الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

40/07/09

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- ما هو المرفوع بحديث الرفع ؟ - أصل البراءة- مبحث الأصول العملية.

الاحتمال الثالث:- أن يكون المقصود من الرفع ليس هو الرفع بمعنى تزيل الوجود منزلة العدم وإنما الرفع في عالم التشريع ، نظير ( لا رهبانية في الاسلام ) إنَّ المقصود هو أنَّ الرهبة لم تقع في عالم التشريع متعلقاً للوجوب أو للاستحباب ، فنحن سوف نفهم من ( لا رهبانية ) أنه في عالم التشريع استحباب أو وجوب للرهبنة ليس موجوداً ، وهذا رفعٌ في عالم التشريع ، ونفس الكلام نقوله في النسيان والخطأ وما شاكل ذلك ، فالمقصود هو أنَّ الفعل المنسي في عالم التشريع لم يقع موضوعاً للأحكام المتوقعة المحتملة مثل الحرمة أو وجوب الكفارة أو غير ذلك التي فيها جنبة إلزام وتثقيل وتحميل على المكلف ، فهذا الذي صدر خطأً أو نسياناً أو غير ما شاكل ذلك لم يقع في عالم التشريع موضوعاً للأحكام الإلزامية من حرمة ومن كفارة ومن غير ذلك.

إذاً الاحتمال الثاني المقصود من الرفع تنزيله منزلة العدم وكأنه لم يقع شيء ، ولنعبر عنه بالرفع الخارجي ، يعني منزّل منزلة العدم خارجاً وأن هذا الفعل المنسي كالأكل والشرب لم يقع ، بينما الاحتمال الثالث فهو ليس رفعاً بلحاظ الخارج ، وإنما هو رفع بلحاظ عالم التشريع ، يعني أنَّ الفعل المنسي من أكل أو شرب أو غير ذلك لم يقع موضوعاً أو متعلقاً للحكم الشرعي بالحرمة أو بتحقق الافطار أو بوجوب الكفارة أو ما شاكل ذلك من الأحكام الالزامية.إذاً لحد الآن توجد احتمالات ثلاثة في المرفوع كما أوضحنا.

تردد كلمات العلمين بين الاحتمالين:- إذا رجعنا إلى كلمات الشيخ النائيني(قده) وهكذا إلى الشيخ العراقي(قده) وجدنا أنَّ كلماتهم مذبذبه ، فمرة تميل إلى كون المقصود هو الرفع الخارجي يعني تنزيل الشيء الصادر نسياناً أو خطأً منزل منزلة العدم خارجاً وبعضها تميل إلى الرفع التشريعي ففي عالم التشريع الصادر نسياناً لم قع موضوعاً لوجوب الكفارة والافطار والقضاء وغير ذلك ، فلاحظ فوائد الأصول حيث يقول:- ( وأما إذا كان الرفع رفعاً تشريعياً فالكلام يصح بلا تقدير )[1] ، وهذا الكلام يتلاءم مع الاحتمال الثالث لأنه يقول لا يوجد تقدير خلافاً لما ذكره الشيخ الأعظم(قده) وغيره ، بينما يقول في عبارته الأخرى:- ( فإنَّ شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة العدم )[2] فهذه العبارة تميل إلى الاحتمال الثاني.

وأما الشيخ العراقي(قده) فيقول:- ( إنَّ الرفع في جميع المذكورات رفع تنزيلي لا حقيقي فلا يحتاج إلى تقدير شيء )[3] ، وهذه العبارة تتلاءم مع الاحتمال الثاني ، بينما في حاشيته على فوائد الأصول يظهر منه الاحتمال الثالث[4] .

هذه قضية جانبية ذكرناها.

والفارق بين الاحتمال الثاني والثالث:- هو أنَّ الثمرة تظهر فيما إذا فرض أنَّ المتعلّق للاضطرار أو الخطأ أو النسيان أو ما شاكل ذلك كان تركاً لا فعلاً ، وبكلمةٍ أخرى إذا كان فعلاً فلا ثمرة ، كأن اضطررت إلى أكل الميتة فلا ثمرة بين الاحتمال الثاني والثالث ، لأنَّ أكل الميتة إما منزّل منزلة العدم خارجاً أو أنه لا يترتب عليه في عالم التشريع الحكم بالحرمة ، ولكن إذا كان متعلّق الاضطرار أو الخطأ أو النسيان أمراً عدمياً ، كما إذا فرض أنَّ شخصاً لم يُطِق الصوم أو اضطر إلى ترك الصوم أو نسي فترك الصوم أو أخطأ فترك الصوم - فالمهم أنَّ المتحقق منه هو الترك - فهنا تظهر الثمرة بين الاحتمالين ، والشيخ النائيني(قده) مثّل بما إذا نذر أن يشرب من ماء دجلة ولم يتمكن من الشرب فحينئذٍ هل يمكن أن نطبق حديث الرفع عليه أو لا والمتحقق منه هو ترك وليس فعلاً ؟ إنه تظهر الثمرة هنا ، فباءً على الاحتمال الثاني لا يمكن تطيق حديث الرفع ، إذ لم يتحقق فعلٌ خارجاً حتى يرفع ، وإذا قلت: لنطبّقه على الترك ، فنقول: إنَّ المقصود هو أنه رفع الترك فيصير حينئذٍ بمثابة الآتي بالمنذور ، وهذا باطل ، لأنَّ حديث الرفع هو حديث رفعٍ لا اثبات ، وبناءً على هذا سوف تكون نتيجة الرفع هي اثبات الفعل وهو شرب ماء دجلة ، والحال أنَّ حديث الرفع يريد أن يرفع الأفعال لا أنه يثبتها ، فلا يمكن أن تطبقه على الترك ، فإنَّ نتيجة تطبيقه على الترك هو الفعل وهو حديث رفع لا اثبات ، فإذاً لا يمكن تطبيق الحديث على الترك ، وبالتالي لا نستفيد منه على الاحتمال الثاني ، ولكن على الاحتمال الثالث يمكن تطبيق حديث الرفع فنقول إنّ ترك المنذور - وهو ترك الشرب من ماء دجلة - هو مرفوع في عالم التشريع ، بمعنى أنه ليس موضوعاً ومتعلّقاً للأحكام بوجوب الكفارة والحرمة وغير ذلك.


[1] فوائد الأصول، النائيني، ج3، 342.
[2] فوائد الأصول، النائيني، ج3، 353.
[3] نهاية الأفكار، العراقي، ج3، ص211.
[4] فوائد الأصول، النائيني، ج3، ص356، الحاشية.