الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/01/22

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - التنبيه الثاني ( قاعدة التسامح في أدلة السنن ) - تنبيهات أصالة البراءة - مبحث الأصول العملية.

الثانية:- لو فرض أن الميتة كانت أمراً مغايراً لعدم التذكية وتترتب على ذلك ثمرة وهي أن الأصل لا يمكن أن يجري - يعني أصالة عدم التذكية لإثبات عنوان الميتة وبالتالي يجوز شرب ماء اللحم ولكن لا يجوز أكل اللحم -، فإذا كان هذا فسوف تترتب ثمرات ولكان على الشرع أن يبين ويؤكد البيان فإنَّ هذه قضية فهمة يلزم أن يلفت الأنظار إليها ويقول إنَّ الميتة غير المذكى وأن الميتة لها حكمان وأن عدم التذكية له حكمان ولا تخلطوا بينهما، فكلام السيد الخوئي(قده) كله دقيق لا يلتفت إليه الناس فيحتاج إلى بيانٍ مؤكد مكرر وعدمه يدل على أنَّ الشرع ليست عنده هذه التفرقة من هذه الناحية - وهي أنَّ الميتة غير المذكى وأن استصحاب عدم التذكية لا يثبت عنوان الميتة وآثارها - وإلا لنبّه على ذلك ولأكد التنبيه لأنها قضية يغفل عنها فعدم التنبيه يدل على العدم، وهذا وجه وجداني.

والنتيجة من كل ما ذكرنا:- هي أنَّ الميتة وعدم التذكية سيّان شرعاً، فهما شرعاً واحد وبالتالي الثمرات التي أراد أن يرتبها السيد الخوئي(قده) مرفوض وانه لا فرق من هذه الناحية فكا لا يجوز أكل اللحم كذلك لا يجوز شرب المرق.

وبهذا انتهينا من التنبيه الأول من تنبيهات البراءة.

التنبيه الثاني:- قاعدة التسامح في أدلة السنن.

إنَّ الشيخ الأعظم(قده) وهكذا الشيخ الخراساني(قده) ذكرا تنبيهات وقد ذكروا قاعدة التسامح في أدلة السنن في التنبيه الثاني، ومنشأ التعرض إليها بعد أن ثبت عدم وجوب الاحتياط خلافاً للإخباريين قالوا في التنبيه الثاني صحيح أن الاحتياط ليس بواجب ولكنه شيء راجح وإن لم يكن واجباً فإذا شككنا أن التبغ حرام أو لا فيجري أصل البراءة ولكن الاحتياط شيء راجح شرعاً - أما عقلاً فواضح ولكن كلامنا هو رجحانه شرعاً - ومن أين لك اثبات أنه راجح شرعاً ؟ المستند في ذلك الرجحان هو نفس أدلة الاحتياط التي ذكرها الاخباريون، فنحن قلنا لا يمكن استفادة الوجوب منها ولكن الرجحان لا مانع من استفادته منها من قبيل قول أمير المؤمنين عليه السلام لكميل بن زياد ( أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت ) فإنه افترض أننا نسلم أنه لا يستفاد منه الوجوب بقرينة ( بما شئت ) ولكن يستفاد من ذلك الرجحان إذاً نفس الأخبار التي ذكرها الاخباريون لإثبات وجوب الاحتياط بعد مناقشتها يمكن أن تكون مستنداً لإثبات استحبابه ورجحانه.إنما الكلام في العبادات فهل الاحتياط راجح أيضاً حتى في العبادات، يعني جاءنا جليل دل على أن صلاة أول الشهر أو غير ذلك عليكم أن تجيئوا بها - سواء كان بنحو الوجوب أو بنحو الاستحباب - ولكن السند كان ضعيفاً فهل نطبق قاعدة الاحتياط في هذا المورد ونقول إن الاحتياط واجح فأتِ بها ؟

والجواب:- تارة يدو أمر هذه العبادة بين الوجوب والاستحباب ولا ثالث في البين فجزماً الاحتياط يصير ممكنا ويشمله ( أخوك دينك فاحتط لدينك )، فنأتي به بنية الأمر الواقعي، لأنَّ الأمر موجود إما وجوبي أو استحبابي، إنما الكلام فيما إذا دار الأمر بين أن تكون واجبة أو مباحة بحيث لا أمر، فإذاً الأمر ليس بمحرز فهل يمكن الاحتياط؟ ، هنا بحث الأصوليون هذه القضية أي في العبادة التي يدور أمرها بين الوجوب والاباحة فهل يمكن الاحتياط بعد الالتفات إلى أنه إذا لمم تكن واجبة فحينئذٍ لا أمر فكيف تحتاط، من هنا فكروا في أيجاد حلّ لهذه العبادة التي يدور أمررها بين الوجوب والاباحة فقالا نتمسك بأخبار من بلغ فإنه يستفاد منها وجود أمرٍ بهذا العمل الذي بلغ عليه الثواب لكن بطريقٍ ضعيف، فحينئذٍ إذا كان الأمر موجوداً فيمكن التقرب بهذا الأمر ولكن هذا أمر سوف يكون أمراً بالعنوان الثانوي وهو عنوان البلوغ فأقول أصلي صلاة أول الشهر بنية امتثال أمر من بلغ أو هذا الأمر بالعنوان الثانوي فصار الأمر موجوداً فيستحب الاتيان بها.

فإذا تمت أخبار من بلغ واستفدنا منها أمر بعنوان البلوغ فسوف نستفيد أن كل عبادة تحتاج إلى قصد القربة والأمر سوف نقصد هذا الأمر الثانوي المتعلق بعنوان البلوغ ويحصل الامتثال.ولكن يلزم وجود شيئين حتى يصح التمسّك بأخبار من بلغ:-

الأول:- أن نستفيد من عنوان البلوغ الاستحباب، وسنقرأ هذه الروايات وقد يقول قائل إنها لا يستفاد منها الاستحباب الشرعي فإن ( من بلغه ثواب على عمل فعمل كان له ذلك الثواب ) لا يستفاد منه استحباب شرعي وإنما يراد أن يعطى الثواب أو هو ارشاد عقلي وأن هذه قضية عقلية أو عقلائية، فيلزم أن نستفيد الاستحباب الشرعي حتى يتمكن الفقيه أن يفتي بالاستحباب.

الثاني:- أن يكون هناك خبر ضعيف السند إذ لو لم يكن خبراً فلا يصدق عنوان البلوغ، ولما قلنا ضعيف السند ؟ لأنه لو كان معتبر السند فهو يكون المستند من دون حاجة إلى أخبار من بلغ.

فإذاً وقع الكلام بين الأصوليين في هذا التنبيه الثاني في قضيتين، الأولى هل يمكن الاحتياط في باب العبادات إذا دار أمرها بين الوجوب والاباحة ؟، والثانية هل قاعدة التسامح في أدلة السنن ثابتة أو لا ؟ ، والمهم من هذين البحثين هو الثاني، أما البحث الأول فالظاهر إنه لا إشكال في امكان الاحتياط، فلا حاجة إلى هذا البحث، لأنه عقلاً يكفي احتمال الأمر في حصول التقرّب والاحتياط ، فالتقرّب يمكن مع احتمال الأمر ، فالتقرب يحتاج إلى أمرٍ جزمي أو إلى احتمال الأمر، بل على احتمال الأمر يكون أكثر مقرّبية، لأنَّ هذا معناه أنَّ المكلف ملتزم يحركه إلى الله تعالى حتى احتمال الأمر، فهذا ينبغي أن يكون واضحاً ولا حاجة إلى البحث عنه.والمهم أن نبحث قاعدة التسامح في أدلة السنن والتي هي أخبار من بلغ، وقد ذكر صاحب الوسائل هذه الأخبار في أوّل الوسائل في مقدمة في العبادات والتي ترتبط بالعبادات بشكل كلّي، وفي الباب الثامن عشر من مقدمة العبادات من الجزء الأول ذكر تسعة أحاديث في هذا المجال نقرأ حديثين منها:-

الأول:- الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال:- ( من سمع شيئاً من الثواب على شيء فصنعه كان له وإن لم يكن على ما بلغه )[1] ، أي افترض أن البلوغ كان خاطئاً ولكن الله تعالى يعطيه هذا الثواب، فهل يستفاد من هذه الصحيحة الاستحباب بالعنوان الثانوي مادام بلغ ولو من طريق ضعيف أو لا ؟

الثاني:- رواية محمد بن مروان عن أبي عبد الله عليه السلام قال:- ( من بلغه عن النبي صلى الله عليه وآله شيء من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبي كان له ذلك الثواب وإن كان النبي لم يقله )[2] .


[1] وسائل الشيعة، العاملي، ج1، ص81، أبواب مقدمة العبادات، ب18، ح6، ط آل البيت.
[2] وسائل الشيعة، العاملي، ج1، ص81، أبواب مقدمة العبادات، ب18، ح4، ط آل البيت.