الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/04/04

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - مبحث أصالة الاشتغال ( الشك في المكلف به )- مبحث الأصول العملية.

وفيه: - إنه بعد إيمانه بقاعدة قبح العقاب بلا بيان نقول لماذا لا نطبق قاعدة قبح العقاب بلا بيان بعد سقوط أصول الشرعية فمن ناحية الشرع لا يوجد عندنا مؤمّن إذا تركت الظهر أو تركت الجمعة فإنَّ المؤمّن هو أصل البراءة الشرعية وقد سقط ولكن يوجد مؤمّن عقلي بعد فقدان المؤمّن الشرعي والمفروض أنه من القائلين بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فحينئذٍ نطبق القاعدة.

ومن الواضح أنه لا ينبغي أن تقول إنَّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان في هذا الطرف تعارض تطبيقها في ذاك الطرف فإن هذا غير صحيح، لأنه حكم عقلي وليس دليلاً لفظياً، وما تقوله يتناسب مع الأدلة اللفظية، أما مع العقل الحاكم بقاعدة قبح العقاب بلا بيان فهو يقول إنَّ الذي عليه البيان يلزم الاحتياط من ناحيته أما الذي ليس عليه بيان فالذمة بريئة منه، والذي عليه البيان هو الأحد من دون إضافةٍ إلى خصوصية الظهر أو خصوصية الجمعة، وإنما أنَّ الأحد تعلم بوجوبه، أما أن يكون هذا الأحد ضمن خصوصية الظهر مؤمّن عنه أو في ضمن خصوصية الجمعة مؤمّن عنه، فيلزمك أن تأتي بالأحد ضمن أيّ واحدة من الخصوصيتين، فعلى هذا الأساس يلزم تنجّز الأحد، وبالتالي يلزم الاتيان بأحد الصلاتين على مبنى الشيخ النائيني(قده) الذي يبني على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وهذا إشكال يرد على الشيخ النائيني(قده) الذي يبني على قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

إن قلت: - إنَّ هذا الكلام الذي ذكرناه في البراءة العقلية لم لا نطبقه في البراءة الشرعية أيضاً بحيث نقول إنَّ مقدار الجامع معلوم فلا تجري فيه البراءة الشرعية، ومقدار الخصوصيتين مجهول فتجري البراءة عن هذه الخصوصية بخصوصها وتجري البراءة عن تلك الخصوصية بخصوصها، فلماذا خصّصت هذا الكلام في البراءة العقلية فقط ولا تذكره في البراءة الشرعية؟

قلت:- إنَّ البراءة الشرعية دليل لفظي مثل ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) وهو لا يقبل هذا التحليل إلى قضية جامع وخصوصيتين، وإنما هذا يقبله العقل، أما الدليل اللفظي فهو يرفض ذلك ويقول أنت عندك هذه الخصوصية وتلك الخصوصية ولا يوجد شيء ثالث وهو الجامع فإنه ليس شيئاً ثالثاً، فهذا التحليل لا معنى له في باب الأدلة اللفظية، وحينئذٍ يكون تطبيق الدليل اللفظي على هذه الخصوصية معارض بتطبيقه على تلك الخصوصية، فيجب الاتيان بكلتا الخصوصيتين، وهذا بخلافه في البراءة العقلية فإنه حكم عقلي، والحكم العقلي مبني على الدقة، والعقل يقول ما دمت تعلم بمقدار الجامع فليس عليك براءة من جانبه أما بمقدار هذه الخصوصية أو تلك الخصوصية فأنت لا تعلم فتجري البراءة.

الرأي الثاني: - ما ذهب إليه الشيخ العراقي(قده) من اقتضاء العلم الإجمالي بذاته - من دون حاجة إلى تعارض الأصول - يقتضي وجوب الموافقة القطعية، قد استند لذلك بوجهين: -

الوجه الأول:- ما ذكره في نهاية الأفكار[1] ، وحاصله:- إنَّ الترخيص في بعض الأطراف ترخيصٌ في محتمل المعصية ويستحيل في حق الحكيم الترخيص في ذلك فإنه كالترخيص في مقطوع المعصية، والنتيجة هي أنَّ البراءة لا تجري حتى في طرف واحد لأنه ترخيص في محتمل المعصية وهو كالترخص في مقطوع المعصية، قال:- ( ولازمه إباء العقل عن مجيء الترخيص الشرعي ولو في بعض الأطراف من جهة كونه من الترخيص في محتمل المعصية الذي هو من الحكيم في الاستحالة كالترخيص في مقطوعها )[2] .

وفي مقام الجواب نقول: - إنَّ ارتكاب المعصية المحتملة لا قبح فيه إذا رخص المولى في لك تسهيلاً على عباده والقبح يرتفع، فإن القبح موجود إذا لم يرخص المولى في ذلك أما بعد ترخيصه فالقبح سوف يرتفع، أما مقطوع المعصية فلا يمكن الترخيص لأنه مقطوع المعصية فكيف يرخّص فيه؟!! أما محتمل المعصية والمولى يرخص في ارتكابه فلا محذور في ذلك، وأدلة الشبهة البدوية كلها هكذا، مثل ( كل شيء لك حلال حتى تعرف أنه حرام )، فهذا ترخيص في محتمل المعصية، فالمولى قد رخّص في ذلك، فلا قبح في ارتكابه، والمولى يمكن أن يرخص فيه كما رخّص في ( كل شيء لك حلال حتى تعرف أنه حرام )، فلا يصح قياسه على مقطوع المعصية، فإن مقطوع المعصية لا يمكن للمولى أن يرخّص في ارتكابه، لأنه مقطوع المعصية، أما محتمل المعصية فلا محذور في الترخيص فيه، وبالتالي لا قبح في ارتكابه، وليس فيه أي محذور، فقياسك بكون ارتكاب محتمل المعصية قبيح كارتكاب مقطوع المعصية قياس مع الفارق بوضوح.


[1] نهاية الأفكار، العراقي، ج2، ص308.
[2] نهاية الأفكار، العراقي، ج2، ص308.