الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/04/26

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - التنبيه الثالث ( الاضطرار إلى ارتكاب بعض الأطراف ) - مبحث أصالة الاشتغال ( الشّك في المكلف به )- مبحث الأصول العملية.

هذا والصحيح وجوب الاجتناب عنهما:- يعني أنَّ المنجزية بلحاظ الطرف الثاني غير المضطر إليه باقية كما ذهب إليه الشيخ الأعظم(قده)، ولكن لا للتعليل الذي ذكره، وإنما الأنسب أن يقال:- إنَّ المورد هو من دوران العلم الإجمالي بين الفرد القصير والطويل وهو منجّز كما سيأتي، فلو فرض أني أعلم نذرت ولكن لا أدري هل نذرت أن أبقى ساعة في حرم أمير المؤمنين عليه السلام أو أني نذرت البقاء ساعتين في حرم أبي الفضل العباس عليه السلام، ففي مثل هذه الحالة الأمر يدور بين الفرد القصير والطويل فيجب عليّ البقاء في حرم أمير المؤمنين عليه السلام ساعة وأبقى في حرم أبي الفضل عليه السلام ساعتين، وموردنا من هذا القبيل، فإنه إذا فرض أنَّ النجاسة كانت موجودة في الاناء البارد فالحرمة آنذاك تكون حرمة قصيرة لأجل أني مضطر إلى شربه، أما إذا كانت النجاسة موجودة في الاناء الآخر فالحرمة طويلة، وهذا العلم الإجمالي موجود، وهو ليس موجوداً بعد الاضطرار وإنما هو موجود قبل الاضطرار، فأنا قبل الاضطرار وعلمت بأنَّ واحداً منهما نجس أتمكن أن أقول إما هذا الاناء البارد حرام عليّ شربه إلى فترة طرو الاضطرار أو ذاك الطرف حرام عليّ إلى الأبد، فإنَّ هذا العلم الإجمالي موجود قبل اضطراري إلى شرب البارد منهما، فمن الأول هذا العلم الإجمالي بين الفرد الطويل والقصير موجوداً ومادام موجوداً فيكون منجزاً للطرف الطويل بمقدار طوله وللقصير بمقدار قصره - إي إلى حالة الاضطرار -.

إذاً نحن وافقنا الشيخ الأعظم(قده) ولكن لا لما ذكره، وإنما لقضية العلم الإجمالي بين الفرد الطويل والقصير الثابت قبل الاضطرار، ومعه إذا تحقق الاضطرار وحصل تناول أحد الأفراد فحينئذٍ يبقى العلم الإجمالي على حاله، لأنه موجود من البداية فينجّز الطرف غير المضطر إليه، فالحق مع الشيخ الأعظم(قده).

بيد أنَّ الحاج ميرزا علي الايرواني(قده)[1]
أصر على أنَّ العلم الإجمالي غير منجّز كما بنى عليه أستاذه الشيخ الآخوند في رأيه الأول الذي ذكره في الكفاية ولكنه عدل عنه فيما بعد، وحاصل ما ذكره:- إنه بالاضطرار إلى المعين العلم الإجمالي يسقط عن المنجّزية، لأنَّ العلم الإجمالي سوف يزول.

بل حتى لو فرض أنه أريق أحد الانائين في البالوعة فقد زال العلم الإجمالي، وكذلك لو عصى المكلف وشرب أحد الطرفين فالثاني يكون مباحاً لأنه بقي وحده، لأنه حينما بقي وحده فبالتالي سقط العلم الإجمالي لأنَّ أحد أطرافه صار سالبة بانتفاء الموضوع وبقي الطرف الثاني وحده، فلا يوجد علم اجمالي.

وفي مقام التعليق نقول:- إنه يرى أنَّ العلم الإجمالي يحدث ويكون ثابتاً مادام الطرفان موجودين، ونحن نقول:- إنه قبل أن يضطر المكلف إلى أحدهما كان هناك علم اجمالي بنجاسة أحدهما، وكان هناك علم اجمالي بين الفرد القصير والطويل - لأنَّ المفروض أن الاضرار غير موجود ولكن أتمكن أن أقول لو اضطررت إلى هذا الاناء البارد فأنا أعلم بأن ذاك الاناء الحار له حرمة مستمرة أو أنَّ هذا الاناء البارد له حرمة إلى حين الاضطرار - فهذا العلم الإجمالي ثابت قبل طروّ الاضطرار، فيكون نافذ المفعول إلى ما بعد الاضطرار، لا أننا نحتاج إلى تكوين علم اجمالي بعد الاضطرار حتى تقول إنه لا يمكن تشكيله لأني قد اضطررت إلى أحد الطرفين وشربته، وإنما العلم الإجمالي السابق قبل الاضطرار هو موجود، فيبقى فعّالاً ومستمراً.

وهكذا بالنسبة إلى اراقته في البالوعة أو الشرب فإنه يبقى العلم الإجمالي منجّزاً حتى بعد الاراقة أو الشرب بسبب ذاك العلم الإجمالي السابق على الاراقة أو الشرب، وذلك نظير العلم الإجمالي بأني نذرت أن أقرأ دعاء الصباح لمدة شهر أو زيارة الجامعة لمدة يومين ولكن الآن لا أشخّص أيهما هو الذي نذرته، فواجبي هو أنَّ هذا العلم الإجمالي يكون منجزاً في حقي، فاقرأ دعاء الصباح وأزور زيارة الجامعة، فإذا مضى اليومان يلزم الاستمرار في الدعاء، وذلك بسبب علمي الإجمالي الثابت قبل الشروع في القراءة، وهذا العلم الإجمالي لا يفارقني، لأنه لا يتولد بعد القراءة، بل هو ثابت قبل الشروع في القراءة، وفي مقامنا أيضاً نقول ذلك، فإنه قبل أن اضطر إلى تناول أحد الاناءين علمي الإجمالي بين الفرد القصير والطويل موجود، فيبقى على المنجّزية بشكلٍ مستمر، وهذا مطلب ينبغي أن يكون وضاحاً.

[1] نهاية النهاية في شرح الكفاية، الميرزا علي الايرواني، ج2، ص126.