ابتلائي، وهذا انحلال حكمي، فالعلم الإجمالي موجود ولكنه غير منجّز، وهذا هو معنى الانحلال الحكمي، يعني أنَّ حكم العلم الإجمالي – وهو التنجيز - زائل ومنحل وغير ثبات بسبب عدم تعارض الأصول، فعلم اجمالي موجود ولكنه غير منجز لعدم تعارض الأصول.

وأما الانحلال التعبدي فنفترض أنَّ الأمارة قامت في أحد الطرفين وقالت إنَّ هذا الماء نجس، فمن يبني على مسلك جعل العلمية في جعل الأمارة وأن المجعول فيها هو العلمية - كما هو مسلك الشيخ النائيني(قده) وربما يظهر من بعض لكمات الشيخ الأعظم في الرسائل(قده) وقد وقع الكلام أن كلام الشيخ في الرسائل ماذا يستفاد منه في جعل الحجل فهل يستفاد العلمية أو لا - فمرة نقول إنَّ المجعول بعد شهادة الامارة - خبر الثقة - بأنَّ هذا الطرف هو النجس ليس هو العلمية فالانحلال يصير حكمياً، لأنه يجب الأخذ بهذه الأمارة وإن لم تكن طريقاً فإنها منجِّزة، فافترض أنها لا تجعلنا عالمين ولكن يجب الأخذ بها، وبعد وجود الأمارة لا يجري أصل الطهارة، إذ الأصل نأخذ به عند عدم وجود الأمارة والحال أنَّ الأمارة موجودة هنا وهي شهادة الثقة بأنَّ الطرف الأول نجس، فيجري أصل الطهارة في الطرف الثاني من دون معارض، وهذا انحلال حكمي أيضاً.

أما إذا قلنا إنَّ المجعول في خبر الثقة هو العلمية فسوف يجعلنا خبر الثقة عاملين بنجاسة الطرف الأول ويصير بمثابة العلم التكويني، فلو علمنا تكويناً بأن الطرف الأول هو النجس فحينئذٍ لا يبقى العلم الإجمالي، ولا حاجة إلى اجراء الأصل في الطرف الثاني من زاوية العلم الإجمالي، نعم نجريه كشبهة بدوية ككل شبهة بدوية ولكن هذه قضية ثانية.

فعلى مسلك جعل العلمية حينما نصير عالمين بمؤدى الأمارة نصير كأننا عالمون وجدناً فينحل العلم الإجمالي ولكن ليس انحلالاً حقيقياً وإنما انحلال تعبّدي، فالعلم الإجمالي يزول تعبّداً، ولا حاجة إلى إجراء الأصل في الطرف الثاني لأن العلم الإجمالي ليس بموجود فيجوز ارتكابه، اللهم إلا أن نجريه من باب الشبهة البدوية.

إذاً الفارق بين الانحلال الحكمي والانحلال التعبّدي هو أنه في الانحلال الحكمي يفترض أنَّ الأصل لا يجري في أحد الطرفين لوجود خبر ثقة من دون جعل العلمية، ففي مثل هذه الحالة العلم الإجمالي باقٍ فنحتاج في رفع المنجّزية إلى اجراء الأصل في الطرف الثاني وإلا التنجيز باقٍ بالعلم الإجمالي، أما بناءً على كون المجعول لشهادة الثقة هو العلمية نصير بمثابة العالمين وجداناً فيزول العلم الإجمالي تعبّداً ومعه لا حاجة في سلب التنجيز إلى اجراء الأصل في الطرف الآخر، إلا من باب الشبهة البدوية ككل شبهة بدوية.

وأما السؤال الثاني فجوابه: - إذا كنت تريد ثمرة فهل تريد عملية أو ثمرة علمية؟ فإن كنت تقصد الثمرة العلمية وتكتفي بها فهي موجودة وهي ما بيّناه، فإنه في الانحلال الحكمي العلم الإجمالي موجود حقيقيةً غايته أنه بما أنَّ خبر الثقة موجود في أحد الطرفين فأصل الطهارة لا يجري في أحد الطرفين فيجري في الطرف الآخر من دون معارض، أما في الانحلال التعبّدي فالعلم الإجمالي يزول تعبّداً وارتكاب الطرف الآخر لا حاجة إلى اجراء الأصل فيه إلا من باب الشبهة بدوية ككل شبهة بدوية، وأما إذا أرد ثمرة عملية فنقول إنه لا تود ثمرة عملية وإنما الموجود هو الثمرة العلمية فقط.

وأما السؤال الثالث فجوابه: - إنه ربما يقال إنَّ الانحلال التعبّدي على مسلك جعل العلمية ليس بممكن في حدّ نفسه، لأنَّ التعبّد ينفع في الأمور الاعتبارية لا في الآثار التكوينية فإن الآثار التكوينية لا تثبت بالتعبد، وانحلال العلم الإجمالي بالعلم التكويني هو انحلال تكويني، فإذا كان عندي علم اجمالي إما بأن الطرف الأول نجس أو الطرف الثاني ثم نظرت وحصل عندي علم بأنَّ الأول هو النجس فإن هذا الانحلال أثر تكويني وليس أثراً اعتبارياً، وبناءً على هذا إذا قال الشارع جعلت خبر الثقة علماً وجعلتك عالماً وعبّدتك بأنك عالماً فهذا جعل واعتبار فالآثار التكوينية للعلم الإجمالي التي هي الانحلال الحقيقي هي أثر تكويني للعلم التكويني ولا يمكن أن يثبت هذا الأثر الحقيقي التكويني بالتعبّد، نظير ما إذا عبّتك بأنك أسد - إن صحَّ هذا التمثيل - أي جعلتك واعتبرتك أسداً فهل تثبت الاثار التكوينية مثل بخر الفم فإنَّ الأسد أبخر الفم وهل يثبت لك هذا الأثر؟! كلا لا يثبت، نعم إذا كان هناك أثر اعتباري فهو الذي سوف يثبت أما الآثار التكوينية فلا يمكن أن تثبت بمجرد التعبّد، وعلى هذا الأساس التعبّد بجعل الامارة علماً وأنه إني عبدّتك بكونك عالماً حينما تقوم الامارة عندك - خبر الثقة - فالآثار الحقيقية لا تترتب وهي الانحلال الحقيقي فإن هذا اثر حقيقي تكوين فهو لا يثبت بالعلم والجعل الاعتباري وإنما يثبت بالعلم الحقيقي التكويني كما لو نظرت ورأيت في هذا الاناء نجاسة فهنا ينحل العلم الإجمالي ويترتب حينئذٍ ارتفاع العلم الإجمالي حقيقةً، أما باعتبارك عالماً بأن هذا الطرف هو النجس فالانحلال الحقيقي لا يثبت بذلك، فعلى هذا الأساس ربما يقال إن الانحلال التعبدي ليس بمعقول ولا يترتب عليه الانحلال فإن الانحلال اثر تكويني للعلم التكويني وما كان اثراً لعالم التكوين لا يثبت بالاعتبار.

وعلى أي حال لا تتعب نفسك كثيراً في هذا فإنَّ هذه أبحاث علمية، إذ بالتالي افترض انه لم يثبت الانحلال التعبدي فإن هذا لا يؤثر على النتائج شيئاً، فإنَّ الانحلال الحكمي موجود، فبعد قيام الأمارة على كون هذا الطرف نجس فأصل الطهرة لا يجري في هذا الطرف لوجود الأمارة فيجري في الطرف الثاني من دون معارض، فإذاً النتيجة اليت تريدها قد حصلت عليها وهي اجراء أصل الطهارة في الطرف الآخر من دون معارض، وهذا لا يختص بالانحلال التعبدي إلا إذا كان يوجد عندك نذر ولكن ليس من المعلوم أنَّ هذا النذر ينعقد لعدم الأثر له.

والخلاصة: - إنَّ الانحلال التعبدي سواء قلنا بإمكانه أو بعدم امكانه لا يغير من النتائج العملية شئياً لأنه يوجد قائم مقامه وهو الانحلال الحكمي فهو ثبات من دون إشكال، فإنه بعد قيام الأمارة في هذا الطرف لا يجري أصل الطهارة فيه فيجري في الطرف الثاني من دون معارض، فمزيد البحث عن الانحلال التعبّدي لا فائدة فيه، ونكتفي بهذا المقدار.

ثلاثة مصاديق للانحلال الحقيقي: - هناك مصاديق ثلاثة للانحلال الحقيقي قد تذكر، والأول منها لا شك في مصداقيته للانحلال الحقيقي بلا كلام وأما الثاني والثالث فقد وقعا محلاً للكلام: -

المصداق الأول: - وهو المعروف وهو ما إذا علمنا بنجاسة أحد الاناءين بالدم ثم نظرت في الاناء الأول فرأيت الدم موجود فهو نجس بالدم فهذا الاناء الأول مصداق حقيقي للمعلوم بالاجمال وينحل العلم الإجمالي انحلالاً حقيقياً بلا إشكال، وهذا متفق عليه من دون كلا، وهذا المصداق إنما ذكرناه من باب التوطئة للقسمين الأخيرين واستيعاباً للأقسام.

المصداق الثاني: - أن نفترض أننا نعلم بنجاسة أحد الانائين بالدم كما ذكرنا في القسم الأول ثم بعد ذلك علمنا بأنَّ الاناء الأول نجس لا بنجاسة الدم وإنما هو نجس، فإذاً المعلوم بالاجمال معلّم بعلامة وهو أنه نجس بسبب الدم ولكن العلوم التفصيلي أنَّ هذا الطرف نجس، ولا أقول هو نجس بالدم وإنما هو نجس فقط، فيوجد علم تفصيلي بنجاسة الطرف الأول، لأنه جاء عشرة أو أثر من الثقات مثلاً وشهدوا وقالوا إن هذا الطرف الأول نجس من دون أن يبينوا نوع النجاسة هل هي دم أو غيره، فهم شهدوا بأصل النجاسة، وهذا مثال عرفي، ومثاله الشرعي هو ما إذا كنا نعلم بوجود أحكام إلزامية تدل عليها أخبار موجودة في الكتب الأربعة وبعد ذلك حصل لنا علم بمقدار مائة حكم تحريمياً ولكن بعد ذلك بسبب الفحص حصلنا على مائة حكم تحريمي أيضاً ولكن لا بقيد ( في الكتب الأربعة ) وإنما أصل مائة حكم تحريمي، ففي مثل هذه الحالة هل ينحل العلم الإجمالي بهذا العلم التفصيلي بعد الالتفات إلى أنَّ المعلوم بالاجمال معلّم بعلامة وهي أن المائة حكم موجودة في الكتب الأربعة بينما العلم التفصيلي هو وجود مائة حكم تحريمي ولكن لا بقيد ( في الكتب الأربعة ) وإنما عثرنا في الشريعة على مائة حكم ولكن لا نقيدها بقيد ( في الكتب الأربعة ) وإنما لعل قسماً منها موجود في الكتب الأربعة ولعله ليس بموجود، فهل يحصل انحلال حقيقي أو لا؟

المصداق الثالث: - ما إذا علمنا اجمالاً بنجاسة مائة إناء من دون تقييد كون النجاسة بالدم وعثرنا بعد ذلك بنحو العلم التفصيلي على مائة إناء نجس، فالمعلوم بالاجمال ليس معلّم بعلامة والمعلوم بالتفصيل أيضاً كذلك، ومثال الشرعي ما إذا علمنا بوجود مائة تحريم في الشريعة الاسلامية من دون أن تكون معلمة بعلامة ( في الكتب الأربعة) فالمعلوم الإجمالي كلّي وعثرنا بعد ذلك على مائة تحريم، فهل يحصل الانحلال الحقيقي أو لا[1] ؟

أما بالنسبة إلى المصداق الثاني: - فالمناسب عدم الانحلال الحقيقي.


[1] ومن الواضح أنَّ الانحلال الحكمي حاصل من دون إشكال وإنما الكلام في الانحلال الحقيقي، ولماذا الانحلال الحكمي واضح ومسلّم؟ لأنه في المائة حكم أصل البراءة وأصل الطهارة لا يجري في الأطراف التي عثرنا عليها في التفصيل سواء كان في المصداق الثاني أو المصداق الثالث ولا فرق بينهما، وإنما كلام، في الانحلال الحقيقي بحيث يزول العلم الإجمالي عن النفس حقيقةً فكلامنا هو في هذا وإلا فالانحلال الحكمي فهو مما لا إشكال فيه.