الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

40/10/18

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- أدلة الاخباريين على وجوب الاحتياط- مبحث الأصول العملية.

والجواب:- إذا كان تنجيز ما قامت عليه الأمارة يثبت بعد وصول الأمارة وبعد الاطلاع على الأمارة فالإشكال تام ، ولكننا نقول إنَّ التنجيز ثابت قبل وصول الأمارة - يعني حينما حصل العلم الاجمالي في أوائل البلوغ حيث حصل علم اجمالي بوجود أحكامٍ تحريمية في الشريعة - ففي ذلك الوقت حصل تنجيزٌ للأطراف ، كيف والحال أنَّ الأمارة لم تصل إليَّ بعدُ فكيف يثبت التنجيز من البداية - يعني مقارناً للعلم الاجمالي - فمن أين لك هذا ؟ نقول:- إنَّ المكلف عادةً يعلم بوجود أمارات ترشد إلى المحرّمات ، ومادام يعلم بوجود أمارات ترشد إلى تلك المحرّمات المائة ففي مثل هذه الحالة يصير احتمال وجود الأمارة في كلّ طرف منجّز عقلاً مادمت تعلم بوجد أمارات ، فيصير كلّ طرف قد ثبت فيه التنجيز بمجرّد احتمال وجود الأمارة بعد علمك بوجود أمارات ، لأننا في أوائل البلوغ نعلم بوجود روايات تدل على محرّمات ، فإذا كنت تعلم بوجود روايات فحينئذٍ يصير احتمال وجود الأمارة - لا وصول الأمارة - هو منجّز ، وهذا الاحتمال موجود في كل طرفٍ طرف ويزول التنجيز عن الطرف فيما إذا تم الفحص وحصل الاطمئنان بعدم وجود أمارة ، فإذا قبلنا بأنَّ احتمال وجود الأمارة هو منجّز مادمنا نعلم بأنَّ المحرّمات المائة توجد عليها أمارات وإلا فالشارع المقدّس لا أنه يثبت تحريمات من دون مدرك وإنما توجد أمارات تدل عليها فيصير احتمال وجود الأمارة منجّزاً ، فإذا كان منجّزاً فقد حدث العلم الاجمالي مع منجّزٍ آخر وهو احتمال وجود الأمارة فيسقط العلم الاجمالي آنذاك عن التنجيز بعد هذا لأنَّ المنجّز لا يتنجز ، فهو متنجّز من الأوّل بالاحتمال فالعلم الاجمالي هنا لا ينفع شيئاً ، والتأكيد هنا لا معنى له ، لأنَّ المطلوب هو اثبات أصل التنجيز لا تأكد التنجيز ، فلا تشكل عليَّ وتقول إنَّ هذا مثل صلاة الظهر وشخص ينذر الاتيان بها فيصير وجوباً مؤكداً ، أما هنا فأصل التنجيز لا يمكن أن يثبت بسببيين ، فمادام قد ثبت التنجيز باحتمال وجود الأمارة فالعلم الاجمالي آنذاك يسقط عن التنجيز لمقارنته بتنجيزٍ أسبق أو مقارنٍ له ، وإذا سقط وبقينا نحن وهذا المنجِّز الثاني - وهو احتمال وجود الأمارة - نقول إنه إذا شككنا في أنَّ التدخين حرام أو ليس بحرام وفحصنا عن الأمارة ولم نجدها فهو قد خرج عن الطرفية للعلم الاجمالي ، فيجري فيه أصل البراءة من دون معارض ، لأنَّ الفقيه بالفحص يحصل عادةً على مقدار المعلوم بالاجمال ، فإذا حصل عليه فيخرج حينئذٍ بقية الأطراف عن طرفية العلم الاجمالي ، لأنَّ الفقيه يبحث فلا يجد أمارة تدل على التحريم فيجري أصل البراءة بلا معارض.

وبهذا يندفع الاشكال عن الجواب الخامس والجواب السادس:-

أما اندفاعه عن الجواب الخامس:- فإنَّ الجواب الخامس كان يقول إنَّ شرط تنجيز العلم الاجمالي أن لا يكون هناك تنجيز لبعض الأطراف قبل أو مقارن للعلم الاجمالي ، وهنا المفروض أنه يوجد منجّز آخر وهو احتمال وجود الأمارة ، فالعلم الاجمالي يسقط ، فإذا سقط عن التنجيز فيجري أصل البراءة في بقية الأطراف التي ليس فيها أمارة بلا معارض ، لأنَّ العلم الاجمالي الأوّل بوجود محرّمات قد سقط.

وأما على الجواب السادس الذي لا يشترط في منجزية العلم الاجمالي أن لا يكون منجّزاً بمجزٍ آخر فنقول:- إنَّ الأصول متعارضة ، فمن البداية حينما حدث العلم الأول الأصول متعارض مادمنا نحتمل وجود الأمارة في كل طرف ، أما إذا فحصنا ولم نجد أمارة خرج الطرف عن الطرفية للعلم الاجمالي - عن احتمال وجود الأمارة - فيجري فيه أصل البراءة بلا معارض ، ولا يخفى لطفه.

وهذا الجواب يرتكز على مطلبين:-

الأول:- نحن كما نعلم بوجود أحكام تحريمية يوجد عندنا علم ثانٍ بوجود أمارات على تلك المحرّمات وهذا العلم الثاني مقارن للعلم الاجمالي الأوّل ، لأنَّ كل شخص في أوائل بلوغه عنده علم بالمحرّمات ، وهذا العلم ناشئ إما من الآيات أو الروايات الدالة على ذلك ، فهو مقارنٌ ، فإذا صار مقارناً فحينئذٍ العلم الأول لا ينجّز ، فيصير احتمال وجود الأمارة التي يمكن العثور عليها لو فحصنا هو المنجّز ، فهذا العلم الثاني هو الذي يكون منجّزاً ، فتتعارض الأصول في الأطراف ، ولكن تتعارض الأصول في الأطراف مادامت الأطراف موجودة ، فإذا فحصنا ولم نجد أمارة تدل على ذلك خرج حينئذٍ عن الطرفية ، وحينئذٍ يبقى التعارض في بقية الأطراف أما هذا الطرف فقد خرج ، وهكذا كل طرف فحصنا عنه ولم نجد فيه أمارة يخرج من الطرفية للعلم الاجمالي ولا مشكلة من جريان أصل البراءة فيه.