الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

40/08/03

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- ما هو وجه التعبير بالخطأ والنسيان ؟ ، كيف توجيه الامتنان في بعض الفقرات ؟ - أصل البراءة- مبحث الأصول العملية.

النقطة الثانية عشر:- ما هو وجه التعبير بالخطأ والنسيان ؟

والمقصود إنه لو قرانا حديث الرفع نجد أن أكثر فقراته يذكر ( ما ) الموصولة ، مثل ( رفع ما اضطروا ) و ( ما أخطأوا ) ... وهكذا ، ولكن حينما وصل إلى النسيان عبّر بـ( رفع النسيان ) ولم يقل ( ما نسوا ) ، وهكذا الخطأ ، فلم يقل ( ما أخطأوا ) حتى يصير على منوال بقية الفقرات ، فهل هناك نكتة لذلك أو أنه لا توجد نكتة - وهذه قضية ليست مهمة - ؟

تعرض الشيخ النائيني(قده)[1] إلى هذا التساؤل:- حيث ذكر أنَّ المقصود من النسيان وأنه رفع النسيان يعني ما نسوا ورفع الخطأ يعني ما أخطأوا ، لا أنه رفع نفس الخطأ ، وإلا إذا كان المقصود رفع نفس الخطأ أو النسيان فسوف تصير القضية عكس المقصود ، فإذا رفع نفس النسيان فهذا معناه أنَّ النسيان صار بحكم العدم ، وبالتالي صار الحديث ليس حديث منَّة ، لأنَّ المنَّة تصير بالتخفيف ، وهنا إذا رفع الحديث نفس النسيان فهذا يعني أنه أبدله بعدم النسيان ، وهذا عكس المنَّة وعكس المقصود ، وهكذا بالنسبة إلى الخطأ ، فإذاً المقصود من الخطأ والنسيان يعني ما أخطأوا وما نسوا كبقية الفقرات.

وهذا كما ترى ليس إلا تكراراً واعادة لنفس التساؤل من جديد فهو لم يصنع شيئاً فإنَّ سؤالنا هو أنه لماذا قالت الرواية رفع النسيان ولم تقل ما نسوا وهو يقول إنَّ المقصود هو ما نسوا وهذا لا يصير جواباً ، فصحيح أنَّ المقصود هو ما نسوا ولكن لماذا لم يقل ما نسوا وإنما عبّر بالنسيان ، فالإشكال بعدُ موجودٌ ولم يدفعه.فإذاً ما هي النكتة في التعبير بنفس الخطأ أو النسيان ؟

والجواب:- يحتمل أنَّ الحدث ليس في صدد رفع ما نساه الشخص فقط بل الآثار التي ترتب على نسيانه بعد ذلك والتي هي ليست متعلق النسيان ، فتلك أيضاً مرتفعة ، مثلاً لو فرض أنَّ الانسان نذر أن لا يبيع داره ولكنه نسي نذره فباع داره واشترى داراً ثانية بالمال وحجّ ببقية المال ، يعني أنَّ هناك أموراً ترتبت على هذا النسيان ، فالذي نساه هو النذر ولكن حصلت أشياءً أخرى ليست متعلقاً للنسيان وإنما هي أمور ترتبت على نسيان النذر ، فلو كان الحديث يقول رفع ما نسوا فالذي يرتفع حينئذٍ هو حرمة البيع فقط لأنه كان ناذراً حرمة البيع ، بينما الحديث يريد أن يرفع حرمة البيع وبقية الآثار من شراء الدار الثانية فهو جائز أيضاً والسفرة التي سافر بها إلى الحج تكون جائزة أيضاً وبقية الأمور الأخرى ، فإذاً التعبير برفع النسيان يشمل المنسي وما ترتب على المنسي ، بينما إذا عبّر بما نسوا فالمرفوع يصير هو مخالفته للنذر فقط وبعبارة أخرى بيعه للدار ، أما شراء الدار الثانية بهذه الأموال وحجّه فسوف لا يكون شمولاً ، فهذا احتمال ، وسواء كان هذا التوجيه وجيهاً أو لا فلا يوقفنا ذلك عن الأخذ بحديث الرفع.

النقطة الثالثة عشر:- كيف توجيه الامتنان في بعض الفقرات ؟

نحن نعرف أنَّ هذا الحديث امتناني ولكن هناك بعض الفقرات قد يصعب فيها تصور المنَّة مثل النسيان ، فالنسيان شيء ليس باختيار الانسان فحينئذٍ رفعه لازم وليس هناك امتنان ، لأنَّ قضية النسيان ليست اختيارية فمادامت ليست اختيارية ، فعلى هذا الأساس لا معنى للامتنان بلحاظ النسيان ، وهكذا بالنسبة إلى الخطأ ، فإنَّ الخطأ يحصل قهرياً للإنسان وخارج عن اختياره فالرفع لا يكون امتنانياً بلحاظه ، إنما تتصور الامتنانية فيما إذا كان بإمكاني أن لا أفعل هذا الشيء ولكنه صدر مني فيأتي المولى ويمتن بالرفع ، أما إذا كان صدور الشيء ليس بالاختيار فالنسيان ليس بالاختيار فرفع المؤاخذة لا معنى لأن يكون امتنانياً ؟ ، هذا إشكال يتوجه على فقرات النسيان والخطأ وما لا يطيقون ، فإذا لم أطق فما معنى الامتنان في الرفع فإني لا أتمكن منه؟!! ، فأيضاً الامتنانية لا تتصور في هذه الأمور.

وهذا الاشكال ربما يسّرى إلى الآية الكريمة ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ ، فأيّ دعاء هذا ؟!! ، فأنا إذا نسيت فقد نسيت فما معنى أن أطلب من الله عزّ وجلّ أن لا يؤاخذنا إن نسينا ؟ ، فإذاً الإشكال سيّال بالنسبة إلى هذه الآية الكريمة.

والجواب:- إنَّ النسيان ليس دائماً غير اختياري ، إذ أحياناً يمكن للإنسان أن يتحفّظ من النسيان ، كما نحن نخلع الخاتم ونضعه في الاصبع الآخر فهذه وسيلة للتحفظ ، فإذاً النسيان ليس غير اختياري دائماً ، بل أحياناً يكون اختيارياً إذ يمكن للإنسان التحفّظ ولا يتحفّظ ، فلو فرض أنه لم يصنع هذا فسوف يصير النسيان ناشئاً عن تقصيره ، ولذلك العقلاء يلومونه على نسيانه ، وهكذا بالنسبة إلى الخطأ ، فإنه يمكن وضع بعض المنبهات التي بسببها يحافظ على نفسه من الخطأ ، وعلى هذا الأساس تكون الامتنانية في الحديث على القاعدة ، فإنَّ الله عزّ وجل امتنَّ على العباد بأن رفع عنهم الخطأ والنسيان حتى في حالات عدم التحفّظ ، وهذا شيء مقبول.

وأما بالنسبة إلى ( ما لا يطيقون ) فهذا نظير قوله تعالى ﴿ وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين ﴾ ، فإذا كان يطيق الصوم فما معنى أنه يعطي الفدية ؟ والجواب:- إنَّ ( يطيق ) من الاطاقة ، والاطاقة هي التحمّل مع الشدة ، مثل الشيخ الكبير فإنه يتحمّل الصوم ولكنه مع الشدَّه فهذا يعبر عنه بـ ( يطيق ) ، والرواية أيضاً تريد أن تشير إلى هذا المعنى ، فـ ﴿ ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ يعني ما يمكن أن نتحمّله ولكن بصعوبة ، إما هكذا ، أو أنَّ ( رفع عن أمتي ما لا يطيقون ) يعني بعبارة أخرى ما يتحمّلونه بشدّة فهذا قد رفع عنهم ، أما في الآية الكريمة فهي قالت ﴿ ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ فهنا يوجد تعبير ( طاقة ) ، فهنا ليس من البعيد أنه يكون إشارة إلى أنه لا تعذّبنا بعذابٍ لا طاقة لنا به.

فإذاً يوجد فرقٌ بين ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما لا يطيقون ) أي ما يتحمّل ولكن بشدّة فهذا قد رُفِع ، وبين ما هو وارد في الآية الكريمة فإنَّ ﴿ ما لا طاقة لنا به ﴾ إشارة إلى العذاب ، أي يا ربّ لا تحملنا عذاباً لا نتمكن من تحمله ، وهذا أمر مقبول بالنسبة إلى العذاب الأخروي بسبب الذنوب.


[1] فوائد الأصول، النائيني، ج3، ص349.