الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/05/02

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - التنبيه الثالث ( الاضطرار إلى ارتكاب بعض الأطراف ) - مبحث أصالة الاشتغال ( الشّك في المكلف به )- مبحث الأصول العملية.

ويرده: -

أما بالنسبة إلى قاعدة الاشتغال:- فنسلّم أنَّ موردها لا يختص بحالة الشك في الامتثال كما ذكرنا، ولكن يلزم في تطبيقها أن يكون لدينا تكليف واحد شخصي ونشك في سقوطه وعدم سقوطه سواء بالامتثال أو بغير الامتثال ولكن المهم أن يكون تكليف شخصي معين لا مردد فهنا تجري قاعدة الاشتغال، فيوجد تكليف معيّن وأشك في سقوطه فالعقل يحكم بأنه لابد من امتثاله، لا للاستصحاب بل بقطع النظر عن الاستصحاب وإنما حصل اشتغال يقيني فلابد من الفراغ اليقيني كما ذكر، ولكن في مقامنا لا يوجد تكليف شخصي معين أشك في سقوطه، وإنما يوجد عندي تكليف بالاجتناب إن كان في الاناء الأول فقد سقط وإن كان في الاناء الثاني فهو باقٍ، فالتكليف مردّد لا يدرى هل هو تكليف بالاجتناب عن الاناء الأول حتى يكون ساقطاً أو هو تكليف بالاجتناب عن الاناء الثاني حتى لا يكون ساقطاً، فالتكليف مردد، وسبب الشك في السقوط هو التردد وليس الامتثال، فإذاً هنا ليس مورد قاعدة الاشتغال بعد عدم تعيّن التكليف وتردده بين فردين.

وأما بالنسبة إلى استصحاب بقاء الاجتناب فيرده أمران: -

الأول:- إنَّ استصحاب كلّي وجوب الاجتناب المردد بين فردين أحدهما غير منجّز وهو وجوب الاجتناب عن الأول، فإنه غير منجّز لأني مضطر إليه، وبين وجوب اجتنابٍ منجّز وهو بلحاظ الفرد الثاني، لأنه إذا كان وجوب الاجتناب في الفرد الثاني فهو منجّز حينئذٍ، لأنَّه غير مضطر إليه، فاستصحاب بقاء كلّي وجوب الاجتناب المردد بين فردين على تقدير أحدهما لا يكون منجّزاً وعلى التقدير الثاني بلحاظ الفرد الثاني يكون منجّزاً فاستصحاب الكلي هنا لا يفيد التنجّز مادام أحد فرديه ليس بمنجّز، إنما يكون استصحاب الكلّي منجّزاً فيما إذا كان وجوده في الفرد الأول منجّز ووجوده في الفرد الثاني منجّز أيضاً، أما إذا كان وجوده في الفرد الأول ليس بمنجّز ووجوده في الفرد الثاني منجّز فاستصحاب الكلي هذا يكون جامعاً بين ما يقبل التنجيز وما لا يقبل التنجيز، فلا يكون مفيداً للتنجيز، وهو مطلب واضح.

الثاني: - إنه بقطع النظر عمّا ذكرنا نقول للشيخ النائيني(قده): - ماذا تنتفع من استصحاب بقاء وجوب الاجتناب الكلي، وماذا تريد أن تثبت، فهل تريد أن تثبت وجوب الاجتناب عن الاناء الأول أو عن الاناء الثاني؟ وكلاهما لا يمكن، أما تنجّز وجوب الاجتناب عن الأول فالمفروض أنه قد سقط عنه التنجيز جزماً للاضطرار، وأما إذا أردت أن تثبت بذلك تنجّز وجوب الاجتناب عن الثاني فهو شيء له وجاهة، لأنَّ الثاني لم نجزم بسقوط تنجّزه، إذ لا اضطرار بلحاظه، ولكنه أصلٌ مثبت، إذ تريد استصحاب كلّي وجوب الاجتناب لإثبات تنجّز الفرد دون الكلّي، وهو عين الأصل المثبت.

وإذا قال: - إني لا أريد اثبات التنجّز للفرد الأول حتى تقول إنَّ تنجّزه ساقط جزماً، ولا اثبات وجوب التنجّز للثاني حتى تقول إنه أصل مثبت، بل أريد أن أثبت التنجّز للكلي بما هو كلّي دون الفردين.

قلت: - إنه قبل قليل قلنا إنَّ الكلي بين ما يقبل التنجّز وما لا يقبل التنجّز لا يكون منجّزاً.

هذا كله بالنسبة إلى ما أفاده الشيخ النائيني(قده)، وبذلك نختم حديثنا عن الاضطرار إلى المعيَّن.
الاضطرار إلى غير المعيَّن: -والمقصود أنه يوجد عندي إناءان كلاهما ماء بارد وأعلم بأن أحدهما نجس، ثم اضطررت إلى تناول أحدهما، فحينئذٍ يجوز لي شرب أحدهما بلا إشكال، وإنما الكلام في الاناء الثاني، فهل يجوز تناوله أو لا؟
وقع فيه نفس الخلاف السابق بين العلمين في حالة الاضطرار إلى المعيَّن: -

قال الشيخ الخراساني(قده)[1]
:- يجوز تناول الاناء الثاني، لأنَّ المكلف حينما تناول أحد الاناءين يحتمل أن يكون هذا الاناء هو النجس، وبالتالي يكون الشك في الاناء الثاني بدوياً من دون علمٍ اجمالي، فلا يوجد علم اجمالي، لأنَّ الاناء الأول سالبة بانتفاء الموضوع، فهو بحكم العدم، فيبقى الاناء الثاني لا يوجد عندي علم اجمالي بنجاسته، لاحتمال أنه حينما تناولت الاناء الأول لأجل الاضطرار كان هو المحرّم فارتفعت الحرمة، فبالتالي أنا لا أعلم الآن بوجود حرمة في البين وإنما يوجد شك بدوي، فإني احتمل أنَّ الحرمة بَعدُ موجودة لأنَّ النجس هو الاناء الثاني، ولكن هذا مجرد احتمال، وهو شكٌّ بدوي، فلا يوجد علم اجمالي، فيجوز تناول الطرف الآخر أيضاً.

وقال الشيخ الأعظم(قده)[2]
ووافقه عليه الشيخ النائيني(قده)[3]
[4]
مع ذكر إضافةٍ واصلاح: - إنَّ ما هو النجس والمحرم في علم الله أنا لست مضطراً إلى ارتكابه، إذ يمكن التعويض عنه بالآخر، فحرمته حينئذٍ تكون مستمرة، وهذا معناه أنَّ العلم الإجمالي بَعدُ باقٍ على حاله، لأني لم اضطر إلى ارتكاب النجس، فالحرمة الثابتة بنحو العلم الإجمالي لا موجب لسقوطها وارتفاعها، غايته أني حينما تناولت الاناء الأول لأجل الاضطرار فحينئذٍ أكون معذوراً لو كان هو الحرام واقعاً، وبالتالي يبقى الاناء الثاني يجب تركه للعلم بالحرمة غير الساقطة، فإنه بتناول الاناء الأول حتى لو كان هو النجس لا تسقط الحرمة لأني لست بمضطرٍ إلى ارتكاب النجس، وإنما تبقى الحرمة ولا تسقط، وإنما أقصى ما هناك أكون معذوراً، ومادامت الحرمة المعلومة بالاجمال باقية على حالها فيجب ترك الاناء الثاني لأجل العلم الإجمالي.


[1] كفاية الأصول، الخراساني، ص360.
[2] فرائد الأصول، الأنصاري، ج2، ص245.
[3] فوائد الأصول، النائيني، ج4، ص98.
[4] أجود التقريرات، الخوئي، ج3، ص1.