الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/01/17

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - التنبيه الأول ( اشتراط عدم الأصل الحاكم ) - تنبيهات أصالة البراءة - مبحث الأصول العملية.

وفي هذا المجال ذكر السيد الخوئي(قده):- أن الميتة عنوان وجودي بينما عدم التذكية أمر عدمي فهما متغايران ، والميتة التي هي أمر وجودي هي زهاق الروح بغير سبب الشرعي فصار أمراً وجودياً فغذاُ الميتة هي أمر وجودي لأنها عبارة عن زهاق الروح غايته بطريق غير شرعي ، فصار بذلك مغايراً إلى عدم التذكية فعدم التذكية امر عدمي وأما الميتة عبارة عن أمر وجودي لأنها عبارة عن زهاق الروح بغير السبب الشرعي ، وكون الميتة عبارة عن زهاق الروح بغير سبب شرعي هي دعوى ، بل لنقل إنَّ الميتة هي عدم الحياة ولكن بسبب غير شرعي فنفسرها بأمر عدمي ؟ يقول(قده) إنَّ في كتب اللغة فسّرت الميتة بالأمر الوجودي، فمرة في مصباح الأصول[1] نقل عن مجمع البحرين، وفي التنقيح[2] نقل عن المصباح المنير للفيومي، ومرة استند إلى فهم المتشرعة كما في فقه الشيعة[3] وأن المتشرعة يفهمون من الميتة العنوان الوجودي يعني زهاق الروح بغير سبب شرعي حيث قال:- ( لأنها في عرف المتشرعة عبارة عن استند موته إلى سبب غير شرعي ).

وأما بالنسبة إلى الحكم:- فقال هناك حكمان يترتبان على عدم التذكية وحكمان يترتبان على عنوان الميتة أما الحكمان اللذان يترتبان على عدم التذكية فالأول منهما عدم جواز الأكل يعني جواز الأكل وعدمه مترتب لا على عنوان الميتة وإنما على عنوان عدم التذكية والحكم الثاني المترتب على عدم التذكية هو عدم جواز الصلاة فإن الصلاة لا تجوز في غير المذكى سواء كان ميتة أو غير ميتة فإن هذا ليس مهما بل المهم أن يكون غير مذكى فإذا كان غير مذكى فلا تصح الصلاة فيه.

والدليل على ذلك:-

أما بالنسبة إلى الحكم الأول:- فالآية الكريمة ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم﴾[4] ، والشاهد هو قوله تعالى ﴿ إلا ما ذكيتم ﴾ يعني إلا ما ذكيتم فلا يحرج عليكم أكله والذي لم يُذَكَّ حرّم عليكم أكله فالآية الكريمة واضحة في أن غير المذكى يحرم أكله.

إن قلت:- إن الآية الكريمة كما يستفاد من ذيلها حرمة غير المذكى من صدرها أيضاً يستفاد منها حرمة عنوان الميتة أيضاً لأنها قالت ( حرمت عليكم الميتة ) فبالتالي سوف يصير الموضوع ما هو هل هو الميتة أو غير المذكى ؟

والجواب:- إنه لا من ذلك، فأيهما تحقق كفى ذلك في الحرمة ، فعنوان الميتة إذا تحقق كفي في الحرمة وكذلك غير المذكى لو تحقق كفى في الحرمة أيضاً فأيهما تحقق كفى حينئذٍ وأحياناً يتحقق عنوان الميتة كما إذا جزمنا بأنَّ هذا الحيوان لم يذكَّ كأن لم يذبح إلى القبلة أو لم تُفرَ الأوداج فإذا جزمنا بعدم التذكية فتصدق الميتة أيضاً وتظهر الثمرة في صورة الشك، كما لو فرض أنه في مورد شككنا ولا توجد أمارة على التذكية كيد المسلم - كما لو سافرنا إلى الهند - ففي مثل هذه الحالة لا يصدق عنوان الميتة لأني لا أجزم بأنه زهقت روحه بسببٍ غير شرعي ولكن عنوان التذكية لا أحرزه والأصل عدم التذكية فتثبت الحرمة من ناحية عدم التذكية وليس من ناحية الميتة.

إذاً الثمرة في ترتب الحرمة على هذين العنوانين لا تظهر في صورة الجزم بعدم التذكية وإنما تظهر في مورد الشك فهناك عنوان الميتة غير محرز ولكن عنوان عدم التذكية يمكن اثباته بواسطة الأصل وحينئذٍ يحرم الأكل.

وأما بالسبة إلى الحكم الثاني الذي يترتب على عدم التذكية:- فهو عدم جواز الصلاة، فإنَّ الصلاة لا تجوز في جلود الميتة وأيضاً لا تجوز في غير المذكى زيفي واحد منهما فإذا كان الشيء غير مذكى فحينئذٍ لا تجوز الصلاة فيه وإن لم يثبت أنه ميتة ولكن مادام لم يثبت أنه مذكى فلا تجوز الصلاة فيه والمستند في ذلك موثقة ابن بكير:- ( سأل زرارة أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في الثعالب والفنك[5] والسنجاب وغيره من الوبر فأخرج كتاباً زعم أنه املاء رسول الله صلى الله عليه وآله:- أنَّ الصلاة في وبر كل شيء حرامٍ أكلُهُ فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شيء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة يصلى في غيره مما أحل الله أكله ، ثم قال:- يا زرارة هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله فاحفظ ذلك يا زرارة فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شيء منه جائز إذا علمت أن ذكي ذكّاه الذبح، وإن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كل شيء منه فاسدة ذكاه الذبح أو لم يذكه )[6] ، والرواية واضحة في أنه يشترط في صحة الصلاة أن يكون الملبس من المذكّى، والذي لا يؤكل لحمه لا تصح الصلاة فيه.

وهناك حكمان لعنوان الميتة:-

الحكم الأول:- هو النجاسة، فهي نجسة.

الحكم الثاني:- عدم جواز الانتفاع، فإذا كان يوجد جلد من ميتة فالانتفاع به ليس بجائز حتى لو فرضنا أنَّ الجلد طاهر ولكن مادام هو من غير الميتة لا يجوز الانتفاع به ، والدليل على أنه نجس وعلى أنه لا يجوز الانتفاع به هو أننا لا نحتاج إلى رواية بل يكفينا الأصل ، أما بالنسبة إلى النجاسة فنحن نشك أنَّ غير المذكى هو النجس أو خصوص الميتة فمقتضى أصل الطهارة الاقتصار على القدر المتيقن وهو الميتة، أما غير المذكى فنشك في نجاسته فنجري أصل الطهارة، أما الميتة فهذه قدرٌ متيقن، فنجاسة موجودة ولكن لا ندري هل هي ثابتة لعنوان غير المذكى أو هي ثانية لعنوان الميتة أو لكليهما فنقول هي ثابتة لعنوان الميتة لإجراء أصل الطهارة بلحاظ عنوان غير المذكى ، وأما جواز الانتفاع فالأمر كذلك فنقول نحن نشك هل يجوز الانتفاع بغير المذكى أو لا يجوز فالأصل يقتضي الاباحة، فينحصر عدم الجواز حينئذٍ بالميتة فالقدر المتيقن هو الميتة لا يجوز الانتفاع بها وأما الزائد على ذلك - وهو غير المذكى - نشك هل أنه ثبتت حرمة الانتفاع له أو لا فنجري أصل البراءة والقدر المتيقن من حرمة الانتفاع هو الميتة.


[1] مصباح الأصول، الخوئي، ج2، ص362.
[2] تنقيح الأصول، الخوئي، ج2، ص450.
[3] فقه الشيعة، السيد مهدي الخلخالي، ج3، ص388 و389.
[4] المائدة/السورة5، الآية3.
[5] الفنك يقال هي دويبة صغيرة يصنع منها الفرو.
[6] وسائل الشيعة، العاملي، ج4، ص345، أبواب لباس المصلي، ب2، ح1، ط آل البيت.