الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

40/06/25

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- هل حديث الرفع يشمل الأحكام الضمنية ؟ - أصل البراءة- مبحث الأصول العملية.

ولأجل التوضيح أكثر نطرح ثلاثة اسئلة:-

السؤال الأول:- لماذا عند الشك في مانعية هذا الحزام مثلاً لا نجري الاحتياط كما اجريناه عند الشك في الجزئية ؟

والجواب:- إنه في باب الجزئية المطلوب هو صرف الوجود ، يعني قراءة سورةٍ ما وليس المقصود كل سور القرآن ، وأنا أشك هل تحقق مني أو لا فالأصل عدم تحققه ، فقبلاً لم يتحقق والآن أشك فالمناسب عدم تحققه للاستصحاب مصافاً إلى قاعدة الاشتغال اليقيني يستدعي الفرغ اليقيني ، وهذا بخلافه في المانعية فإنها انحلالية بعدد الأفراد ، فإذا شك في أنَّ هذا الجزام الذي هو محل ابتلائنا من الحيوانات التي تؤكل لحمها أو مما تؤكل فهذا شك في حدوث مانعية جديدة ، وحيث إن المانعية انحلالية فهذا ك في حدوث مانعية جديدة تقيد الصلاة بعدم هذا المانع الجديد فيجري أصل البراءة عن هذا التقيد الجديد ، بخلافه في السورة ، فأنا أعلم أنَّ الصلاة مطلوبة مع السورة وأشك هل حققت السورة أو لا ، أما في باب المانعية يحدث تقيد جديد عند حدوث فرد جديد مما لا يؤكل لحمه فيحصل تقيد جديد عند حدوث فردٍ جديد وأنا أشك هل حدث فرد جيد حتى يحصل تقيد جديد ، فهو شك في تقيد جديد فنجري البراءة عن التقيد الجديد ، فهناك تقيدات في الصلاة يعني أنَّ الصلاة مقيدة بعدم هذا الذي هو جزماً مما لا يؤكل لحمه ، وذاك أيضاً جزماً هو مما لا يؤكل لحمه فهي أيضاً مقيدة بعدمه ، أما هذا الذي حدث جديداً نشك أنه مما لا يؤكل لحمه أو لا ، فهو شك في التقيّد الجديد فيكون مجرى للبراءة ، فإذاً المانعية حيث إنها مشكوكة فتكون مورداً للبراءة.

السؤال الثاني:- وهو المهم ، أما السؤال الأوّل فهو مقدمة له ، وهو أنه لماذا قلنا إنَّ المانعية انحلالية ؟ ، فلتكن المانعية واحدة ، يعني يكون المطلوب هو ترك هذا المجموع ، فلو فرضنا أنه يوجد عشرة أحزمة مثلاً فتوجد مانعية واحدة ، يعني أنَّ الصلاة مقيدة بعدم لبس هذا المجموع بما هو المجموع ، فإذا كانت المانعية واحدة فمتعلقها المجموع بما هو مجموع ، لا أنَّ كل فرد بلحاظه يحصل تقيد جديد ، فإذا أريد أن يقال هذا أجبنا بأنه لو فرضنا أنه حدث فرد جديد فهي كانت عشرة ووجد الآن فرد جديد ألا تتَّسع المانعية آنذاك ويصير متعلقها الأحد عشر ؟! نعم هي تتوسّع ، ولكني أقول إذا كان الفرد الحادي عشر نشك هل أنه مما لا يؤكل لحمه أو لا فإن كان مما لا يؤكل لحمه جزماً فسوف تتسع المانعية ويصير متعلّقها ترك أحد عشر فرداً ، وأما إذا جزمنا بأنه ليس بمانع - يعني لم يكن من جلد ما لا يؤكل لحمه - فالمانعية يبقى متعلقها عشرة ، ولكن إذا شككنا في أنه مما يؤكل أو مما لا يؤكل لحمه فهذا شك في اتساع المانعية الواحدة ، وبالتالي نحن نشك في حصول تقيّد بعدم هذه الدائرة الوسيعة ، لأنه إذا كان الفرد الجديد من أفراد ما لا يؤكل فقد اتسعت الدائرة وتقيدت الصلاة بعدم لبس هذه الدائرة الوسيعة ، ولكن إذا شككنا فسوف نشك هل الصلاة مقيدة بعدم لبس مجموع الأحد عشر ، وهذا شك وجداني لا يمكن إنكاره ، فهذا شك في تبدّل التقيّد ، وأنه هل حدث تقيّد جديد بهذا الشكل أو لا فننفيه بالبراءة ، ولا يمكن لقائل أن يقول بأنه يجري الاشتغال.

السؤال الثالث:- نحن قلنا في باب الشك في الجزئية المناسب تطبيق قاعدة الاشتغال اليقيني ، وقد يقول قائل: إنه يوجد إشكال ، وهو أني بالتالي أشك هل ذمتي اشتغلت بقراءة السورة الآن أو لا ولا أتمكن أن أقول حتماً هي مشتغلة ولا أتمكن أن أقول ليست مشتغلة وهذا شيء وجداني فنطبق حديث الرفع ، لأنه بالتالي أشك في اشتغال الذمة فينطبق عليه حديث رفع ما لا يعلمون وإذا جرى حديث الرفع لا تصل النوبة إلى قاعدة الاشتغال اليقيني لفرض وجود مؤمن شرعي والعقل يحكم بلزوم تحصيل الفراغ اليقيني إذا لم يوجد مؤمن شرعي وهذا مؤمن شرعي يقول رفع ما لا يعلمون ، يعني أنت مادام تسك في اشتغال ذمتك الآن بقراءة السورة أو لا فقد رفع عنك ما لا يعلمون فلا تثبت عليك القراءة ، فلا تصل النوبة إلى قاعدة الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

وبكلمة أخرى:- إنه كما نطبق حديث ( رفع ما لا يعلمون ) في موارد الشك الكلي كأن نشك بأنّ التدخين حرام أو لا ، أو نشك في قراءة السورة في الصلاة هو واجب أصلاً أو ليس بواجب أوليس نطبق حديث ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) وننفي الجزئية كذلك لنطبق الحديث في حالة لو علمنا بأنَّ السورة جزء من الصلاة ولكن بالتالي أنا قرأت الصورة أو لم أقرأها فهذا شك في أنَّ ذمتي مشتغلة أو غير مستغلة ، فيأتي حديث ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) ، فكما يطبّق في موارد الشك نطبقه في موارد الشك الكلّي ونقول ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) فحصل المؤمِّن ، فلا تصل النوبة إلى قاعدة الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني ، فإن قاعدة الاشتغال اليقيني عقلية ، وإنما العقل يحكم بلزوم حصول المؤمِّن اليقيني إذا لم يحكم الشارع بالبراءة ، فهو حكمٌ تعليقي ، وهنا حَكَم الشارع بالبراءة بحديث الرفع ، فلا تصل النوبة إلى قاعدة الاشتغال اليقيني.

والجواب:- إنَّ ما أفيد وجيه إلا أنه يمكن أن يقال: إنَّ المنصرف إليه حديث ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) هو ما إذا كان الشك في أصل الثبوت من البداية ، لا ما إذا علم بالثبوت وشك في السقوط وفراغ الذمَّة ، فإذا شك في الثبوت من البداية فهذا مشمول بقاعدة ( رفع ع أمتي ما لا يعلمون ) ، يعني أنا من البداية شككت هل السورة واجبة في الصلاة في الاسلام أو أنَّ سورة الحمد فقط هي الواجبة أما قراءة سورة بعدها فليس بواجب ، فهذا شك في أصل الثبوت من البداية ، وهذا قدر متيقن أنه شمول لحديث ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) ، أما إذا علمت من الدليل الخارجي أنَّ السورة واجبة ولكن شككت في السقوط وأنه هل أتيت بها أو لا فلا يبعد أن يقال إنَّ حديث ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) منصرف عنها ، ولذلك نحن نفهم منه دائماً الحالة الأولى وهي ما إذا كان الشك في أصل الثبوت لا ما إذا كان الشك في السقوط.

إذاً لأجل الانصراف لا يرد هذا الاشكال.