الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

40/05/05

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- هل الحصر استقرائي أو عقلي ؟- مبحث الأصول العملية.

الأمر السادس:- هل الحصر استقرائي أو عقلي ؟

المعروف بين الأصوليين أنَّ الأصول أربعة ، وهل هذا الحصر استقرائي[1] أو أنه عقلي[2] ؟

وفي الجواب نقول:- تارةً يقع الكلام في نفس الأصول الأربعة ، وأخرى في جاريها:-

فاذا نظرنا إلى نفس الأصول:- فالحصر استقرائي ، يعني يمكن للأصولي أن يجعل الأصول خمسة أو يجعلها ثلاثة مادامت النتيجة ناشئة من الاستقراء ، فمثلاً قال الأصوليون إذا كانت توجد حالة سابقة متيقنة ثم شك فالأصل هنا الاستصحاب ، وإذا لم توجد حالة سابقة وكان الشك في أصل التكليف فهو براءة ، وإذا فرض أنه توجد حجة قائمة على التكليف فمرة يمكن الاحتياط ومرة لا يمكن الاحتياط ، فإن أمكن الاحتياط فيجب الاحتياط ، وإن لم يمكن الاحتياط فالتخيير ، فهم حصروها في هذه الأربعة ، وهي الاستصحاب في مورد الشك في الحالة السابقة ، والبراءة في حالة الشك في أصل التكليف ، والاحتياط في حالة الشك في المكلف به مع إمكان الاحتياط ، والتخيير في حالة الشك في المكلف به من دون إمكان الاحتياط ، والحال أنَّ هذا الحصر يمكن أن نرفعه إلى الخمسة ، أو يكون أقل من ذلك ، كما لو قلنا إنه في مورد وجود حالة متيقنة سابقة الذي يجري هو الاحتياط ، فلو استفاد فقيه من النصوص أنه في مورد الحالة السابقة المتيقنة الواجب هو الاحتياط وروايات الاستصحاب لا توجد فيها دلالة على الاستصحاب ، لأنهم التفتوا إلى دلالتها من زمان والد الشيخ البهائي(قده) ولم يلتفتوا إلى إليها قبل ذلك ، فإذا لم يكونوا ملتفتين إلى ذلك فيمكن لفقيه في تلك الفترة أن يقول بالاحتياط ، وبهذا صارت الأصول ثلاثة ، لأنَّ الاستصحاب ليس بموجود ، وإذا فرض أنه في مورد الشك في أصل التكليف بنينا على الاحتياط يعني تبدلت الأصول وصارت اثنين حيث حذفنا الاستصحاب والبراءة واقتصرنا على الاحتياط حتى في مورد الشبهة البدوية سواء كانت هناك حالة سابقة أو لا.

فإذاً يمكن أن تصير الأصول اثنين ثلاثة أو أربعة ، ويمكن أن تصير خمسة ، حسب ما نستفيده من النصوص والأدلة ، كما إذا فرض أنه شك بين الاباحة والحرمة فالحكم هو البراءة ، وإذا دار الأمر بين الاباحة والوجوب فالحكم هو الاستحباب - لو استفدنا ذلك - ، وعليه فسوف تصير الأصول العملية خمسة ، يعني الاستصحاب لو كانت توجد حالة سابقة ، والبراءة في حالة الشبهة التحريمية ، والتخيير في حالة الدوران بين المحذورين ، والاحتياط فيما إذا علم بالتكليف ، والاستحباب فيما إذا فرض أنَّ الشك كان بين الوجوب والاباحة كما في الدعاء عند رؤية الهلال.إذاً اتضح من خلال هذا أنَّ حصر الأصول بأربعة ناتج من الاستقراء وتتبّع النصوص ولولا النصوص أمكن أن تصير اثنين أو ثلاثة أو خمسة.

وأما بلحاظ مجاري الأصول:- فالحصر عقلي ، يعني هو دائر بين النفي والاثبات ، والوجه في ذلك هو أنَّ من شك في حكم الواقعة فإما أن توجد حالة سابقة أو لا توجد ، فإن وجدت حالة سابقة متيقنة فهذا استصحاب ، وإن لم توجد حالة سابقة فإما أن تقوم حجة على التكليف أو لا ، فإن قامت حجة على التكليف فإما أنه يمكن الاحتياط أو لا ، فإن أمكن الاحتياط مع فرض الحجة على التكليف فهو مورد الاحتياط ، وإن لم يمكن الاحتياط فهو مورد التخيير ، وإذا فرض أنه لم تقم حجة على التخيير فهو مورد البراءة.

فإذاً حصر مجاري الأصول في أربعة عقلي ، ولا يمكن أن يصير أقل من ذلك ولا أكثر.إذاً حصر مجاري الأصول في أربعة عقلي ، أما حصر نفس الأصول في الأربعة استقرائي ، وهذه نكتة ظريفة يجدر الالتفات إليها.

الأمر السابع:- تقسيم الشيخ الأعظم(قده) أو الشيخ الخراساني(قده).

أما الشيخ الأعظم(قده)[3] :- فحينما انتهى الشيخ الأعظم(قده) من مبحث القطع وأراد أن يدخل في البراءة والاشتغال ذكر أولاً أنَّ الحكم المشكوك إما هو التحريم مع غيره ، أو يكون منشأ الشك هو الجوب مع غيره ، فإذا كان الشك هو في الحرمة مع غير الوجوب مثل التدخين[4] فمنشأ الشك هنا هو إما لفقدان النص أو لإجماله أو لتعارض النصين أو اشتباه الأمور الخارجية ، والشبهة على الثلاثة الأولى تصير حكمية ، وأما على الرابع فتصير موضوعية ، وعليه فسوف نعقد مسائل أربع في الشبهة التحريمية ، المسألة الأولى الشبهة التحريمية الحكمية الناشئة من فقدان النص ، وهي صاحبة المعركة العظمى بين الأصوليين وغيرهم وهي المهمة ، والمسألة الثانية وهي الشك بين الحرمة وغير الوجوب الناشئ من إجمال النص ، والمسألة الثالثة وهي الناشئة تعارض النصين ، والمسألة الرابعة وهي الشبهة الموضوعية ، هذا كلّه في الشبهة التحريمية ، وحينما وصل إلى الشبهة الوجوبية[5] فهنا أيضاً ذكر أنه توجد أربع مسائل ، فنفس ما ذكره في الشبهة التحريمية ذكره هنا أيضاً ، فهو إذاً عقد ثمان مسائل.

وأما الشيخ الخراساني(قده)[6] :- فقد عقد مسألة واحدة ، وهي أنه إذا شكّ في الحكم بين الحرمة وغير الوجوب أو شك بين الوجوب وغير الحرمة فسواء كان منشأ الشك هو فقدان النص أو اجماله أو تعارض النصين أو الاشتباه في الأمور الخارجية فالحكم هو البراءة.

والمناسب ما ذكره الشيخ الخراساني(قده):- والوجه في ذلك هو أن روح النكتة في المسائل الثمان واحدة ، وهي أنَّ المكلف يشك في أصل الحكم ولا يعلم به سواء كان الدوران بين الحرمة وعدم الوجوب أو الوجوب وعدم الحرمة ، فالمهم أنه شاك ، وحينئذٍ سواء كان منشأ الشك هو فقدان النص أو إجماله أو تعارض النصين أو الاشتباه في الأمور الخارجية الحكم واحد وهو البراءة مثلاً لحديث ( رفع عن أمتي ) فإنه يشمل الكل ، فلا داعي لذكر ثمان مسائل ، فمادام المدرك واحداً وهو ( رفع عن امتي ما لا يعلمون ) أو ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها ﴾ أو غير ذلك فهذه تعم الجميع ولا تختص بواحدة دون أخرى ، فلا حاجة إلى عقد ثمان مسائل.

نعم لعلّ الذي دعا الشيخ الأنصاري(قده) إلى عقد مسائل أمران:-

الأول:- هو أنَّ خلاف الاخباريين في الشبهة التحريمية الفاقدة للنص ، كالشاي والتدخين وما شابه ذلك فإنه جوازه فاقد للنص ، فبما أنَّ نزاعهم الأساسي هنا فلابد أن نعقد مسألة في الشبهة التحريمية الناشئة من فقدان الدليل ، لأنَّ نزاع الاخباري هنا وننقل كلماتهم ، وأيضاً تلك الأقسام نعقد لكل قسم منها مسألة ، فالذي دعانا إلى ذلك هو نزاع الاخباري الخاص بالشبهة التحريمية الفاقدة للنص.

الثاني:- إنَّ بعض الدلة لا يأتي في الموارد الثمانية ، مثل ( كل شيء لك حلال حتى تعرف أنه حرام ) فإنَّ هذا لا يأتي في الشبهة الوجوبية وإنما هو خاص بالشبهة التحريمية بقرينة ( حتى تعرف أنه حرام ).

فلعل الذي دعا الشيخ الأعظم(قده) إلى عقد مسائل متعددة هو هذان المطلبان اللذان أشرنا إليهما.

ولكن نقول:- إنَّ هذا لا يستوجب أن نعقد له مسائل ثمان ، بل تبقى مسألة واحدة ونشير في اثنائها إلى مخالفة الاخباريين في هذه الشبهة ونذكر مدركهم ، وهكذا إذا كانت بعض النصوص والروايات خاصة بالشبهة التحريمية مثل ( كل شيء لك حلال حتى تعرف أنه حرام ) ونقول هذا خاص بالشبهة التحريمية ، بينما ننبه على أنَّ ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها ﴾ عام مثلاً.

فإذاً لا مبرر لعقد مسائل ثمان ، ولذلك حينما ندخل في صلب الموضوع لا نقسّم المسائل إلى ثمان ، بل نجمع بينها في مسألة واحدة ونذكر أدلة الاخباري وأدلة الأصولي مع المقارنة.

[1] يعني أننا تتبعنا فلم نجد غير ذلك في الأدلة.
[2] يعني دائر بين النفي والاثبات.
[3] فرائد الأصول، الأنصاري، ج2، ص19، هذا بالنسبة إلى الشبهة التحريمية. فرائد الأصول، الأنصاري، ج2، ص141، هذا بالنسبة إلى الشبهة الوجوبية.
[4] لأنَّ التدخين يدور أمره بين أن يكون حراماً أو أنه مباح أو مكروه لا يوجد احتمال وجوبه.
[5] وهي حينما يدور الأمر بين الوجوب وغير الحرمة مثل دعاء رؤية الهلال إما واجب أو ليس بحرام.
[6] كفاية الأصول، الآخوند الخراساني، ص338، ط آل البيت.