الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/06/07

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - التنبيه الخامس ( الشبهة غير المحصورة ) - مبحث أصالة الاشتغال ( الشّك في المكلف به )- مبحث الأصول العملية.

ورواية مسعدة بن صدقة من الروايات المهمة، لأنها تؤسس قاعدة الحل، فإنَّ من مستندات هذه القاعدة هو هذه الرواية، وقد ناقشنا هذه الرواية.

ولكن نريد أن نقوله: - إنَّ سند هذه الرواية فيه تأمل إذ هو كالتالي: - ( علي بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة) ، وعلي بن إبراهيم صاحب تفسير القمي الثقة الجليل، وهارون بن مسلم ثقة أيضاً، وأما مسعدة بن صدقة فلم يذكر بتوثيق، إلا بناءً على التوثيقات العامة أو كبرى وثاقة كل من ورد في أسانيد تفسير القمي أو كامل الزيارات أو غير ذلك، وإلا فعلى القواعد الأمر فيه مشكل.

الرواية الرابعة: - ما ورد في الجُبْن - الجُبُن - حيث وردت فيه روايات متعددة، فإنَّ الجُبن تستعمل فيه الأنفحة، وهي أحياناً تؤخذ من الميتة وتوضع في الحليب، وهذا سوف ينجسه ولا يجوز تناوله آنذاك، فكثرت الأسئلة حول هذه القضية، وهي أنه هل نستطيع أن نأكل هذا الجبن والحال أنه يحتمل أنه قد وضعت فيه أنفحة الميتة؟، والامام عليه السلام قال مادمت لا تعلم فيجوز الأكل منه من دون إشكال، وقد ذكر صاحب الوسائل ثمان روايات نذكر ثلاثاً منها: -

الأولى:- وهي :- ( سأخبرك عن الجبن وغيره كل ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه )[1] .

الثانية:- ونصها:- ( كل شيء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أنَّ فيه ميتة )[2] .

يمكن الجواب عن هاتين الروايتين: - بأننا نحملهما على الشبهة البدوية، فالإمام عليه السلام يقول مادام لم تعلم فهو لك حلال.

إن قلت: - هي بإطلاقها تشمل الشبهة غير المحصورة، فيثبت بذلك الجواز.

قلت: - إنه يأتي الجوابان السابقان الواردان على الرواية الأولى حيث أجبنا: -

أولاً: - بأننا إذا أردنا أن نطبق قاعدة الحل فلابد من تطبيقها في جميع الأطراف والحال أنا نعلم بحرمة واحد منها، فيحصل تناقض بين التحليل للجميع وبين حرمة واحد من الأطراف، وهذا التناقض يصير سبباً لانصراف الرواية عرفاً إلى مورد الشبهة البدوية.

ثانياً: - إنه إذا أردنا أن نعمل بالإطلاق فلابد أن نعمل به حتى في الشبهة المحصورة، أما أنك تأخذ بالإطلاق في المساحة المتوسطة - يعني البدوية وغير المحصورة - فقد قلنا إنَّ هذا يحتاج إلى مثبت، والسيرة العقلائية التي هي المدرك في حجية الاطلاق نشكك في جريانها بهذه الصورة، فإذاً لابد من الاقتصار على القدر المتيقن وهو الشبهة البدوية.

الثالثة: - ونصّها: - ( أخبرني من رأى أنه يجعل فيه الميتة، فقال عليه السلام: - أمن اجل مكانٍ واحد يجعل فيه الميتة حرم في جميع الأرض؟!، إذا علمت أنه ميتة فلا تأكله وغن لم تعلم فاشتر وبع وكل ..... )[3] .

والجواب: - إنَّ نفس ما ذكرناه بالنسبة إلى الروايتين السابقتين يأتي هنا أيضاً.

ولكن رب قائل يقول: - إنه يوجد علم اجمالي حيث ورد في الرواية ( أخبرني من رأى ) وهذا معناه أنَّ الرؤية موجودة، فيوجد علم اجمالي، فعلى هذا الأساس تكون شاملة للشبهة غير المحصورة التي فيها علم اجمالي وقد دلت على جواز الارتكاب.

والجواب: - إنَّ المفروض في هذه الرواية هو أنَّ شخصاً أخبرني، والإخبار لا يلازم العلم، هذا مضافاً إلى أنَّ الامام عليه السلام يقول:- ( أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة ... )، يعني افترض أنك في كربلاء عرفت أنه يجعل أنفحة الميتة أما أنه يحرم في النجف فلا معنى له، لأنَّ دائرة العلم الإجمالي تصير هي كربلاء، أما النجف فهي خارجة عن دائرة العلم الإجمالي، فعلى هذا الأساس لا موجب لحرمة الأكل بلحاظ النجف، وبناءً على هذا التفسير سوف لا تدل الرواية على جواز ارتكاب بعض أطراف الشبهة غير المحصورة، لأنَّ النجف ليست من أطراف العلم الإجمالي، فإنَّ طرف العلم الإجمالي هو دائرة كربلاء، أما ما زاد على كربلاء فلا يوجد عندنا علم اجمالي فيه، فعلى هذا الأساس النجف لا يوجد فيها علم اجمالي حتى يجوز الترك، فيجوز لك الأكل مادمت لا تعلم بأنه قد جعل فيه الميتة.

فإذاً هذه الرواية لا تنفعنا في اثبات جواز ارتكاب بعض أطراف الشبهة غير المحصورة.

الرواية الخامسة: - ما ورد في باب الربا، وحاصله: - إنه لو فرض أنَّ شخصاً ورث من أبيه مالاً فيه الربا فالحكم هو أنه يجوز له الارتكاب فيما زاد على مقدار الربا، فمقدار الربا إن عرفه عزله ثم يجوز له ارتكاب الزائد، وهذا معناه أنه يجوز ارتكاب أطراف الشبهة غير المحصورة، وقد رودت في ذلك روايات متعددة، منها:- ( لو أنَّ رجلاً ورث من أبيه مالاً وقد عرف أن في ذلك المال رباً ولكن قد اختلط في التجارة بغيره حلال[4] كان حلالاً طيباً فليأكله وإن عرف منه شيئاً أنه رباً فليأخذ رأس ماله وليرد الربا )[5] ، والشبهة هنا غير محصورة باعتبار أنَّ المقدار الربوي هو في ضمن المال والامام عليه السلام حكم بأنه يعزل ويدفع إلى أصحابه والباقي يتصرف فيه، والحال أنَّ الشبهة غير محصورة.

والجواب:- إن مورد هذه الرواية خاص وهو الربا، ونحن نحتمل أنَّ له خصوصية، خصوصاً وأنه توجد بعض الروايات تقول إذا كان الشخص يرابي عن جهالة بالحرمة ثم صار عالماً بالحرمة فهنا يكون المال كلّه حلالاً، وقد دلت على ذلك الآية الكريمة:- ( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف )، فهذه خصوصية للربا، كما أنَّ هذه الرواية فيها ذيل يدل على ذلك، حيث جاء فيها ( وأيما رجل أفاد مالاً كثيراً قد أكثر فيه من الربا ثم عرفه بعد فأراد أن ينزعه فما مضى فله ويدعه فيما يستأنف )[6] ، وكما قلنا إنَّ الامام عليه السلام في بعض الروايات يستشهد بالآية الكريمة:- ( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ).

فإذاً هذه الرواية لا يمكن التمسك بها لإثبات جواز ارتكاب الشبهة غير المحصورة لاحتمال الخصوصية لباب الربا.

[1] وسائل الشيعة، الشیخ الحر العاملي، ج25، ص118، أبواب الأطعمة المباحة، ب61، ح1، ط آل البيت.
[2] وسائل الشيعة، الشیخ الحر العاملي، ج25، ص118، أبواب الأطعمة المباحة، ب61، ح2، ط آل البيت.
[3] وسائل الشيعة، الشیخ الحر العاملي، ج25، ص119، أبواب الأطعمة المباحة، ب61، ح5، ط آل البيت.
[4] هذا ما هو موجود في متن الكافي، ولكن الموجود في هامش الكافي المكتوب ( وفي نسخة [ حلالاً ] ).
[5] وسائل الشيعة، الشیخ الحر العاملي، ج18، ص128، أبواب الربا، ب5، ح2، ط آل البيت.
[6] وسائل الشيعة، الشیخ الحر العاملي، ج18، ص130، أبواب الربا، ب5، ح2، ط آل البيت.