الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/05/12

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - التنبيه الرابع ( خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء ) - مبحث أصالة الاشتغال (الشّك في المكلف به)- مبحث الأصول العملية.

الملاحظة الثانية:- ذكر الشيخ النائيني(قده)[1] أنه يلحق بخروج أحد الطرفين عن محل الابتلاء موردان:-

المورد الأول: - ما إذا فرض أني كنت أعلم إما بنجاسة هذا الماء الموجود في إناءٍ هو ملكي أو الماء الموجود في إناء شخص آخر لا يرضى بالتصرف فيه من أي شخص كان، فهذا يلحق بما إذا كان بعض الأطراف خارج محل الاتلاء، والنتيجة هي أنَّ إناء ذلك الشخص لا يجري فيه أصل الطهارة، لفرض أنه ملحق بالخروج عن محل الابلاء، فيبقى أصل الطهارة جارياً في إنائي، وبالتالي يسقط العلم الإجمالي عن التنجيز، لكون أحد طرفيه ملحقاً بالخروج عن محل الابتلاء، فحكم هذا الطرف حكم ما إذا كان الطرف الثاني خارج محل الابتلاء.

المورد الثاني: - ما إذا فرض أنَّ الطرف الثاني يبعد الابتلاء به، كما إذا علمت بنجاسة أحد ترابين إما التراب الموجود عندي وأنا أسجد عليه أو أتيمم به أو تراب قارعة الطريق، فالتراب الذي قارعة الطريق المفروض أنه يبعد الابتلاء به، فيصير ملحقاً بالخروج عن محل الابتلاء، فأصل الطهارة لا يجري فيه، ويجري أصل الطهارة في التراب الموجود عندي.

ويرده: -

أما بالنسبة إلى المورد الأول فنقول: - صحيح هو لا يرضى بالتصرف في إنائه ولكن بالتالي هناك حكمان، حكم حرمة التصرف وحكم حرمة تناوله، فحينئذٍ لو فرض أنَّ المكلف صار بناؤه على عصيان الحكم الأول فهو لا يبالي بمسألة رضا الطرف، فحينئذٍ يكون التصرف فيه محلاً لابتلائه، فمجرد عدم رضا صاحب الاناء بالتصرف لا يكفي لخروجه عن محل الابتلاء بعدما كان المكلف عازماً على عدم المبالاة من ناحية عدم رضا صاحب الاناء ولكنه أيضاً لا يرتكب النجس كما عند بعض الناس - فإنه مستعد أن يأكل مال الغير وإن لم كن صاحبه راضياً ولكنه غير مستعد أن يرتكب النجس -.

فإذاً يمكن أن يتصور الخطاب بـ( لا يجوز لك التصرف في تناوله ) فيما إذا فرض أن المكلف بنى على عدم المبالاة في التصرف بالمال الحرام ولكنه غير مستعد لتناول النجس، فحينئذٍ يكون كلا الحكمين محل ابتلائه ويكون العلم الإجمالي منجّزاً، فنقول له لا يجوز لك تناوله، لأنَّ صل الطهارة فيه معارض بأصل الطهارة في الطرف الآخر، بعد فرض أنَّ بناءه على أنَّ المال الحرام لا مانع من التصرف فيه.

كيف ولو فرض أنَّ الشخص ليس مخاطباً بالاجتناب عن النجس، فإذاً صار تناول النجس جائزاً إذ لا أمر بالاجتناب عنه حسب الفرض، وهذا لازم يبعد الالتزام به؟!! وهذا دليل على أنَّ الخطاب باجتناب النجس موجود، وإلا كيف لا نجوّز له الارتكاب، فهذا معناه أنَّ الخطاب بالاجتناب موجود، بل لو ارتكب فهنا توجد هناك عقوبتان.

ثانياً: - لو فرضنا أنه لا يوجد علم اجمالي بالتكليف، ولكن يوجد علم بالمبغوضية، ويكفي في التنجيز العلم بالمبغوضية، فهو حلَّ المشكلة وكان ناظراً إلى إنَّ مالك الطرف الثاني لا يرضى بالتصرف فقط، ففي مثل هذه الحالة أحد طرفي العلم الإجمالي يكون ملحقاً بالخارج عن محل ابتلاء، ولكن نقول:- إنَّ هذا يكون إذا نظرنا إلى جنبة العلم بالتكليف وأنَّ التنجيز يأتي من العلم بالتكليف، ولكن هناك منجّز ثانٍ وهو العلم بالمبغوضية، وأنا عندي علم بمبغوضية ارتكاب هذا الطرف أو ذاك وإن كان الخطاب ليس موجوداً لأنه ملحق بالخروج عن محل ابتلاء.

ثالثاً: - إنَّ هذا الالحاق ليس مناسباً، بل إما أن تجعله من أفراد الخارج عن محل الابتلاء أو تجعله من أفراد محل الابتلاء، والوجه في ذلك: - هو أنه هل يستهجن الخطاب بترك ذلك الاناء الثاني الذي لا يرضى صاحبه بالتصرف – أي هل يستهجن الخطاب بالاجتناب عن النجس - أو لا؟ فإنَّ قيل بالاستهجان فهو عين الخارج عن محل الابتلاء، والنكتة واحدة، لأنَّ نكتة الاستهجان موجودة، وإذا فرض أنه لا استهجان فلا حاجة إلى الالحاق، فحالة البرزخية ليست موجودة حتى نحتاج إلى الالحاق.

وأما بالنسبة إلى المورد الثاني فنحن نقول: - إنه ما أن يستهجن الخطاب بالاجتناب عنه - على تقدير النجاسة - أو لا يستهجن، فإن كان يستهجن فلا حاجة إلى الالحاق، بل هو من موارد الخارج عن محل الابتلاء، وإن كان لا يستهجن فلا وجه لإخراجه، بل يكون العلم الإجمالي منجّزاً.


[1] فوائد الأصول، النائيني، ج4، ص65.