الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/06/21

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - التنبيه السابع ( ملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة ) - الشبهة غير المحصورة - مبحث أصالة الاشتغال ( الشّك في المكلف به )- مبحث الأصول العملية.

التنبيه السابع: - ملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة.

لو فرض أنه يوجد عندنا إناءان وأصابت أحدهما نجاسة فيجب اجتنابهما معاً ولكن لو فرضنا أنَّ عباءتك لاقت إناءً معيناً منهما كالإناء الأول فهنا يقال إنَّ العباءة هي ملاقٍ لأحد أطراف الشبهة المحصورة، والسؤال هل نحكم بنجاسة هذه العباءة أو يوجد مجال للحكم بطهارتها.

رب قائل يقول: - نحن الآن نشك في تنجس العباءة فهي كانت طاهرة سابقاً والآن نشك في تنجسها فنجري فيها أصل الطهارة، والأنسب أن يقال يجري فيها استصحاب الطهارة لا أصل الطهارة، لأنه مع وجود الاستصحاب لا تصل النوبة إلى أصل الطهارة، ولكن هذا ليس بمهم ولا يؤثر فنقول للتسهيل نحن نجري أصل الطهارة، فالسؤال إنَّ أصل الطهارة أو استصحاب الطهارة نتمسك به ونقول إنَّ الملاقي لأحد الطرفين هو طاهر أو أنه لا يمكن الحكم بذلك؟

بادئ ذي بدءٍ أنه يجري فيه أصل الطهارة أو استصحاب الطهارة ونحكم بطهارة الملاقي لأحد أطراف الشبهة المحصورة.

ولكن في المقابل يمكن أن يقال:- إنه بمجرد الملاقاة لأحد الأطراف سوف يتشكل علم اجمالي جديد غير العلم الإجمالي السابق فيحدث علمان اجماليان، العلم السابق هو أني أعلم بأنه إما الاناء الأول نجس أو الاناء الثاني نجس، والآن يحدث علم اجمالي جديد وهو إما أنَّ الاناء الثاني نجس - لأننا افترضنا أنَّ العباءة لاقت الاناء الأول - أو العباءة هي النجسة، ومع انعقاد هذا العلم الإجمالي الجديد فلا يجري فيه الأصل لمعارضته بالصل في الطرف الآخر - أي الاناء الثاني صاحب الملاقى - فيسقط أصل الطهارة أو استصحاب الطهارة في الملاقي - أي العباءة - وبالتالي تكون النتيجة هي أنَّ الثلاثة - الاناءان والعباءة - يجب الاجتناب عنها.

بيد أنَّ الشيخ الأعظم(قده)[1] ذهب إلى أنه بالإمكان الحكم بطهارة الملاقي - العباءة - حيث قال:- إنَّ العلم الإجمالي الثاني الذي أحد طرفيه العباءة ليس بمنجّز، والوجه في ذلك: إنَّ شرط منجّزية العلم الإجمالي فرع تعارض الأصول في أطرافه[2] ، فإذا تعارضت وتساقطت فحينئذٍ يثبت التنجيز، وحينئذٍ نقول إنَّ العلم الإجمالي الأول تعارض طرفاه، يعني أنَّ أصل الطهارة في الطرف الأول تعارض مع أصل الطهارة في الطرف الثاني فإذا سقطا فحينئذٍ العلم الاجمالي الثاني لا يكون منجَّزاً، لأنَّ الطرف فيه هو الاناء الثاني وقد سقط الأصل فيه في المعارضة الأولى فيجري الأصل في الطرف الثاني - أي العباءة - في العلم الثاني من دون معارض، فلا يعارض بأصل الطهارة في الاناء الثاني لأنه سقط بالمعارضة الأولى، والساقط لا يصلح للمعارضة ولا يعود.

فإذاً الشيخ الأعظم(قده) بناءً على هذه الفكرة لحدّ الآن ذهب إلى أنَّ الملاقي لأحد طرفي الشبهة المحصورة يوجد مجال للحكم بطهارته، لأجل أنه صحيح أنَّ العلم الإجمالي موجود وأنَّ الملاقي هو طرف له ولكن هذا العلم الإجمالي الثاني ليس بمنجّز لعدم تعارض الأصول في أطرافه، فإذاً نحكم بطهارة الملاقي.

وهذه الفكرة كلّها مبنية على أنَّ عملية المعارضة لا يدخل فيها إلا الأصول ذوات الرتبة الواحدة، والمفروض في المقام أنَّ الأصل في الملاقي هو في رتبة متأخرة لأنه يوجد عليه أصل حاكم وهو أصل الطهارة في الاناء الأول فإنَّ الشك في طهارة العباءة ناتج من الشك في طهارة الاناء الأول فرتبة هذين الأصلين - يعني أصل الطهارة في العباءة وأصل الطهارة في الاناء الأول - فهما في رتبتين مختلفتين أحدهما سببي والآخر مسبَّبي فالأصل في الاناء الأول سببي والأصل في العباءة أصل مسبَّبي والأصل السببي ليس في رتبة الأصل السببي، فلا تقترح إذاً أنه لماذا لا يدخل الأصل في العباءة في المعارضة مع ذينك الأصلين بمعارضة واحدة ويسقط الجميع، فحن نجيب بأنه لا يدخل في المعارضة إلا الأصول ذوات الرتبة الواحدة، وقد قلنا إنَّ هذا الفكر موجود في الرسائل[3] .

لا يخفى أنَّ هذا المورد هو من موارد تسرّب الفلسفة إلى علم الأصول هو هذا المورد.

ومن هنا ينعقد هذا الكلام: - وهو أنه لماذا لا يدخل في عملية المعارضة إلا الأصول ذوات الرتبة الواحدة أما الأصل الذي تكون رتبته مختلفة فلا يدخل في عملية المعارضة؟

إنه من خلال ما ذكره الشيخ الأعظم يمكن أن نذكر تقريباً لعدم دخول إلا الأصول وذات الرتبة الواحدة، والوجه في ذلك هو أنَّ الأصل المسبَّبي لا يمكن أن يدخل في المعارضة مع الأصل السببي إذ مع وجود الأصل السببي لا تثل النوبة إلى الأصل المسبَّبي حتى يدخل الأصل المسبَّبي في عملية المعارضة، فإنَّ الأصل السببي حينما يكون موجوداً فسوف يكون حاكماً على الأصل المسبَّبي فلابد أن يسقط الأصل السببي المعارضة مع صاحبه - يعني في أصل الطهارة في الاناء الثاني - فإذا تساقطاً فحينئذٍ يجري الصل السببي من دون معارض، أما أنَّ كل الأصول حتى غير ذوات الرتبة الواحدة تدخل في المعارضة فهذا لا يمكن.


[1] فرائد الأصول، الأنصاري، ج2، ص242.
[2] ويوجد خلاف في أن اعلم الإجمالي هو منجز بلا إشكال ولكن هل هو منجز بنحو العلية التامة أو بنحو المقتضي، فإن قلنا إن التنجيز هو بسبب تعارض الصول يعني أن هذا معناه انه منجز بنحو المقتضي فنفس العلم الإجمالي بذاته لا تنجيز فيه وإنما بسبب تعارض الصول، ومرة يقال إن نفس العلم الإجمالي بذاته هو منجز من حاجة إلى تعارض الأصول، ونحن لسنا بصدد ما هو الصحيح منهما، وقد وقع في أن كلام الشيخ الانصاري ماذا يستفاد منه، فهل هو يبني على أنه منجز بنحو المقتضي أو هو منجز بحو العلية التامة، ربما يقال إن كلماته مختلفة فبعضها يفهم منه القول بالعلية وبعضها يفهم منه القول بالاقتضاء، وما ذكره الآن يتلاءم مع فكرة كون العلم الإجمالي منجز بنحو المقتضي.
[3] فرائد الأصول، الأنصاري، ج2، ص242.