الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

40/10/12

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- الاستصحاب في الشبهات الموضوعية - أصل البراءة- مبحث الأصول العملية.

ويمكن للسيد الخوئي(قده) أن يجيب ويقول:- إنه لو كنا نحن وهذا العلم الاجمالي لكان ما ذكر وارداً ، ولكن خبر الثقة قد ثبتت حجيته بأدلة أخرى غير العلم الاجمال من آيات وروايات ، فإذاً الدليل على حجية خبر الثقة في غير مورد الاتحاد هو الأدلة الأخرى من آيات وغير ذلك فلا يلزم إشكال من هذه الناحية.

أما أنه يبقى ما ذكره السيد الخوئي(قده) من أنَّ العلم الاجمالي يختص بمورد الاتحاد فقد قلنا إنَّ هذه الدعوى عهدتها عليه ، بل يمكن أن يدَّعى أنَّ الأمارات غير المعتبرة يعلم بإصابة بعضها حتى في مورد انفرادها لا أنه يختص بمورد الاتحاد ، فما ذكره قضية قد لا تكون مسلّمة ويدّعى أنه يوجد علم اجمالي بحقانية واصابة بعض الأمارات غير المعتبرة في مورد الانفراد أيضاً ، فيلزم حجيتها ، وهل تلتزم ذلك ؟!! ، نعم إذا بقي السيد الخوئي(قده) مصراً على أنه لا يوجد علم في مورد الانفراد فلا مشكلة ، ولكن من حق شخصٍ أن يقول يوجد علم في مورد الانفراد - لأنَّ هذه قضايا ليست برهانية أو علمية وإنما هي وجدانية - ، والأمر سهل.

الجواب الرابع:- وهو ما أفاده السيد الخوئي(قده) [1] ، وحاصله هو أنه بناءً على مسلك جعل العلمية ينحل العلم الاجمالي.

وتوضيح ذلك:- إننا نسلّم بوجود علم اجمالي في دائرة المشتبهات بوجود بعض المحرّمات فيها ، إذ لا يحتمل أن كل الشبهات مباحة ولا يوجد فيها بعض المحرّمات ، ولكن نقول إذا وردت أمارات معتبرة - كخبر الثقة - فإذا ورد خبر الثقة في هذا المورد وقال إنَّ هذا الشيء حرام مثلاً - أو أنه قال هو حلال - ففي مثل هذه الحالة بناءً على مسلك جعل العلمية في باب الأمارة سوف يزول الشك ، فإذا زال الشك في هذا المورد الذي قامت فيه الأمارة وفي المورد الثاني أيضاً نفترض أنه قامت الأمارة على أنه حلال فأيضاً يزول الشك ... وهكذا ، فإذا قامت على الحرمة في مائة مورد ففي مثل هذه الحالة سوف يزول الشك ، لأنَّ هذا هو لازم مسلك جعل العلمية ، وإذا زال الشك زال العلم الاجمالي ، فإنَّ العلم الاجمالي متقوّم بعلمٍ بالجامع بوجود حرمة وشكوك بعدد الأطراف ، فهذه الشكوك سوف تزول عند مجيء الأمارة بناءً على مسلك جعل العلمية فإذا زال الشك زال العلم الاجمالي ، لأنَّ العلم الاجمالي متقوّم بـ( إما وإما ) - يعني بالشكوك - وكلمة ( إما وإما ) تزول بعد قيام الأمارة على مسلك جعل العلمية فيلزم زول العلم الاجمالي بيد أنه زوال تعبّدي وليس زوالاً حقيقياً ، فإنه حقيقةً لا يزول وإنما يزول بالتعبّد ، لأنَّ الشارع عبّدنا بأنَّ الأمارة علم فإذا عبّدنا بذلك فقد عبّدنا بزوال الشك وإذا عبّدنا بزوال الشك فقد عبّدنا بزوال العلم الاجمالي لأن العلم الاجمالي متقوّم بشكوك بعدد الأطراف ، فإذاً حصل بذلك انحلال للعلم الاجمالي ولكنه انحلال تعبّدي وتبقى الأطراف الأخرى التي ليس فيها أمارة معتبرة لا يوجد فيها علم اجمالي بعد حذف هذه الأطراف التي دلت عليها الأمارة المعتبرة - لأنه قد حصل علم بأنه لا حرمة فيها - فتبقى الأطراف البقية أقصى ما فيها الشك البدوي فيجري أصل البراءة بلا مانع.

ويردّه:- إنَّ عنوان العلم الاجمالي كعنوان ليس بمهم حتى يقول السيد الخوئي(قده) إذا زال بسبب زوال الشوك فقد زال العلم التنجيز.

وإذا اتضح هذا نقول:- إذا قامت الأمارة على أنَّ هذا الطرف حرام نسلّم بأنه قد زال الشك في حرمة هذا الطرف وتبدّل إلى علمٍ بحرمته ، ولكن نسأل السيد الخوئي(قده) ونقول له صحيح أن الشك قد زال هنا ولكن العلم بجامع الحرمة هل زال أيضاً أو هو باقٍ ؟ إنه باقٍ لأنَّ الأمارة تزيل الشك ولا تزيل العلم ، فالشك قد أزالته أما العلم بجامع الحرمة بعدُ موجود وإذا كان بَعدُ موجوداً يعني أنا أعلم وجود محرّمات في هذه الأطراف كلها فحينئذٍ يبقى المنجِّز ثابتاً وهو العلم بوجود المحرّمات ، لأنّ العلم بَعدُ موجود ولم تزله الأمارة إنما الأمارة قد أزالت الشك بلحاظ هذا الفرد ولم تزله بلحاظ جامع الحرمة فإذا كان الجامع بَعدُ موجوداً فتحتاج إلى مؤمّنٍ وليس المؤمّن إلا أن تقول إنه في المورد الذي قامت فيه الأمارة إنه حيث قامت الأمارة المعتبرة على الحرمة فلا يجري أصل البراءة ، فيبقى أصل البراءة جارياً في بقية الأطراف - والمقصود من بقية الأطراف هي الفاقدة للأمارة الدالة على حرمتها - بلا معارض ، هكذا لا بد ان يكون الأمر وإذا كان هكذا فمن الأول لنقل به بلا حاجة إلى فكرة الانحلال التعبدي ، فمن بالداية قل إذا قام قسم من الأمارات المعتبرة على الحرمة في عددٍ من أطرف العلم الاجمالي كمائة طرف مثلاً ففي المائة طرف هذه لا يجري أصل البراءة لوجود الأمارة المعتبرة وأما في الأطراف الباقية فيوجد شك بدوي ولا علم اجمالي فيجري أصل البراءة بلا معارض ، وهذا طريق سهل من دون حاجة إلى فكرة الانحلال التعبّدي.

[1] مصباح الأصول، الواعظ الحسيني، السيد محمد؛ تقرير بحث السيد أبو القاسم الخوئي، ج2، ص354.