الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

40/10/26

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- التنبيه الأول ( اشتراط عدم الأصل الحاكم ) - تنبيهات أصالة البراءة - مبحث الأصول العملية.

ولتوضيح الحال أكثر نقول:- هناك احتمالات ثلاثة في معنى التذكية:-

الاحتمال الأول:- إن التذكية عبارة عن نفس فري الأوداج زائداً استقبال القبلة و ..... ، فنفس مجموع هذه الأمور هي التذكية ، وبناء على هذا سوف تصير التذكية أمراً مركباً ، وواحد من هذه الأمور الأربعة هو وجود خصوصية في المحل ، لأنه ليس كل الحيوانات تقبل التذكية ، بل بعضها يقبل التذكية وبعضها الآخر لا يقبلها ، فحينئذٍ واحد من اجزاء التذكية هو خصوصية المحل ، مثلاً إذا قلنا أن لا يكون سبعاً فإنَّ عنوان السباع لا تقبل التذكية مثلاً فهذا معناه أنها خصوصية وهي أن لا يكون الحيوان سبعاً وإلا إذا كان سبعاً فالسباع لا تقبل التذكية.

الاحتمال الثاني:- أن تكون التذكية أمراً بسيطاً ، يعني هي عنوان بسيط ، وبناءً على هذا تارةً نقول إنَّ التذكية هي عنوان بسيط مسبَّب عن هذه الأمور ، فالتذكية مسبَّب وتلك الأمور التي منها الخصوصية هي سبب ، وتارةً نقول إنَّ التذكية عنوان بسيط وهذا العنوان ليس مسبَّباً عن هذه الأمور الثلاثة أو الأربعة بل هو عين هذه الأمور الأربعة.

والفارق بين هذا الاحتمال وسابقه:- أنه على السابق تصير العلاقة بين التذكية وبين هذه الأمور علاقة السبب والمسبب فالتذكية مسببة عن هذه الأمور الأربعة بينما على الاحتمال الثالث تصير التذكية متحدة مع هذه الأمور كاتحاد العنوان مع معنونه فإن العنوان والمعنون واحد وبينهما اتحاد لا أنَّ العنوان شيء والمعنون شيء آخر.

ومن هذا اتضح أن التذكية على الاحتمال الأول تكون أمراً مركباً لأنها عين هذه الخصوصيات ، بينما على الاحتمالين الأخيرين تصير أمراً بسيطاً ولكن هذا الأمر البسيط تارةً يكون هو عين هذه الأمور الأربعة وأخرى يكون مسبباً عنها.أما كيف يتأثر جريان الأصل بهذه الاحتمالات ؟ سيأتي بعد قليل.

ونتمكن أن نضرب مثالاً ثانياً ليتضح مثال التذكية:- وهو مثال الوضوء ، فهل الوضوء أمر بسيط أو هو أمر مركب ، ومن الواضح أنَّ التعبير بالوضوء هو من باب ضيق التعبير وإلا فهو ليس بصحيح ، فإنه في باب التذكية التذكية مطلوبة بعنوانها ﴿ فكلوا مما ذكيتم ﴾ فإنَّ التذكية هي مصب الحكم أما في باب الوضوء فلا يوجد حكم منصب على عنوان الوضوء نعم قد يوجد ذلك في الروايات ولكنه يؤخذ بنحو المشيرية أما واقع الحال كما في الآية الثانية ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا .... ﴾ فالواجب هو الغسلات والمسحات أما عنوان الوضوء ليس بمتعلق للوجوب ولكن نحن الآن نذكره من باب الاستعانة به لإيصال الفكرة وإلا المناسب حذفة ، وإذا أردنا أن نحذفه فنقول:- هل الواجب في باب الطهارات عنوان بسيط أو عنوان مركب ؟

إنَّ الاحتمالات في ذلك ثلاثة:-

الأوّل:- أن يكون المطلوب شيئاً مركباً وهو الغسلات والمسحات كما يعطيه ظاهر الآية الكريمة ﴿ إذ قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم ...... وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم ﴾ فهو غسلات ومسحات بمقتضى ظاهر الآية الكريمة ، أو نقول إنَّ الواجب ليس نفس الغسلات والمسحات وإنما الواجب - إن صحّ التعبير - هو الطهارة ، وهنا يوجد احتمالان ، فإما أن تكون هي الطهارة المتحدة مع الغسلات والمسحات ، أو تكون هي الطهارة المسبَّبة عن الغسلات والمسحات ، فتوجد احتمالات ثلاثة في باب الوضوء ، وتظهر الثمرة فيما إذا شككنا في أنه هل تعتبر الموالاة أو لا فإنها لم تذكر في الآية الكريمة مثلاً ، أو المضمضة ليست مذكورة في الآية الكريمة فهذا الشرط المشكوك هل نتمكن أن ننفيه ونقول إنَّ الأصل هو براءة المذمة حيث إنَّ المطلوب هو هذه الأمور والزائد منفي بالبراءة ؟

والجواب:- إنه بناءً على كون الواجب هو نفس الغسلات والمسحات فهذا مركب وقد انصبّ الوجوب على هذا المركب ولم ينصبّ شيء منه على المضمضة أو الموالاة فنجري أصل البراءة ، وأما بناءً على أنها أمر بسيط فإن قلنا بأنَّ هذا الأمر البسيط هو متحّد مع الغسلات والمسحات فأيضاً يوجد مجال لإجراء البراءة عن غير هذه الأمور ، فإنَّ المطلوب هو الطهارة المنطبقة على هذه الأمور الأربعة ، وأما الطهارة المنطبقة على هذه الأمور زائداً المضمضة مثلاً فذاك نشك في تعلّق التكليف به فنجري البراءة عنه.

وأما على الاحتمال الثالث - وهو أن يكون الواجب هو المسبَّب - فقد يقال:- إنَّ الواجب هو المسبب وهو أمر وحداني وليس مركباً ، فعلى هذا الأساس لا معنى لإجراء البراءة عن اعتبار الزائد أعني المضمضة ، لأنَّ متعلّق الوجوب ليس هو المضمضة ونحوها ، وإنما متعلق الوجوب هو المسبَّب أعني الطهارة التي هي أمر بسيط ، فإذاً البراءة ربما يقال هي تجري على الاحتمالين الأوّلين ولا تجري على الاحتمال الثالث.وأما في مثال التذكية فلنلاحظ هل استصحاب عدم تحقق التذكية هل يجري أو لا ؟

والجواب:- إنه بناءً على كون التذكية أمراً بسيطاً إما عين هذه الخصوصيات الأربع أو هو مسبب فعلى كلا التقديرين التذكية هي عوان بسيط فنشك أنَّ هذا العنوان البسيط هل تحقق من دون تحقق الخصوصية - وهي قابلية المحل - فمن دون تحقق الخصوصية التي هي احراز قابلية المحل نشك هل تحققت التذكية أو لا ؟ فقبلاً هذا العنوان البسيط جزماً لم يكن متحققاً وبعد أن تحقق الفري وبقيّة الخصوصيات نشك في تحقق الأمر البسيط - يعني التذكية - فنستصحب عدم تحقق ذلك العنوان البسيط ويتم ما أفاده العلمان الخراساني والشيخ الأعظم ، وأما إذا قلنا إنَّ التذكية ليست عنواناً بسيطاً وإنما هي عنوان مركّب وهي ومتّحدة مع الفري وغير ذلك فاستصحاب عدم التذكية لا يمكن اجراؤه ، لأنها ليست أمراً بسيطاً حتى تقول إنه قبلاً لم تكن التذكية موجودة والآن لم تكن أيضاً ، فلابد وأن نلاحظ الخصوصيات ، فالفري تحقق جزماً والقبلة تحققت جزماً وهكذا البقية وأما الخصوصية هل هي موجودة في هذا الحيوان الذي نريد أن نذكيه أو لا فلا يوجد مثبت لتحققها أو لعدم تحققها.

وإن شئت قلت:- إذا كانت التذكية أمراً مركباً فإحرازها يكون بإحراز هذه الأمور والفري محرز والقبلة محرزة وغير ذلك محرز ولكن بقيت الخصوصية وهي قابلية المحل هل هي موجودة في هذا الحيوان أو ولا يوجد أصل ينقح تحقق هذ الخصوصية أو عدم تحققها ، لأنه لا تتوجد حالة سابقة لهذه الخصوصية ، فعلى هذا الأساس لا يمكن احراز عدم تحقق التذكية ، فكما لا يمكن احراز عدم تحقق التذكية لا يمكن احراز عدم التذكية ، فلا يتم ما أفاده العلمان ومن أننا نستصحب عدم التذكية ، ونقول لهما إنَّ هذا يتم فيما لو كانت التذكية أمراً بسيطاً متّحداً مع الخصوصيات أو مسبَّباً ، أما إذا كانت التذكية أمراً مركّباً من هذه الأمور فلابد من احراز هذه الأمور لاحراز التذكية ، والخصوصية - وهي قابلية التذكية - لا نحرزها لا سلباً ولا ايجاباً فبالتالي لا نحرز التذكية.

إذاً اتضح أنه يوجد مجال للتفصيل خلافاً للعلمين ، فإنهما اطلاقا وقالا إنه متى ما شككنا في أنَّ الحيوان مذكى أو لا فنجري أصالة عدم التذكية ، بينما اتضح أنَّ المناسب هو التفصيل.

ويمكن أن يدافع عن العلمين ويقال:- إنهما ليسا في صدد التفصيل وإنما هما في صدد الاجمال من هذه الناحية فهما يريدان أن يقولا إذا كان هناك مجال لأصالة عدم التذكية فيجري ويكون حاكماً على أصالة البراءة ، أما أنَّ أصالة عدم التذكية متى تجري وأنها هل تجري مطلقاً أو في الجملة فليسا في صدده ، والمناسب كما ذكرنا التفصيل ، وهذه قضية ظريفة في باب التذكية وفي باب الوضوء.