الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/06/09

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - التنبيه الخامس ( الشبهة غير المحصورة ) - مبحث أصالة الاشتغال ( الشّك في المكلف به )- مبحث الأصول العملية.

تنبيهات: -

التنبيه الأول: - هل يجوز للمكلف ارتكاب جميع أطراف الشبهة غير المحصورة؟

والجواب يختلف باختلاف المباني في توجيه جواز ارتكاب بعض أطراف الشبهة غير المحصورة: - فقد ذكرنا فيما سبق مباني ستة، فعلى الأول وهو الاطمئنان إذا أخذنا أي طرف من أطراف الشبهة غير المحصورة فأنا أطمئن أنه ليس ذلك المحرم لأنَّ احتمال كونه هو المحرّك واحد من الألف فيجوز ارتكابه، كذلك الطرف الثاني احتمال كونه محرّم بنسبة الواحد من الألف .... وهكذا الطرف الثالث والرابع وإلى أن نصل إلى الطرف الأخير ولا تتغير النسبة، ولكن قلنا إنَّ مدرك حجية الاطمئنان ليس إلا ارتكاز العقلائي الممضى بعدم الردع، والارتكاز العقلائي قاضٍ بأنَّ واحداً من الأطراف يمكنك أن ترتكبه، فصحيح أنَّ كل طرف احتمال نجاسته واحد من الألف ولكن العقلاء في مثل هذا المورد لا ينبون على حجية جميع هذه الاطمئنانات وإنما يبنون على حجية اطمئنان واحدٍ - أو اثنين - بنحو البدل لا أكثر من ذلك فيقتصر على القدر المتيقن لو شككنا أن العقلاء يبنون على حجية أكثر من اطمئنان واحد أو اثنين فمجرد الشك يكفينا لعدم حجية مما سوى ذلك، وأما إذا كان المدرك هو جريان الأصول في جميع الأطراف لعدم إمكان المخالفة القطعية فطرح هذا التساؤل لا موقع لأنه على هذا المبنى قد فرض أنَّ الأصول تجري في جميع الأطراف لعدم إمكان ارتكابها جميعاً فجريانها في جميعها لا يلزم منه مخالفة قطعية عملية، فإذا لم يمكن ارتكاب جميع الطراف فطرح هذا التساؤل على هذا البنى لا معنى له من الأساس، وأما إذا بنينا على فكرة العسر والحرج وأنَّ عدم ارتكاب الشبهة غير المحصورة يلزم العسر والحرج فبناءً على هذا يجوز ارتكاب الأطراف بمقدار يرتفع به العسر والحرج دون ما زاد عن ذلك، فإنَّ هذا الطرف الذي ارتكبته وإن كان يحتمل أنه حرام ولكن الشريعة جوزت من باب أنه عسر حرج ( وما جعل عليكم في الدين من حرج )، وأما بناءً على كون المدرك هو سيرة المترعة فإنها انعقدت على أنهم إذا ذهبوا إلى بلاد فحتماً أنَّ بعض مطاعم تلك البلاد فيها محرّم أو نجاسة جزماً ولكن مع ذلك لا يبالي المتشرعة - بناءً على كون هذا المدرك تام - فإذا كان هذا هو المدرك فسيرة المتشرعة منعقدة على أنهم يذهبون إلى مطعم واحد أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة لا كل المطاعم فنقتصر على المقدار المتيقن من سيرة المتشرعة وهو ارتكاب قسم من الأطراف لا جميعها، وأما إذا كان المدرك هو الروايات مثل الرواية الأولى وهي صحيحة عبد الله بن سنان ( كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه )، وهذه الرواية هي أحد مدارك الحل والبراءة، فإذا كان هذا هو المدرك - ولكن نحن فيما سبق لم نقبل به وإنما خصصناه بالشبهة البدوية - وقلنا بتمامه فيجوز ارتكاب الطرف الأول وكذلك الطرف الثاني إلى أن تصل إلى الطرف الألف فيجوز ارتكابه أيضاً، لأنَّ كل واحدٍ منها بعينه لا أعلم بأنه حرام، فيجوز ارتكاب الكل ولا محذور في ذلك.

وهناك إشكال تعرضنا إليه سابقاً مع جوابه ولا بأس أن نذكره هنا: - وهو أنه إذا كان المدرك هو الاطمئنان فيجوز ارتكاب طرف واحد أو اثنين فقط لأنَّ العقلاء في مثل هذا الاطمئنان على حجية بعضها لا حجية جميع الاطمئنانات، ولكن قد يشكل مشكل ويقول إذا ارتكبنا الطرف الأول لأجل الاطمئنان فإذاً يجوز ارتكاب بقية الأطراف إذ من المحتمل أنَّ الحرام الواقعي كان في الطرف الأول الذي ارتكبته، فيزول العلم الإجمالي بلحاظ بقية الأطراف، أي لا يوجد علم اجمالي بلحاظ بقية الأطراف، ومادام لا يوجد علم اجمالي بلحاظ بقية الأطراف فيجوز ارتكاب الجميع من باب عدم وجود المقتضي لتنجّز ترك الباقي، لأنَّ المقتضي هو العلم الإجمالي والعلم الإجمالي قد زال لاحتمال أنَّ الحرام الواقعي موجود في الطرف الأول، فلا علم اجمالي في البقية.

والجواب قد أشرنا إليه فيما سبق حيث قلنا: - صحيح أنَّ العلم الإجمالي يزول بلحاظ الباقي ولكن الاطمئنان لم يزل، فأنا أطمئن أنَّ الباقي يشتمل على الحرام والاطمئنان حجة كالعلم، وعلى هاذ السا افترض أن العلم الإجمالي قد زال ولكن الاطمئنان الإجمالي موجود فيكفينا ذلك في وجوب تجنب الباقي.

التنبيه الثاني: - ما حكم الشبهة غير المحصورة في باب الواجبات فهل هي كالشبهة غير المحصورة في باب المحرمات؟

ومثال ذلك ما إذا فرض أنَّ شخصاً نذر نذراً ولم يسجّله ثم نسيه بعد عدّة سنوات وأنه هل نذر أن يذبح ذبيحة أو أنه يتصدّق أو غير ذلك من الاحتمالات المتعددة ونفترض أنها غير محصورة، فهل هذا العلم الإجمالي في باب الوجوب بنحو الشبهة غير المحصورة منجّز أو ليس بمنجّز؟

وقبل أن نذكر الجواب نقول من باب الفائدة:- إنه إذا كانت الشبهة محصورة كما لو شككت أني هل نذرت أنَّ أذبح ذبيحة أو شيء آخر فيدور الأمر بين احتمالين أو ثلاثة أو أربعة فهنا يلزم الاتيان بالجميع من باب أنَّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، وإذا قال المكلف إني لا استطيع ذلك فهنا تصير في حكم الشبهة غير المحصورة، ولكن نحن نفترض أنه يتمكن من الاتيان بجميع فحينئذٍ لابد من الاتيان بجميعها، اللهم إلا إذا قلنا نحن نأخذ بالقرع فإنَّ دليل القرعة يشمل هذا المورد، فنختار طرفاً بالقرعة وإن كان مقتضى العلم الإجمالي إتيان بجميع الأطراف ولكن دليل القرعة يشمل مثل هذا المورد، وفي مثل هذه الحالة يقول الفقيه ( يكفيه القرعة وإن كان الأحوط الاحتياط بفعل الجميع )، وأما إذا كانت الشبهة غير محصورة فهنا الاحتياك غير ممكن لكثرة الأطراف، فإن قلنا بالقرعة انحل الاشكال بواسطتها، أما إذا لم نبنِ على شمول دليل القرعة لمثل هذا المورد فحينئذٍ يجوز ترك الاحتياط بلحاظ بعض الأطراف بمقدار يرفع فيه العسر والحرج لقاعدة ( ما جعل عليكم في الدين من حرج )، ولكن هل يجب الاحتياط آنذاك في الباقي؟ إنَّ هذا محل خلاف بين الشيخ الخراساني والشيخ الأعظم، وقد تعرضنا إليه في مسألة الاضطرار إلى غير المعين فيما إذا كان عندنا علم اجمالي واضطر إلى غير المعين فيجوز ارتكاب أحد الأطراف أما باقي الأطراف فهل يجوز ارتكابه أو يجب تركه بمقتضى العلم الإجمالي؟ قال الشيخ الخراساني(قده) إنَّ الباقي لا يجب فيه الاحتياط، لاحتمال أنَّ الحرام موجود فيما ارتكبه المكلف، وأما الشيخ الأعظم(قده) فكان يبني على لزوم الاحتياط في بقية الأطراف، والمناسب في المقام أن يقال هو ذلك، لأنَّ الاحتياط لازم في الجميع ولكن نحن نرفع اليد عنه بمقدار دفع العسر والحرج جمعاً بين الحقين، فمقدار من الأطراف لا يجب فيه الاحتياط لدفع العسر والحرج وأما المقدار الثاني فيجب فيه الاحتياط بمقتضى العلم الإجمالي.