الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/04/18

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - مبحث أصالة الاشتغال ( الشك في المكلف به )- مبحث الأصول العملية.

وبعد اتضاح هذا نذكر مثالاً نافعاً وحاصله: - ما لو فرض أن امرأة أصابها مرض في عضو من أعضاء بدنها ولا توجد طبيبة وإنما يوجد طبيب رجل فهل يجوز لها أن تذهب إلى الطبيب وتكشف له عن الموضع؟ نعم يجوز، والمدرك هو صحيحة ابي حمزة الثمالي حيث يسأل أبي حمزة الامام عليه السلام عن هذه القضية فيقول ( إذا كان الرجل أرفق جاز ذلك )، ولذلك يسألون الآن إذا كان توجد طبيبة ويوجد طبيب فهل تستطيع المرأة المريضة أن تذهب إلى الطبيب الرجل وتترك الطبيبة ؟ أما في فحص الأسنان مثلاً فلا مشكلة فيه، لأنَّ قرص الوجه يجوز كشفه للمرأة، كما أنَّ اللمس لا يتحقق لأنَّ الطبيب سوف يلبس القفّاز، فلا مشكلة، ولكن إذا فرض أن المرض كان في يدها أو رجلها فهنا سوف تكشف عن البدن، وصحيحة الثمالي تقول إذا كان الرجل أرفق - أي أحسن وأشد براعة - فلتذهب إليه وتعالج عنده، كما في قضايا الكسور فإنَّ الرجل أشد براعة في هذا المجال فلا بأس بذهابها إليه، والمدرك صحيحة الثمالي، وهي:- محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن علي بن الحكم عن ابي حمزة الثمالي عن ابي جعفر عليه السلام قال:- ( سألته عن المرأة المسلمة يصيبها البلاء في جسدها إما كسر وإما جرح في مكان لا يصلح النظر إليه يكون الرجل أرفق بعلاجه من النساء أيصلح له النظر إليها ؟ قال:- إذا اضطرت إليه فليعالجها إن شاءت )[1] ، ودلالتها واضحة، فإنها إذا كانت مضطرة إلى المعالجة عندن الطبيب الرجل وكان أرفق فلا مانع من ذلك.

ولكن لندع هذه الرواية ونبحث بحثاً عليماً فالبعض قال:- لنتمسك بحديث رفع الاضطرار ( رفع عن أمتي ما اضطروا إليه ).

والجواب: - إنها مضطرة إلى أن تكشف عن بدنها، فهي يجوز لها، ولكن الكلام هو أنه كيف يجوز للطبيب النظر، فنحن وحديث رفع الاضطرار كيف نثبت أنه يجوز للطبيب النظر، فإن الطبيب ليس بمضطر إلى النظر وإنما المضطر هو المرأة، فهي مضطرة إلى أن تكشف، فلا يمكن أن نطبق حديث رفع الاضطرار لإثبات جواز نظر الطبيب.

ولعلك تقول: - نحن نطبق الحديث على المرأة المريضة، فإذا شملها الحديث وصار الكشف لها جائزاً فبالدلالة الإلتزامية يجوز للطبيب النظر.

قلت:- إنَّ هذه الطريقة جيدة إذا جاءت الرواية في نفس المورد، كما لو كانت تقول ( مادامت المرأة مضطرة فيجوز لها الكشف ) فمادام الامام عليه السلام قد جوّز لها الكشف فبالدلالة الإلتزامية يجوز للطبيب النظر وإلا كان هذا التجويز لغواً، ولكن المفروض أنَّ حديث نفي الاضطرار لم يأتِ في حق هذه المرأة، فمادام يوجد محذور في تطبيقه على هذه المرأة يكون مختصاً ببقية الموارد الأخرى كما لو وصفوا لها أن تأكل لحم السلحفاة أو قليلاً من الخمر فهنا يشملها حديث الاضطرار، لأنه لا يلزم من ذلك شيء آخر، أما هنا فالمفروض أننا نريد أن نطبق حديث نفي الاضطرار لإثبات جواز نظر الطبيب والحال أنه يوجد دليل آخر يقول لا يجوز للرجل أن ينظر إلى بدن الأجنبية فيكون عندنا دليلان والأمر دائر بين تقييدين دليل رفع الاضطرار ودليل لا يجوز للأجنبي النظر إلى بدن الأجنبية، فإن أخذنا بدليل بإطلاق دليل رفع الاضطرار وطبقناه على هذه المرأة سوف يلزم تقييد اطلاق دليل حرمة نظر الرجل إلى بدن الأجنبية، وإذا أخذنا بإطلاق دليل حرمة نظر الرجل إلى بدن الأجنبية يلزم تقييد اطلاق حديث نفي الاضرار وأنه لا يجوز تطبيقه لإثبات جواز أن تكشف المرأة عن بدنها أمام الطبيب، فالأمر دائر بين تقييدين ولا مرجح لأحدهما، فلا يمكن آنذاك التمسك بحديث في الاضطرار.

إذاً حديث نفي الاضطرار إنما يجوز التمسك به إذا لم يلزم منه تقييد إطلاق دليل آخر، كما لو وصف للمرأة المريضة أن تشرب قليلاً من الخمر للعلاج ففي مثل هذه الحالة نقول هي مضطرة فيجوز لها ذلك.

ولا تقل: - إنه أيضاً سوف يلزم تقييد دليل حرمة الخمر.

كان الجواب:- إن وظيفة حديث تنفي الاطرار هو تقييد أدلة الأحكام الأولية، فإذا فرض أننا رفضناه من هذه الناحية لا يبقى له مورد، نحن كلامنا فيما لو فرضنا أنه يوجد عندنا دليل آخر والأمر يدور ببين اطلاقين وتقييدين كما مثلنا بدليل حرمة نظر الأجنبي إلى بدن الأجنبية ودليل رفع الاضطرار، فهنا يوجد اطلاقان وتقييدان والعمل بأطلاق واحدٍ منهما يلزم منه تقييد الآخر وبالعكس، فهنا نقول لا مجال للتمسك بإطلاق حديث رفع الاضطرار، ولذلك في مسألة كشف المرأة الأجنبية للطبيب الأجنبي لابد وأن نتمسك بصحيحة أبي حمزة الثمالي، وإلا فمقتضى القاعدة عدم جواز التمسك بحديث رفع الاضطرار، لأنه يلزم من العمل بإطلاقه تقييد اطلاق دليل حرمة نظر الأجنبي إلى بدن الأجنبية، فالأمر دائر بين تقييدين ولا مرجح لأحدهما على الآخر.

ونفس هذه الفكرة التي ذكرناها هنا نسحبها إلى مقامنا لنجيب عن شبهة الشيخ العراقي(قده) حيث نقول له:- إنه يوجد عندنا دليلان مطلقان، الدليل الأول هو الذي يقول ( كل شيء لك طاهر حتى تعلم أنه قذر )، فهذا هو أصل الطهارة، وهو دليل واحد ولكن له اطلاقان أفرادي وأحوالي - وليس دليلان بينما في المثال الذي مثلنا ه يوجد دليلان ولكن هذا لا يؤثر - فيدور الأمر بين اطلاقين وتقييدين، والعمل بإطلاقه من زاوية يستلزم تقييده من تلك الزاوية، وفي مثل هذه الحالة لا يمكن العمل بإطلاق ( كل شيء لك طاهر )، بل يتساقط ونأخذ بالقدر المتيقن الذي نعلم به من الخارج وهو شموله للشبهة البدوية.


[1] وسائل الشيعة، الشیخ الحر العاملي، ج20، ص233، أبواب مقدمات النكاح، ب130، ح1، ط آل البيت.