الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

40/07/19

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- هل يمكن أن نستفيد من حديث الرفع وجود الملاك ؟ - أصل البراءة- مبحث الأصول العملية.

ويمكن المناقشة في كلا التقريبين:-

أما الأول:- فيمكن أن يقال: لعل الامتنان هو من باب أنَّ الله عزّ وجلّ قد لاحظ مواطن الضعف في المكلف ، أي لاحظ التسهيل عليه ولم يلحظ مواطن القوة فقط فإنَّ الانسان مركب من جانبين قوة ضعف ، فهو رغم كونه قوياً من جانب لكنه ضعيف من جانب آخر ، فلاحظ مواطن الضعف فيه إلى جنب مواطن القوة لا أنه لاحظ مواطن القوة فقط ، وبهذا الاعتبار يصح تحقق الامتنان ، فتحقق الامتنان لا يتوقف على وجود ملاك في الشيء بل يمكن أن يكون بهذا الحاظ ، فالامتنان بهذا الاعتبار لا بذاك الاعتبار ، فالامتنان كما يلتئم مع فرض وجود الملاك يلتئم أيضاً مع ملاحظة مواطن الضعف ، ولعل هذا الامتنان من جهة ملاحظة مواطن الضعف في المكلف لا من ناحية وجود الملاك ، ويكفينا الاحتمال ، فإذا لا يمكن أن نستكشف بقاء الملاك.

وأما بالنسبة إلى التقريب الثاني فنقول:- لعل التعبير بالرفع لأحد أمرين:-

الأول:- أن يكون ذلك باعتبار ملاحظة الأمم السابقة فإنه يمكن أن يكون في الأمم السابقة تكليف في حالة الاكراه أو الخطأ أو النسيان أو ما شاكل ، ذلك فباعتبار أنه يحتمل في الأمم السابقة - ويكفينا الاحتمال - كان ذلك موجوداً والله عزّ وجلّ يريد أن يرفع بلحاظ ثبوته في الأمم السابقة فرفع عنكم الخطأ والنسيان ، بخلافه في الأمم السابقة فإنه لم يرفع وكان ثابتاً ، فلعل التعبير بالرفع بهذا الاعتبار لا باعتبار وجود الملاك.

أو باعتبار اطلاقات أو عمومات الأدلة فإنَّ مقتضى اطلاق أو عموم الأدلة هو أنَّ التكليف ثابت حتى في موارد الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وما شابه ذلك ، فجاء هذا الحديث ليخصّص تلك الأحاديث وعبّر بكلمة الرفع مراعاة لذلك الاطلاق أو العموم ، فعبّر بالرفع باعتبار وجود الاطلاق أو العموم في تلك الأدلة المثبتة للتكليف ، فيحتمل أن يكون التعبير بالرفع لهذه النكتة وليس لنكتة ثبوت الملاك.إذاً لا يمكن أن نستكشف من التعبير بالرفع ثبوت الملاك ، إذ يحتمل التعبير بالرفع ناشئاً من كون أدلة التكليف الأولية مطلقة وشاملة لحالة السنيان والخطأ فعبّر هنا في حديث الرفع بالرفع فإذاً لا يمكن أن نستكشف ثبوت الملاك.

هذا وقد يناقش فيما ذكرناه أوّلاً:- بأنه بناءً على هذا إذا كان الامتنان بهذا الاعتبار فهذا معناه أنَّ العفل ليس فيه ملاك ، وإذا كان لا ملاك فيه في حالة الخطأ أو النسيان أو ما شاكل ذلك فحينئذٍ لا معنى للامتنان ، بل المورد يكون المورد من السالبة بانتفاء الموضوع ، إذ لا ملاك ، وحينئذٍ لا يعود مجال للامتنان حتى لو قلنا بأنَّ هذا الامتنان لعله بملاحظة مواطن الضعف في المكلف ، فأصلاً هذا لا حاجة إليه ، ولا تصل النوبة إليه ، إذ مع فرض عدم وجود الملاك حينئذٍ يكون الحكم منتفياً بانتفاء ملاكه والامتنان لا معنى له من الأساس حتى بملاحظة مواطن الضعف في المكلف.

والجواب:- ليس مقصودنا مما قلنا أنه لا يوجد ملاك أصلاً ، وإلا إذا لم يوجد ملاك فالأمر كما قلت فإنَّ المورد يصير من السالبة بانتفاء الموضوع ، وإنما مقصودنا أنه يوجد ملاك ولكمن ملاك مغلوب ضعيف ، فعلى هذا الأساس يوجد ملاك ، والحديث عبّر بما يوحي بالامتنان ليس لأجل وجود ملاك قوي ، بل لأجل ملاحظة مواطن الضعف في المكلف لم يفعَّل ذلك الملاك الضعيف.

فإذاً نحن نفترض وجود ملاك لا أنه لا يوجد ملاك أصلاً حتى يصير المورد من السالبة بانتفاء الموضوع ، لكن الامتنان ليس بملاحظة أنه يوجد ملاك قوي ومع ذلك الله عزّ وجلّ رفع الحكم بل ذلك بسبب أنه يوجد ضعيف والامتنان كان بملاحظة مواطن الضعف في حق المكلف.إذاً هذا الاشكال مندفع.

وقد يشكل على ما ذكرناه ثانياً:- بأنه من البعيد أن يكلف الله عزّ وجلّ الأمم السابقة بما لا يطاق أو في حالة النسيان أو الاكراه.

فإذاً احتمال وجود تكليف في حق الأمم السابقة في حالة عدم الاطاقة أو في حالة النسيان وما شاكل ذلك والله عزّ وجلّ رفعه عن الأمة الاسلامية والتعبير بالرفع بملاحظة ثبوته في حق الأمم السابقة ضعيفٌ باعتبار أنه من البعيد أنَّ يكلف الله عزّ وجلّ الأمم السابقة في موارد عدم الاطاقة والنسيان وما شاكل ذلك.

والجواب:- افترض أنَّ ما ذكرته صحيح ، ولكن يبقى لنا أنه يحتمل التعبير بالرفع بملاحظة اطلاقات الأدلة ، بل في الأمم السابقة يمكن أن يقال يوجد تكليف حتى في موارد عدم الاطاقة أو ما شاكل ذلك كما يستفاد ذلك من الآية الكريمة:- ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً[1] كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به ﴾[2] إذاً الأمة المرحومة هي الأمة الاسلامية فالله عزّ وجلّ خفف عليها.

والخلاصة:- اتضح أنَّ استفادة ثبوت الملاك من حديث الرفع عند تحقق الرفع شيءٌ مشكل.


[1] والاصر هو الأمر الثقيل الشديد.
[2] البقرة/السورة2، الآية86.