الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/04/13

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - مبحث أصالة الاشتغال ( الشك في المكلف به )- مبحث الأصول العملية.

ثم قال: - وقد ذكر شيخنا النائيني(قده) إنما يقبل جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي بشروط ثلاثة: -

الأول: - أن لا يؤدي على المخالفة القطعية وإلا كان مرفوضاً لأنه ينتج المخالفة القطعية، ومثاله إذا كان يوجد عندنا اناءان حالتهما السابقة الطهارة وعلمنا بطروّ النجاسة على واحد منهما فهنا لو أردنا أن نجري استصحاب الطهارة سوف ينتج جواز شرب الطرفين وهو مخالفة قطعية، إذ نعلم بأن أحدهما يحرم شربه، فهنا لا يجري الأصل في أطراف العلم الإجمالي لا أصل الطهارة أو استصحاب الطهارة أو أصل الحلية.

الثاني:- ما إذا كان الأصل محرزاً - يعني الاستصحاب فإنَّ الاستصحاب يعبّر عنه بأنه من الأصول المحرزة إذا استفدنا من دليله ( لا تنقض اليقين بالشك ) أنه يريد أن يحرز لنا بقاء الحالة السابقة، فمادام يوجد عندك يقين فهذا يكشف أنه في حالة الشك أنَّ المتيقن باقٍ، فيعبر عن الاستصحاب بالأصل الاحرازي لأنه يحرز أنَّ الحالة السابقة واقعاً موجودة الآن - فلا يجري أيضاً إذا علمنا فيه بالمخالفة، كما إذا كانت الحالة السابقة للإناءين هي النجاسة ثم علمنا بطروّ الطهارة على أحدهما فحينئذٍ اجراء استصحاب النجاسة يعبّر عنه بالأصل الاحرازي، يعني أنت تصير محرزاً آنذاك لنجاستهما معاً، وهذا لا يمكن، إذ المفروض أنك تعلم وتجرز طهارة أحدهما فلا يجري الاستصحاب هنا رغم أنه لا يدي إلى مخالفة قطعية، لأنك سوف تجتنب، والاجتناب لا يؤدي إلى مخالفة قطعية، بخلافه في المورد الأول فإنَّ الحالة السابقة كانت هي الطهارة ثم علمنا بنجاسة واحد، فهنا إذا أردنا أن نأخذ بأصل الطهارة أو استصحاب الطهارة فسوف ترتكب وهذا يؤدي إلى مخالفة قطعية، أما في المورد الثاني لا يؤدي على مخالفة قطعية لأنك سوف تجتنب، ولكن مع ذلك يقول الشيخ النائيني(قده) إنه رغم أنه لا يؤدي إلى مخالفة قطعية لأنَّ المفروض أنك سوف تجتنب فإذا اجتنبت فهذا احتياط جيد ولكن مع ذلك لا يجري الأصلان، لأنه بجريانهما سوف تصير محرزاً لنجاستهما، والمفروض أنك محرز لطهارة أحدهما، ولا يجتمع ذانك الاحرازان - أي احراز النجاسة في هذا الطرف واحراز النجاسة في ذاك الطرف - مع احراز الطهارة في أحدهما، فهنا أيضاً لا يجري الأصل.

الثالث: - ما إذا فرض أنَّ الحكم الظاهري بسبب الأصل لا يحتمل موافقته للواقع، فإذا كان يحتمل الموافقة للواقع فيجري الأصل، أما إذا كان لا يحتمل الموافقة فلا يجري الأصل وإن لم يؤدِّ إلى موافقة القطعية، كالأصل في دوران الأمر بين محذورين، فهذا الشيء إما أن يكون واجباً عليّ أو حراماً فأصل الاباحة لا يجري هنا، لأنه غير محتمل المطابقة، يعني أنَّ الحكم الثابت إذا كان هو الحرمة فهذا الأصل غير مطابق، وإذا كان وجوباً فهذا الأصل أيضاً غير مطابق، فلا يحتمل المطابقة.

والسيد الخوئي(قده) ذكر كلام الشيخ النائيني(قده) بلحاظ هذا القسم الثالث، فهو يريد أن يقول إنَّ مقامنا هو من هذا القبيل، فإنَّ الشيخ العراقي(قده) أراد أن يجري أصل الاباحة بنحوٍ مشروط، ونحن نقول إنَّ الاباحة في كلّ واحدٍ من الطرفين جزماً هي ليست بنحوٍ مشروط، لأنه إذا فرض أنه واقعاً كان الطرف الذي نجري فيه الأصل هو الحرام فأصلاً الاباحة ليس موجودة لا بنحوٍ مطلق ولا بنحو مشروط، وإذا كان مباحاً فأيضاً لا توجد اباحة مشروطة وإنما تصير اباحة مطلقة، فالإباحة بشرط ترك الآخر جزماً هي مخالفة للواقع ،فإذا كانت مخالفة للحكم الواقعي جزماً فلا يمكن جريان الاباحة بنحو مشروط.

والجواب:- إنَّ هذا وجيه إذا فرض أنَّ الترخيص المشروط لم يرجع إلى الترخيص في واحدٍ فقط - وهو الجامع -، أما إذا كان المولى يريد أن يرخّص في واحدٍ فإن أجريت الأصل في هذا الطرف يلزم أن تترك ذاك الطرف، إذا أجريت الأصل في ذاك الطرف يلزم أن تترك هذا الطرف، فهذه الاباحة المشروطة في هذا الطرف وفي ذاك الطرف نتيجتها أنه مباحٌ لك واحدٌ وهو الجامع، هذه هي الروح ولا نتعامل الألفاظ، وإذا كان هذا هو المقصود فإباحة الجامع شيء معقول، يعني أنت مرخّص في ارتكاب واحدٍ لا الاثنين، وهذا لا نعلم بمخالفته للواقع، نعم إذا أخذنا الاباحة بنحوٍ مشروط جاء الاشكال، ولكن بعدما كان مرجع الاباحتين المشروطتين على اباحة الجامع فلا يلزم محذور، يعني يجوز لك ارتكاب أحدهما فقط، وهذا حكم لا نعلم بمخالفته للواقع، بل نعلم بمطابقته للواقع، فإنَّ الواقع هو أن أحدهما مباح فقط ويجوز لنا ارتكابه ولكن ذلك الواحد لا نعرفه ، فإذاً اباحة واحدٍ منهما لا نعلم بمخالفته للواقع، فلا محذور فيه.

الجواب السادس:- ما أفاده السيد الشهيد(قده) في التقرير[1] وفي الحلقات[2] ، وحاصله:- إنَّ الأهم هناك ملاك في هذا المورد الذي نعلم بأنه يوجد اناءان أحدهما ماء والآخر خمر، فمرة يفترض أنَّ الملاك الأهم هو ملاك الحرمة - وليس من البعيد أنَّ ملاك الحرمة أهم من ملاك الوجوب - فالمناسب للمولى أن يجعل وجوب الترك في كليهما، فيمنع من كليهما ولا يجعل أصل الاباحة حتى بنحوٍ مشروط وإنما يجعل أصل الاحتياط في كليهما، لأنَّ ملاك الحرمة أهم، فيحتمل أنَّ الذي ترتكبه هو الحرام فيُحرِّم عليك الاثنين معاً لا الجامع، فهو لا يرخّص في الجامع ولا في الواحد المعيّن، بل يحرمهما معاً، فهو يجعل أصل الاحتياط في كليهما، وأما إذا كان ملاك الاباحة هو الأهم - لو فرضنا ذلك - فالمناسب أن يجعل الرخصة في كليهما بنحوٍ مطلق لا بنحوٍ مشروط، وأما إذا فرض أنَّ ملاك الحرمة هو الأهم من حيث حرمة المخالفة القطعية وليس من حيث وجوب الموافقة القطعية فالمناسب آنذاك أن يجعل الحرمة للجامع لا لهذا الطرف مشروطاً بترك ذاك ولا لذاك الطرف بشرط ترك هذا فإن هذا لا معنى له، فمادام ملاك الحرمة هو الأهم من حيث حرمة المخالفة القطعية فالمناسب أن يقول ارتكب أحدهما دون الآخر وهو الجامع، أما المشروط فلا معنى له، هذه مقدمة.

والمقدمة الثانية هي أنه إذا رجعنا إلى دليل الأصل - وهو ( كل شيء لك حلال حتى تعرف أنه حرام ) - نجد مفاده الحلّية في هذا الطرف والحلية في ذاك الطرف، فإنَّ هذا الدليل له عموم استغراقي، فكلّ مشكوك هو حلال بنحوٍ مطلق وليس بنحوٍ مشروط، ولا يستفاد منه الاباحة المشروطة وإنما اباحة كل فردٍ فرد، اللهم إلا بإرجاع الاباحة المشروطة إلى اباحة الجامع، فيكون المقصود هو أنَّ الأحد هو المباح، وهذا لا يمكن استفادته من دليل الأصل، فإنَّ دليل الأصل يحلل كل واحد من الأطراف بعنوانه التفصيلي - هذا الطرف وهذا الطرف - أما الأحد بعنوانه الإجمالي فلا يستفاد من دليل الأصل اباحته.

فإذاً لا يمكن أن نستفيد من دليل الأصل اباحة الجامع، والذي نستفيده منه هو اباحة كل طرف إما بنحوٍ مطلقٍ أو بنحو مشروط، وقد قلنا إنَّ الاباحة بنحو مشروط لا معنى لها لأنَّ الاحتمالات ثلاثة، فإما أن يكون ملاك الحرمة أهم فالمناسب الاحتياط بلحاظ كليهما، وإما أن يكون ملاك الاباحة أهم فالمناسب الجواز في كليهما، وإما أن يكون ملاك الحرمة أهم من حيث حرمة المخالفة القطعية فالمناسب جعل الحرمة للأحد لا لكل فرد.

[ فإذاً يوجد قصور في دليل الأصل في مرحلة الاثبات، فدلالة دليل الأصل قاصرة، فهو لا يدل على الترخيص في الجامع وإنما يدل على الترخيص في كل طرف ][3] .


[1] بحوث في علم الأصول، السيد محمود الشاهرودي، ج5، ص192.
[2] دروس في علم الأصول ( الحلقة الثالثة )، القسم الثاني، السيد الشهيد، ص97، ط قديمة.
[3] هذا ما ذكره الشيخ الأستاذ في المحاضرة اللاحقة كبيان اضاقي لكلام السيد الشهيد/ المقرر.