الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/06/13

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - التنبيه الرابع ( العلم الإجمالي في التدريجيات ) - الشبهة غير المحصورة - مبحث أصالة الاشتغال ( الشّك في المكلف به )- مبحث الأصول العملية.

التنبيه الرابع: - العلم الإجمالي في التدريجيات.

تارة تكون أطراف العلم الإجمالي دفعية - عرضية - كما لو كما لو علمت بوجود أوانٍ متعددة وعلمت أنَّ واحداً منها حرام، فهذا يصطلح عليه بالعلم الإجمالي في الدفعيات، وعادة يكون العلم الإجمالي بهذا الشكل، وأخرى تكون الأطراف تدريجية وليست دفعية، كالمرأة التي ترى الدم بشكلٍ مستمر لمدة شهرٍ أو شهرين، فجزماً إما الثلاثة أيام الأولى هي الحيض أو الثلاثة الثانية هي الحيض أو الثلاثة الثالثة هي الحيض ..... وهكذا، فالأطراف ليست في عرضٍ واحد وإنما هي طولية وتدريجية، وبعد أن اتفقت الكلمة على أنَّ العلم الإجمالي منجّز في الدفعيات لقاعد الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني أو لغيرها وقع الكلام في العلم الإجمالي في التدريجيات وأنه هل هو منجّز أو ليس بمنجّز، وسبب الاشكال واضح، فإنه في الدفعيات إذا كان الاناء الأول هو النجس فقد توجه إليَّ الآن خطاب ( اجتنبه )، وإذا كان الاناء الثاني نجس توجه إليَّ الآن خطاب ( اجتنبه )، وإذا كان الطرف الثالث هو النجس فالأمر هكذا، فجزماً خطاب ( اجتنب ) موجّه لي الآن ، فصار حينئذٍ علم بتوجّه التكليف إليَّ جزماً ولكن لا أدري هل أجتنب الاناء الأول أو الثاني أو الثالث، فيجب ترك الكل، وهذا بخلافه في التدريجيات فإنه إذا كانت الثلاثة الأولى هي الحيض فقد توجه إلى المرأة ( اجتنبي دخول المساجد )، أما إذا كانت الثلاثة الثانية هي الحيض فمن الآن لا يوجد خطاب بالاجتناب وإنما الخطاب بالاجتناب يتوجه عند مجيء الثلاثة الثانية، فإذاً لا يوجد علم بتوجه ( اجتنبي دخول المساجد ) لهذه المرأة بنحو الجزم، وإنما قد يكون موجهاً إليها إذا كانت الثلاثة الأولى هي الحيض وقد لا يكون موجهاً إليها إذا كانت الثلاثة الثانية هي الحيض، فالكلام وقع في أنَّ العلم الإجمالي في التدريجيات هل هو منجّز أو ليس بمنجّز.هذا هو منشأ الاشكال، فإذا تغلبنا عليه فسوف يكون العلم الإجمالي في التدريجيات منجّزاً، وإلا لم يكن منجّزاً.وينبغي أن نستثني من العلم الإجمالي في التدريجيات حالة ما إذا كان التكليف فعلياً الآن على جميع التقادير وإنما التأخر في متعلق التكليف، فإن َّالتأخر تارةً يكون في نفس التكليف وهذا هو محل الخلاف، ومثاله المرأة التي ترى الدم لمدة شهر أو أكثر فإنه إما الثلاثة الأولى هي الحيض أو الثلاثة الثانية .... وهكذا فإنَّ الثلاثة الثانية إذا كانت هي الحيض فالتكليف بالاجتناب عن دخول المساجد لا يكون ثابتاً من اليوم الأول لرؤية الدم وإنما يكون ثابتاً بعد مجيء الثلاثة الثانية، وأما إذا فرض أنَّ الأطراف كانت تدريجية ولكن التكليف كان دفعياً وثابتاً على جميع التقادير من الآن، كما لو فرض أنَّ المكلف علم بأنه قد نذر قراءة سورة الواقعة إما في يوم السبت أو في يوم الأحد، فهنا إذا كان النذر متعلقاً بيوم السبت فالتكليف بالوفاء يكون فعلياً، وأما إذا كان النذر متعلقاً بقراءة سورة الواقعية يوم الأحد فإنه مادام النذر موجود من الآن فالخطاب بوجوب الوفاء موجود من الآن وإنما التأخر يكون في متعلق الوجوب لا في أصل الوجوب، فإنَّ المكلف حينما ينذر فسوف يتوجه خطاب ( فِ بنذرك ) إليه، فصحيح أنَّ متعلق النذر يختلف ولكن وجوب الوفاء موجودٌ من حين النذر لكنَّ المتعلق يكون متأخراً ، فإذا قبلنا بهذا - وهو الصحيح - فالوجوب يكون موجوداً من حين النذر، ففي مثل هذه الحالة نقول إنَّ هذا علم اجمالي في الدفعيات، لأنه على كلا التقديرين وجوب الوفاء موجود من الآن، يعني أني أعلم جزماً بأنَّ وجوب الوفاء قد توجه إليَّ الآن ولكن متعلقه هو إما قراءة سورة الواقعة هذا اليوم أو أنَّ متعلقه هو قراءة سورة الواقعة في يوم غدٍ أو بعد غد، وهذا من الواضحات فقهياً، فإذا كان الأمر هكذا ففي هذه الحالة سوف يكون العلم الإجمالي فيه علماً إجمالياً في الدفعيات وليس في التدريجيات.وبعد أن عرفنا أنَّ التكليف متدرّجاً - فالتدريج هو في التكليف وليس في زمان الامتثال - نقول: - إنه في مثال المرأة التي ترى الدم شهراً أو أكثر أنه إذا كانت الثلاثة الأولى من رؤية الدم هي الحيض فخطاب ( اجتنبي دخول المساجد ) موجه إليها الآن، أما إذا كانت الثلاثة الثانية هي الحيض فخطاب (اجتنبي) ليس موجهاً إليها، وحينئذٍ تأتي الشبهة وتقول إنها ليس لها علم اجمالي بالتكليف وحينئذٍ لا يكون منجّزاً وإنما ما هو موجود عندها الآن هو احتمال التكليف، فتتمكن من دخول المسجد من دون أي محذور، وكذلك الحال في الثلاثة الثانية، فإنها لا تعلم بأنه حيض فيجوز لها دخول المسجد أيضاً، وهكذا الحال في الثلاثة الثالثة .... وهكذا حتى الثلاثة الأخيرة ولا محذور في ذلك، نعم في نهاية الشهر يحصل عندها علم بانها ارتكبت الدخول المحرم ولكن هذا تحصيل للعلم بلحاظ ما مضى، وتحصيل العلم بارتكاب الحرام فيما مضى ليس من المحرَّمات، وإنما المحرّم هو ارتكاب الحرام لا تحصيل العلم بارتكابه.فإذاً قد يقال عن هذا العلم الإجمالي ليس علماً بالتكليف الفعلي وادام ليس علماً بالتكليف الفعلي فلا يكون منجزاً.ومن هنا حاول الشيخ العراقي(قده) تحويل العلم الإجمالي في التدريجيات إلى علم إجمالي في الدفعيات.ولكن نقول:- إنَّ العلم الإجمالي في التدريجيات منجّز من دون حاجة إلى تحويله إلى علم اجمالي في الدفعيات، والوجه في ذلك هو أنَّ التنجيز حكم عقلي ثابت مادام ذلك التكليف حاصلاً في وقته المتأخر، فإذا حصل التكليف فالتنجيز لذلك التكليف يكون ثابتاً من الآن ولا يتوقف على مجيء وقت التكليف، فإذا عرفنا هذا فحينئذٍ نقول سوف تتنجّز أطراف العلم الإجمالي بعد العلم بأنَّ التكليف سوف يثبت في وقته، فالتنجّز ثبت من الآن، نعم تواجهنا مشكلة وهي أنه من أين نعلم أنَّ التكليف سوف يثبت في وقته وما يدريك أنَّك باقٍ إلى ذلك الوقت؟ ، أو هذه المرأة من أين تعلم أنها باقية إلى الثلاثة الثانية أو الثالثة أو الرابعة بل لعلها تموت قبل ذلك؟ ولكن نقول:- إنه توجد طريقة هنا لإثبات ذلك، وهي أنَّ الانسان متى ما كان سالماً الآن فهناك أصل عقلائي وهو أنه يبني على الحياة والقدرة وباقي الأمور في الزمن الآتي، لأنه إذا لم نبنِ على هذا فسوف تتوقف الحياة، وهو ما يعبّر عنه بالاستصحاب الاستقبالي، وحتى لو فرض أنَّ الاستصحاب الاستقبالي ليس بحجّة ولكن في خصوص هذا المورد هو حجَّة بالسيرة العقلائية وإلا سوف ينهدم نظام الحياة، فإذا قبلنا بهذا فسوف يثبت التنجّز من الآن مادام الأصل العقلائي يحرز لي أني واجد للشروط من الآن إلى الأزمنة التالية، وكذلك المرأة تحرز أنها باقية على الشروط إلى نهاية الشهر، فإذاً سوف يكون التنجّز ثابتاً من الآن.

ومن خلال ما ذكرنا يتضح التأمل فيما ذكره السيد الروحاني(قده)[1] :- فإنه بنى على أنَّ العلم الإجمالي في التدريجيات منجّزاً حتى في مثال النذر، لأنَّ المكلف لا يعلم أنه يبقى واجداً للشرائط ليوم غدٍ أو ما بعده حتى يكون التكليف ثابتاً في حقة، وكذلك المرأة التي ترى الدم لمدة شهر مثلاً فأيضاً هي لا تعلم أنها تبقى واجدة للشرائط إلى تمام الشهر، فالعلم الإجمالي لا يكون منجّزاً إذ لا علم لها بالتكليف.

وقد أجبنا عن هذا وقلنا: - صحيح أنَّ التكليف يأتي في وقته، ولكن مادام المكلف يعلم بأنَّ التكليف ثابت في وقته والمحرز له هو الأصل العقلائي فيصير التنجّز ثابتاً من الآن، وعلى هذا الأساس لا فرق إذاً بين العلم الإجمالي في الدفعيات والعلم الاجمالي في التدريجيات بعد الالتفات إلى ما أشرنا إليه.


[1] منتقى الأصول، الحكيم، السيد عبد الصاحب، ج5، ص184.