الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/06/17

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - التنبيه الرابع ( العلم الإجمالي في التدريجيات ) - الشبهة غير المحصورة - مبحث أصالة الاشتغال ( الشّك في المكلف به )- مبحث الأصول العملية.

وذكر الشيخ الأعظم(قده)[1] إنه يمكن أن يقال:- إنه لا فرق بين بين الدليل الاجتهادي الذي هو مثل عموم ( أوفوا بالعقود ) و ( أحل الله البيع ) و ( تجارة عن تراض ) وبين الأصول العملية كأصالة الحل، فيمكن أن يتمسك بالاثنين ، ثم بعد ذلك قال ما نصه:- ( لكن الظاهر الفرق بين الأصول اللفظية والعملية فتأمل ).

والمناسب ما ذكره في مقام الاستدراك ولا وجه لما ذكره أولاً: - ووجه كون المناسب ما استظهره هو ما اشرنا إليه من أن التمسك بهذه العمومات - مثل ( أوفوا بالعقود ) - لا يجوز لأنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية فهو لا يجوز في حالة العلم الإجمالي بل حتى في حالة الشك البدوي وهذا بخلافه في الأصول العملية مثل ( كل شيء لك حلال حتى تعرف أنه حرام بعينه ) فإنه يمكن التمسك به، إذ الأول لا أعلم أنه حرام بعينه بل ربما الثاني نقول يجوز لأني لا أعرف أنه حرام بعينه، فالفارق بينهما ينبغي أن يكون كما قال فهو ظاهر وجلي.

أما قوله ( فتأمل ) فلعله إشارة إلى أنَّ الأصل العملي كيف نجريه في موارد العلم الإجمالي إذ نعلم بأنَّ واحداً منهما حرام جزماً فكيف نطبق قاعدة ( كل شيء لك حلال حتى تعرف أنه حرام بعينه ) على الاثنين فإنه لا يجوز ذلك، فإنه يصير تناقضاً وتهافتاً بين الحكم بحليتهما معاً وبين الحكم الواقعي بحرمة واحد منهما مع فرض العلم بذلك الحكم الواقعي.

ولكن أجبنا عن ذلك وقلنا: - إنَّ كلمة ( بعينه ) موجودة ويمكن أن يقول الشارع إنه حتى موارد العلم الإجمالي مادمت لا تعرف أنَّ هذا حرام بعينه فالحلية الظاهرية موجودة - فالمدار على ( بعينه ) -، وهكذا الطرف الآخر مادمت لا تعلم أنه حرام بعينه فهو حلال، ولا محذور في اجتماع الحلّية في كلا الطرفين مع الحرمة الواقعية في أحد الطرفين.

التلازم بين الحل والصحة: -

إذا فرض أنَّا أجرينا أصالة الحل في معاملة فهل وثبت بذلك حليتها فهل يثبت بذلك صحتها؟

والجواب:- إنه ينبغي التفصيل، فتارةً نفترض أنَّ فساد المعاملة لم ينشأ من الحرمة وإنما نشأ من منشأ آخر، فهنا إذا ثبتت الحلّية فلا يوجد مجال للحكم بالصحة، لأنَّ المفروض أنَّ منشأ الصحة ليس هو الحرمة وإنما هو شيء آخر، ومثال ذلك باب الربا فإنَّ من ارتكب المعاملة وكانت ربوية وهو جاهل فيحكم بحليتها التكليفية لأنه جاهل ولكن لا يلزم من ذلك الحكم بصحة معاملته وضعاً، فإن البطلان لم ينشأ من الحرمة حتى إذا زالت الحرمة زال الفساد وحُكِم بالصحة، وإنما الفساد نشأ من زيادة أحد العوضين على الآخر لا من الحرمة التكليفية، فلا يلزم حينئذٍ من جهالة المكلف بكون المعاملة ربوية أن تكون صحيحة، نعم غاية ما هناك أنه لا حرمة في حقه، وقد جاءت بعض النصوص الشرعية التي تدل على أنَّ المعاملة مادام قد ارتكبها وهو جاهل فلا شيء عليه ولكن لا شيء عليه من ناحية الحكم التكليفي ولكن هذا لا يلازم الحكم بالصحة، وهذا ينبغي أن يكون شيئاً واضحاً.


[1] فرائد الأصول، الأنصاري، ح2، ص250.