الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/10/23

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - التنبيه السابع ( ملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة ) - الشبهة غير المحصورة - مبحث أصالة الاشتغال (الشّك في المكلف به)- مبحث الأصول العملية.

وممن ذهب إلى هذا أيضاً صاحب الكفاية(قده) حيث قال: - ( وثالثة يجب الاجتناب عنهما فيما لو حصل العلم الاجمالي بعد العلم بالملاقاة ضرورة انه حينئذٍ نعلم اجمالاً إما نجاسة الملاقي والملاقى أو بنجاسة الآخر كما لا يخفى فيتنجز الاجتناب عن النجس في البين وهو الواحد أو الاثنين )، فإما أن يكون الواد إذا فرضنا أن النجس كان هو الطرف الثاني فيجب تركه، وإذا كان النجس هو الأول فيجب ترك الثالث، فإما أنه يجب ترك الأول والثالث أو أنه يجب ترك الثاني، لأنه إما أن يكون النجس هما الاثنان معاً - الأول الثالث - أو الثاني فيجب ترك الثلاثة.

وما ذكره صاحب الكفاية(قده) جيد على طبق القواعد.

هذا كلّه في الصورة الأولى من الصورتين اللتين تقدمتا.

وأما الصورة الثانية[1] : - فهل يجب الاجتناب عن العباءة كالإناءين الأول والثاني أو لا؟

والجواب: -

أما على رأي الشيخ الأعظم(قده):- فإنه يقول إنَّ الأصول ذوات الرتبة الواحدة هي التي تدخل في المعارضة، والأصول ذوات الرتبة الواحدة هو الأصل الأول بلحاظ الاناء الأول والأصل الثاني بلحاظ الاناء الثاني، وهذا بمثابة الأصل السببي، فهما في رتبةٍ واحدة، أما الأصل الثالث الذي هو في الملاقي - العباءة - فهو أصل مسبَّبي عن نجاسة الاناء الأول فلا يدخل في المعارضة، فسواء حصلت الملاقاة قبلاً أو بعداً فهذا لا يؤثر على الشيخ الأنصاري، لأنه ينظر إلى وحدة رتبة الأصول، فتجري المعارضة بين الأصول التي تكون في رتبة واحدة.

وأما على رأي الشيخ النائيني(قده): - فالكلام هو الكلام، فإنه يقول إنَّ المدار عندي على المعلوم الأسبق فإنه هو الذي يتنجّز وإن كانت هناك أسبقية رتبية، ومن الواضح أنَّ المعلوم الأسبق هو إما نجاسة الاناء الأول أو الثاني، فإنَّ هذا أسبق رتبةً وبسببه تحصل نجاسة الطرف الثالث - العباءة -، فأسبقية المعلوم رتبةً أيضاً موجودة نفسها ولا تتغير أبداً.

وأما على ما ذكرناه: - من أننا لا نلاحظ الرتبة وكل هذه الأمور لا نلاحظها، فحينئذٍ يجب الاجتناب عن الثلاثة.

والنتيجة النهائية:- إنه على ما ذهبنا إليه إنه في جميع الصور الثلاث يجب الاجتناب عن الثلاثة، لتعارض الأصول في جميع الأطراف بعد عدم قبولنا لقاعدة أنَّ المعارضة لا تدخل فيها إلا اصول ذوات الرتبة الواحد، وعدم قبولنا لقاعدة أن المنجّز لا تنجز، وعدم قبولنا لقاعدة الساقط لا يعود، وعدم قبولنا لقاعدة أنَّ الذي يتنجز هو المعلوم الأسبق ولو رتبةً، فإنه إذا لم نقبل بكل هذا فتكون النتيجة في الصور الثلاث هي أنه يجب الاجتناب عن الأطراف الثلاثة من دون فرقٍ بينها، ومن المناسب للأعلام كما أوضحنا أنَّ يذهبوا إلى أنه يجب الاجتناب عن الاناء الأول والثاني دون الملاقي - العباءة -.

هذا بالنسبة إلى هاتين الصورتين وقد اتضح أن الحكم فيهما واحد لا يختلف.

هل لصياغة العلم الاجمالي تأثير؟

والمقصود من هذا العنوان أنَّ العلم الاجمالي الأول واضح، فإنه يكون بين الاناء الأول والاناء الثاني، فإما أن يطن الاناء الأول نجس أو الاناء الثاني هو النجس، أما العلم الاجمالي الثاني فله صياغتان، صياغة أن نقول إن يحصل علم اجمالي ثاني بنجاسة إما الاناء الثالث أو الاناء الثاني، وهناك صياغة ثانية له وهي أننا نعلم إما بناسة الاناء الثاني من جانب أو بنجاسة الاناء الثاني والاناء الثالث من جانب آخر، فهل لصياغة العلم الاجمالي بإحدى الصياغتين له تأثير في النتائج العلمية أو لا؟

والجواب: - إنها ليس لها تأثير لا على مبنى القوم ولا على مبنانا.

أما على مباني القوم: -

فعلى منبى الشيخ الأنصاري:- إنه يلاحظ الأصول ذوات الرتبة الواحد فحتى لو صغنا العلم الاجمالي بالصياغة الثانية - يعني قلنا إن النجس إما هو الاناء الثاني من جانب أو الاناء الأول والثالث من جانب آخر - فعنده المعارضة لا يدخل فيها إلا الأصول ذوات الرتبة الواحدة، والأصول التي هي في رتبة واحدة هو أصل الطهارة في الطرف الأول وأصل الطهارة في الطرف الثاني، ومهما غيرت العلم الاجمالي تبقى الأصول ذوات الرتبة الواحدة هو الأصل في الطرف الأول والأصل في الطرف الثاني لأن الطرف الثالث نجاسته مسببية من الطرف الأول، فالنتيجة لا تتغير.

وأما على مسألة أن المنجّز لا يتنجز ثانية: - فالأمر كذلك، فهو بالعلم الاجمالي الأول قد تنجز الاناء الثاني - المشترك - فلا يتنجّز بالعلم الثاني، فالعلم الثاني لا يكون منجّزاً سواء صيغ بالصياغة الأولى أو صيغ بالصياغة الثانية، لأنَّه بالتالي الأصل في الاناء الثاني لا يجري لأنَّ المنجّز لا يتنجّز ثانيةً.

وإذا بنينا على مبنى السيد الخوئي(قده) وهو أنَّ الساقط لا يعود: - فالأمر كذلك، فإنَّ الأصل في الطرف الثاني قد سقط بالمعارضة الأولى فلا يعود في المعارضة الثانية سواء صغت العلم الاجمالي بالصياغة الأولى أو صغته بالصياغة الثانية فإنَّ هذا لا يؤثر.

وأما على رأي الشيخ النائيني(قده): - فأيضاً المدار على الأسبقية الرتبية للمعلوم والعلوم السبق رتبة هو نجاسة الاناء الأول أو الثاني فيكون المدار عليها، وصياغة العلم الاجمالي بأي صيغة كان لا يؤثر شيئاً.

وأما على رأينا الذي لا نلاحظ فيه كل هذه الأمور فنقول: - إنَّ الأصول الثلاثة في جميع الأطراف تتعارض وتتساقط.

إذاً تغيير صياغة العلم الاجمالي بأن نجعله ثنائي الأطراف أو نجعله ثنائي الأطراف أيضاً ولكن أحد طرفيه يشتمل على الملاقي والملاقى - أي الطرفين الأول والثالث - لا يؤثر شيئاً، إذ بالتالي الأصول جميعها متعارضة، فإذاً اختلاف الصياغة للعلم الاجمالي الثاني لا يؤثر شيئاً في النتيجة.

صورة يجب الاجتناب فيها عن الجميع بالاتفاق: -

وهي ما إذا فرض أنه كان أولاً يوجد عندنا علم اجمالي بنجاسة إما الاناء الأول أو الاناء الثاني ثم حصل علم اجمالي ثاني بأنه إما عباءتي لاقت الاناء الأول أو أن ثوبي لاقى الاناء الثاني، فإما أنَّ عباءتي تنجست بالإناء الأول أو أنَّ ثوبي تنجس بالإناء الثاني، فهنا الجميع يقول بوجوب الاجتناب عن العباءة وعن الثوب مضافاً إلى الاناءين الأول والثاني، لأنَّ هذا علم اجمالي ثانٍ أصوله في رتبةٍ واحدة، لأنَّ الأصل الجاري في العباءة مع الأصل الجاري في الثوب في رتبةٍ متساوية، فكلاهما أصل مسبّبي فيتعارضان ويسقطان، وكذلك الأصلان السببيان في الاناءين الأول والثاني هما في رتبةٍ واحدة فيتعارضان ويتساقطان، ولا تأتي قاعدة المنجّز لا يتنجّز، لأنه لا يوجد طرف مشترك بين العلمين الاجماليين، فإنه في العلم الاجمالي السابق كان هناك طرفٌ مشترك وهو الاناء الثاني وقد تنجّز بالعلم الاجمالي الأول فلا يتنجز بالعلم الثاني، أما هنا فالذي نريد أن ندخله في العلم الاجمالي الثاني ليس هو الاناء الثاني وإنما هما الطرف الثالث والرابع - أي العباءة والثوب -، فلا تأتي قاعدة المنجّز لا يتنجّز، لأنه لم يتنجّز واحداً منهما بالعلم السابق حتى تطبّق قاعدة المنجّز لا يتنجّز، وهكذا لا تأتي قاعدة الساقط لا يعود، لأجل أنه صحيح أنَّ الأصلان قد سقطا بالمعارضة الأولى ولكن بالنسبة إلى الأصلين في العباءة والثوب هما أصلان جديدان لا أنهما سقطا سابقاً، فمسألة الساقط لا يعود لا تأتي هنا.

كما أنَّ ما ذكره الشيخ النائيني(قده) من أنَّ المدار على الأسبق معلوماً ولو من حيث الرتبة فهذا لا يأتي أيضاً، وإنما هو يأتي فيما إذا فرض أنه لم يتعدد العلم الاجمالي بهذا الشكل، أما إذا تعدد العلم الاجمالي بهذا الشكل فذلك العلم الاجمالي الأول له معلومه وهو أسبق رتبةً فيصير تعارض الأصول هناك، أما هذا العلم الاجمالي الثاني أصوله متأخرة رتبةً وحينئذٍ تحصل المعارضة بينها، فلا يأتي ما أفاده.

إذاً هذه الصورة باتفاق الجميع لأجل حدوث علم اجمالي جديد وأطرافه جديدة ولا يوجد طرف مشترك بين العلمين الاجماليين الأول والثاني فحينئذٍ يجب الاجتناب عن جميع الأطراف الأربعة.

الانبساط والسببية: -

إذا لاقى الاناء الثالث الاناء الأول فسوف يتنجس، فهل هذه النجاسة هي نفس النجاسة الموجودة في الاناء الأول غاية الأمر أنها توسعت وهذا ما يعبر عنه بالانبساط أو التوسع، أو أنه تحدث نجاسة جديدة غير النجاسة السابقة، فهل النتائج تختلف باختلاف ذلك أو لا؟


[1] - وهي أن تكون ملاقاة الطرف الثالث - العباءة -للإناء الأول تحصل قبل العلم الاجمالي - فهو لا يعلم بأن العباءة قد لاقت الاناء الأول - ثم بعد ذلك حصل العلم الاجمالي إما بنجاسة الاناء الأول الذي أصابته العباءة أو الاناء الثاني ثم بعد ذلك حصل عندي علم بملاقاة العباءة للإناء الأول. فملاقاة العباءة للإناء الأول -.