الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/04/10

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - مبحث أصالة الاشتغال ( الشك في المكلف به )- مبحث الأصول العملية.

الاشكال الثاني[1]
:- وهو المهم، وحاصله:- إنه إذا كان يجوز الترخيص في بعض الأطراف بحيث لا يلزم مخالفة قطعية فتعال والتزم بفكرة الترخيص المشروط، بأن نقول نحن لا نطبق دليل البراءة في أحد الطرفين، فمثلاً هي الظهر والجمعة فلا أطبقه بلحاظ الظهر حتى تقول لي هذا ترجيح بلا مرجح ولا على الجمعة حتى تقول هو ترجيح بلا مرجح ولا على كليهما حتى تقول إن هذه مخالفة قطعية وغنما ترخيص مشروط، يعني نطبق أصل البراءة على الطرف الأول فرفع عن أمتي ما لا يعلمون أي رفع عنك وجوب الظهر عنك فلا يجب عليك الاحتياط ولكن بشرط أن تأتي بالطرف الثاني، وهكذا تطبق أصل البراءة على الطرف الثاني بشرط أن تكون آتياً بالطرف الأول، وهذا ترخيص مشروط لا يؤدي إلى مخالفة قطعية، فلا محذور في هذه الفكرة، لأنه نتيجة الترخيصين المشروطين أنه مرخص في واحد منهما بشرط الاتيان بالثاني وأنت مخص بالثاني بشرط اتيانك بالأول، فإذا تركتهما معاً فالترخيص المشروط ليس موجوداً هنا، لأن الترخيص المشروط مشروط بالإتيان بالطرف الآخر فلا يؤدي إلى مخالفة قطعية، فطبِّق الترخيص المشروط في كلا الطرفين فإنه لا يلزم محذور الترجيح بلا مرجح ولا محذور الترخيص في المخالفة القطعية، وأصحاب مسلك الاقتضاء لا يلتزمون بذلك، وإلا يلزم أن نفعل هكذا في كل علم اجمالي، كما لو كان عندي إناءان أحدهما نجس فأقول لك انت مرخص في أحدهما فإما أن ترتكب هذا بشرط ترك ذاك أو ترتكب ذاك بشرط ترك هذا، وهذا لا يلتزم به أصولي.

هذا نقض سجله الشيخ العراقي(قده) على مسلك الاقتضاء، وهو إشكال قوي.

وقد نقل الشيخ النائيني(قده) هذا الاشكال عن بعض المحشين على الفرائد، ثم قال ( وتبعه بعض أعاظم العصر )، قال:- ( هذا غاية ما يمكن أن توجه به مقالة التخيير وقد ذهب إليه بعض الأعاظم في حاشيته على الفرائد وتبعه بعض أعيان هل العصر )[2] .

وأجيب عن هذا الاشكال بعدة أجوبة: -

الجواب الأول: - ما ذكره الشيخ النائيني(قده) نفسه، وحاصله: إنَّ تقييد الترخيص بترك الآخر غير ممكن لأنَّ الاطلاق غير ممكن، وإذا استحال الاطلاق استحال التقييد.

فهو يقول أنت مرخص في هذا الطرف بشرط ترك ذاك، فتقييد هذا الترخيص غير ممكن لأنَّ الاطلاق غير ممكن، بأن أقول له أنت مرخص بشكلٍ مطلق في شرب هذا الاناء سواء اجتنبت الاناء الآخر أو ارتكبته، وأنت مرخص في الاناء الآخر بشكل مطلق أيضاً سواء ارتكبت الآخر أم لم ترتكبه، فالإطلاق في الترخيص غير ممكن لأنه يؤدي إلى المخالفة القطعية، فإذا لم يمكن الاطلاق لم يمكن التقييد، قال: - ( فما لم يمكن الاطلاق به ثبوتاً كيف يتصور فيه التقييد في عالم الاثبات ؟! )[3] .

ونحن نقول: - إنَّ هذا غريب منه، فإنَّ المعروف هو أنه إذا أمكن التقييد أمكن الاطلاق وإذا استحال التقييد استحال الاطلاق - لأنه عدم وملكة -، أما أنَّ إمكان التقييد موقوفاً على إمكان الاطلاق فليس بصحيح ولا يقول به أحد، ففي مقامنا لا يمكن تطبيق ما ذكره الشيخ النائيني(قده)، فإذاً جوابه عن هذه الشبهة واضح التأمل لأنَّ القضية بالعكس.

الجواب الثاني: - وهو للسيد الخوئي(قده)[4] - ولم نره في الدراسات ولا في مصباح الأصول - وقد نقله السيد الشهيد(قده) في الحلقة الثالثة وفي التقرير ولعله حصل عليه مشافهةً من السيد الخوئي(قده) وحاصله: - صحيح إنه يمكن تقييد الاطلاق بالترخيص في هذا الطرف بشرط ترك ذاك، ولكن يوجد نحوٌ ثانٍ من التقييد، وحيث إنَّ هذا النحو الثاني ممكن فلا مرجح لهذا التقييد على ذاك، فيتعارضان ويتساقطان ولا يمكن الأخذ بهما معاً، والتقييد الثاني هو تقييد الاطلاق الأفرادي أو الأحوالي بلحاظ أحدهما، وبتعبير آخر نقيد الترخيص في الاناء الثاني فقط أما الاناء الأول فنخرجه فليس فيه ترخيص، وهذا يعبر بتقييد الاطلاق الأفرادي، يعني أنَّ هذا الفرد أخرجناه من اطلاق ( كل شيء لك حلال )، ونطبق الترخيص فقط على الاناء الآخر، أو أنَّ الاطلاق الافرادي يبقى على حاله ولكن نقيد الاطلاق الأحوالي في أحدهما دون الآخر، يعني أن ( كل شيء لك حلال ) يشمل الاثنين ولكن نقيد اطلاقه الأحوالي في الاناء الأول فنقول أنت مرخص في هذا بشرط ترك ذاك أما الاناء الثاني فنبقيه على اطلاقه الأحوالي ولا نقيده، واقتراح الشيخ العراقي(قده) من التقييد معارض بأحد هذين النحوين من التقييد، ومعه لا مرجّح لما ذكره على ما ذكرناه، فما ذكره يسقط عن الاعتبار لأنه بلا مرجح.

هذا ما ذكره السيد الخوئي(قده) في رد شبهة الترخيص المشروط.

[1] نهاية الأفكار، العراقي، ج2، ص317.
[2] فوائد الأصول، الكاظمي، ج4، ص27.
[3] أجود التقريرات، الخوئي، ج2، ص425.
[4] دروس في علم الأصول ( الحلقة الثالثة ) السيد الشهيد، ج2، ص96، ط قديمة.