الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/03/28

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - مبحث أصالة الاشتغال ( الشك في المكلف به )- مبحث الأصول العملية.

في مقام المناقشة نقول: -

أولاً: - فليس من الصحيح اثبات الأمور الدقية بالتعابير العرفية اليت قد تكون مبنية على المسامحة، وهذه قضية عامة فإنَّ الأمور الدقية لا تثبت إلا بدليل وبأمر دقي لا بتعبير عرفي.

ثانياً:- إنه ينبغي الالتفات إلى أنَّ الجامع على قسمين، فهناك جامع انتزاعي وهناك جامع حقيقي، والجامع الانتزاعي مثل أن نقول ( أحد الاخوة الجالسين هنا )فإن ( أحد ) هو جامع انتزاعي وليس جامعاً حقيقياً فإن كل فرد ليس مركباً من مفهوم الأحد زائداً الخصوصية وإنما هو مركب من حيوانية وناطقية وليس مركباً من مفهوم الأحد، يعني أنا حقيقتي هي أحدٌ زائداً الخصوصية، كلا وإنما هذا جامع انتزاعي لتسهيل التعابير، ويوجد جامع حقيقي مثل الحيوانية بالنسبة للإنسان، لإنَّ الجامع الحقيقي بين جميع أفراد الانسان هو الحيواني.

وإذا اتضح هذا نقول: إنَّ الذي علمت به ليلاً هو نجاسة الواحد من هذه الأمور ولكن هذا الأحد انتزاعي بلا إشكال وليس جامعاً حقيقياً، فإذا صار الصباح ورأيت النجاسة في الإناء الذي على اليمين، فلا معنى لأنَّ يقول الشيخ العراقي(قده) حيث إنَّ الجامع جزء من الفرد فلابد وأن أقول ( إنَّ ما علمت به ليلاً هو بعض هذا المعلوم ) فإن هذا ليس بصحيح، فإنَّ الذي علمت به هو الجامع ليلاً ومتعلّق العلم الاجمالي هو الجامع الانتزاعي، والجامع الانتزاعي ليس بعضاً من الشيء، فإن الشي هو أنا وأنت، أو النجاسة وهي لا تتركّب من مفهوم الأحد، فحصل خلطٌ من الشيخ العراقي(قده).إذاً هذا الاستدلال ليس بصحيح من أساسه، لأنه يبتني على أنَّ النوع مركّب من الجامع الانتزاعي والفصل، والحال أنه ليس مركباً من الجامع الانتزاعي.

ونشير إلى شيء: - وهو أنَّ الجامع الانتزاعي ليس بعضاً من الشيء الذي هو النوع، كما أنَّ الجامع الانتزاعي فيه خصوصية وهو أنه له قابلية الحكاية عن الأشياء فأشير لك وأقول ( هذا أحد أفراد أهل العلم )، وهذا الأحد يحكي عنك بكلّك لا أنه يحكي عن جزئك، وهذا أحد أفراد الحج .... وهكذا، فهو يحكي عن جميع النوع لا أنه يحكي عن جزء من النوع، ولذلك إذا أردنا أن نحكي عن الأفراد بالكامل نقول ( واحدٌ من الطلبة قال لي هكذا )، ومقصودي من ( واحدٌ من الطلبة ) هو الجامع الانتزاعي الذي يحكي عن مجموع هذا الفرد، وبهذا صحّ هذا التعبير، أي تعبير ( النجاسة التي علمت بها ليلاً هي نفس هذه النجاسة التي رأيتها صباحاً )، لأنَّ ذلك الأحد انتزاعي والأحد الانتزاعي ينطبق على الفرد بكامله لا أنه جزء فزيد أحد الناس وعمرو أحد الناس فهو الأحد، لا أنَّ الأحد جزء منه، بل الأحد يحكي عن كامل زيد فزيد احد الناس وعمرو احد النا.

فإذاً من الصحيح أن نعبّر بالأحد، لأنَّ هذا الأحد هو أحد انتزاعي وهو يحكي عن الفرد بكامله، ولا يثبت بذلك مطلوب الشيخ العراقي(قده)، وإنما يثبت فيما إذا كان الأحد جامعاً حقيقياً بمعنى الجنس، فإنَّ الجنس جزء وبعضٌ من النوع، وأما الجامع الانتزاعي بمعنى الأحد فهو يحكي عن النوع بالكامل، وهنا حينما يقول العلمان - الأصفهاني النائيني - أنَّ العلم الاجمالي يتعلق بالأحد مقصودهم هو الأحد الانتزاعي، فيحكي عن الفرد بكامله، فيصح أن نقول ( إنَّ النجاسة التي علمنا بها بنحو الاجمال في الليل هي بنفسها النجاسة التي علمنا بها تفصيلاً في النهار ).إذاً استدلال الشيخ العراقي(قده) لإثبات أنَّ العلم الإجمالي يتعلق بالواقع دون الجامع قابل للمناقشة، وما ذكره لا يكون رداً على العلمين.

والمناسب في المقام أن يقال: - إنَّ العلم الإجمالي متعلق بالجامع كما ذكر العلمان، والوجه في ذلك هو الوجدان، فإننا دائماً في موارد العلم الإجمالي حينما نعلم بوقوع نجاسة في هذا الاناء أو ذاك، يعني بالتالي نحن نعلم بالجامع - أي بإحدى النجاستين - وهذا شيء وجداني لا يمكن أن يشكك فيه أحد.

فالصحيح هو تعلّق العلم الإجمالي بالجامع.

ولكن نستدرك ونقول:- صحيح أنه متعلق بالجامع ولكنه متعلق بالجامع بما هو جامع أي هل هو متعلق بالأحد بما أحد أو بما أنَّ هذا الأحد حاكٍ عن الخارج، فإنَّ الجامع الانتزاعي له القابلية في أن يحكي عن الخارج، فالصحيح أنه متعلق بالجامع بما هو حاكٍ عن الخارج، لا أنَّ متعلق العلم الإجمالي هو الأحد بما هو أحد - أي احدى النجاسات بما إحدى النجاسات - وإنما هو الأحد بما هو مرآة للخارج، وبهذا اقتربنا من الشيخ العراقي(قده) بمقدار كما كنّا مقتربين من العلمين، فما أفاده العلمان من التعلق بالجامع صحيح فإنه هو المطابق للوجدان، ولكن في نفس الوقت متعلق العلم الإجمالي هو الجامع بما هو حاكٍ عن الخارج فبهذا الاعتبار صار ما يقوله الشيخ العراقي(قده) وجيهاً ولكن بعد ادخال هذه الواسطة، فابتداءً متعلق العلم الإجمالي هو الجامع ولكن من حيث أنه حاكٍ عن الخارج، وحيث إنَّ الخارج ينطبق على فردين فعلى هذا الأساس نتمكن أن نقول من زاوية أنَّ متعلق العلم الإجمالي هو الجامع - كما قال العلمان- وحيث إنَّ الجامع قد لوحظ بما هو حاكٍ عن الواقع فقد اقتربنا من الشيخ العراقي(قده)، وحيث إنَّ هذه الحكاية ليست عن خارجِ واحدٍ معيّن بل هي حكاية عن خارجٍ يلتئم مع أكثر من واحد اقتربنا مما قاله الشيخ الخراساني(قده)، فبهذا الاعتبار يمكن الصلح بين الأطراف، وهذا ليس إحداثاً لقولٍ رابع ،وإنما كلّ من ذينك الرأيين وجيه، فمن زاوية العلم الاجمالي متعلّق بالجامع كما قال العلمان، ومن زاوية أخرى أنَّ الجامع ملحوظ بما هو حاكٍ عن الواقع فاقتربنا من الشيخ العراقي(قده)، وحيث إنَّ الخارج مردد بين فردين فاقتربنا من الشيخ الخراساني(قده)، وعلى هذا الأساس خرجنا من خلال هذا البيان بأنَّ كل اتجاهٍ من هذه الاتجاهات صحيح ولكن من زاويةٍ معينة وليس بصحيح بالكامل كما قد يوحي به كلام أصحاب هذه الاتجاهات.

بقي شيء: - وهو أنه هل وجوب الموافقة القطعية للعلم الإجمالي يبتني على التعلق بالواقع كما هو المناسب لمبنى الشيخ العراقي(قده)، فإنه إذا كان العلم الإجمالي قد تعلّق بالواقع فلابد من احرازه، وحيث يحتمل أنَّ الواقع هذا الطرف فيلزم الاتيان به، وحيث يحتمل أنه ذاك الطرف فيلزم الاتيان به، وحينئذٍ يلزم الموافقة القطعية بالإتيان بالاثنين معاً، وهذا بخلافه على منبى العلمين، فإنَّ العلم الإجمالي تعلّق بالأحد، والأحد يتحقق بأحدهما، فلا داعي إلى الموافقة بالإتيان بجميع الأطراف أو بترك جميع الأطراف.

إنه قد يُبيَّن هذا كثمرةٍ لهذه المسالك.