الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

40/04/15

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- حجية خبر الواحد.

ويبقى الكلام بالنسبة إلى الشيخ الصدوق:- إذ كيف ندفع هذه الشبهة في حقه - أي شبه أن طرقه تبركية يعني هي إلى صاحب الأصل وليست إلى نسخة معينة - ؟ ، وهكذا شبهة أنَّ الأصول كانت متواترة فلا نحتاج إلى طريق ؟

والجواب:- إنه إذا فرض أن الأمر كذلك فلماذا وضع المشيخة في آخر الفقيه وذكر طرقه فيها ، فإذا كانت الأصول التي ينقل عنها أو كان نقله عن صاحب الأصل لا على نسخة يكون ذكره للمشيخة بلا فائدة ، اللهم إلا أن تقول هي تبركية ، ولكن التبركية لا يحتاج إلى التكرار في ذكر الطريق ، لأنه أحياناً إلى شخص واحد يذكر طريقين أو ثلاثة ، فلو كان غرضه التبرك كفى ذكر طريق واحد ولا داعي إلى ذكر طرقٍ متعددة ، بل التبرّك لا يحتاج إلى صنع مشيخة وإنما الطريق يحصل التبرك بالطريق الذي عندك لا أنه من للازم أن يُكتب في ورقة أو تصنع مشيخةً لأنه بالتالي قد اتصلت رواياتي وسندي إلى المعصوم عليه السلام سواء كتبت ذلك في ورقةٍ أم لم أكتبها وسواء ألفت مشيخة أم لم أؤلفها ، فإذاً لا داعي إلى مثل هذا ، إلا أن تقول إنَّ الشيخ الصدوق(قده) لم يلتفت إلى هذا المطلب وأنَّ التبرك يكفي فيه هذا المقدار ، ولكن هذا ليس بمقبول ، لأنك جعلت الشيخ الصدوق(قده) لا يلتفت حتى إلى الأمور الجزئية.

والخلاصة:- إنَّ شبهة التبرك لا تأتي حتى في الشيخ الصدوق(قده) ، باعتبار أن التبرّك يتحقق بوجود الطريق واقعاً في قلبي ولا يحتاج إلى كتابته أو تأليف مشيخة أو ذكر طرق متعددة.

فإذاً لابد من ملاحظة الطريق بين الشيخ الطوسي(قده) أو الشيخ الصدوق(قده) وبين الأصل الذي ينقل عنه ، ومن الواضح أنَّ الطريق ما بين الأصول وبين الامام مفروغ عنه فإنه لابد من ملاحظته ، فعلى هذا الأساس ما قيل من الشبهة مدفوع بما ذكرنا.

تفصيل بين المتقدمين والمتأخرين:- إنَّ ما ذكرناه يأتي بالنسبة إلى الشيخ الطوسي(قده) والشيخ الصدوق(قده) وأنه لابد من ملاحظة الطريق إلى صاحب الأصل ، وهل يأتي مثل هذا في حقّ المتأخرين كصاحب الوسائل(قده) فنقول إنَّ الطرق التي يذكرها هي طرق على نسخ معيّنة وبالتالي يلزم ملاحظة الطريق إلى تلك النسخة ، أو نقول في حقه إنَّ طرقه تبركية مثل الاجازات التي نأخذها من الاغا برزك الطهراني والسيد شهاب الدين المرعشي النجفي ؟

يمكن أن يقال:- إنَّ طرق صاحب الوسائل(قده) طرق تبركية ، يعني هي طرق إلى نفس صاحب الكتاب لا إلى النسخة ، ودليلنا على ذلك هو عدم الدليل ، فلا يوجد دليل على أنَّ صاحب الوسائل(قده) له طرق إلى النسخة ، بل لعل الشواهد تشير إلى العكس ، وبيان ذلك:- إنه قال في آخر الوسائل[1] في الفائدة الخامسة إني أذكر لكم طرقي إلى كتب الأصحاب التي نقلت عنها ، ثم قال إنَّ الكتب التي أنقل عنها على نحوين فبعضها أنقل عنها بالمباشرة ، يعني أنَّ نفس الكتاب قد وصل إليه مثل كتاب علي بن جعفر ، حيث قال إنَّ نفس كتاب علي بن جعفر توجد عندي نسخة منه وأنا أنقل عنها وليس بالواسطة ، ولذلك تراه في الوسائل يذكر السند ( محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن عبد الله بن الحسن عن جدّه علي بن جعفر ) وهنا يوجد في الطريق محمد بن عبد الله الحميري هو ثقة ، وأما عبد الله بن الحسن هو حفيد عليّ بن جعفر ولكن لم تثبت وثاقته ، ثم قال صاحب الوسائل بعد ذلك ( ورواه عليّ بن جعفر في كتابه ) ، وقد اتبع هذه الطريقة كثيراً ، لأنه يوجد عنده نفس الكتاب فطابق الرواية فوجدها نفسها موجودة فيه ، يبقى أنه كيف نثبت طريقه إلى عليّ بن جعفر ؟ إنه ذكر طريقه إلى كتاب عليّ بن جعفر في الفائدة الخامسة ، ففي الفائدة الخامسة ذكر طرقه إلى الكتب التي ينقل عنها بالمباشرة ، وأما التي ينقل عنها بالواسطة فهي بالوسائط ولكنه ذكر التسلسل ، وقد ذكر في البداية وقال إنَّ كلّ هذه الكتب بأجمعها أنقلها بهذه الطرق فلان عن فلان عن فلان عن الشهيد الثاني ، وفلان عن فلان عن فلان عن الشهيد الثاني ، وفلان عن فلان عن فلان عن الشهيد الثاني ، وذكر تقريباً أربعة عشر طريقاً كلّها تصل إلى الشهيد الثاني(قده) وهو المحطة الأولى ، ثم قال: وعن الشهيد الثاني عن ....... إلى أن يوصلها إلى الشيخ الطوسي(قده) ويذكر هنا أكثر من عشر طرق أو أقل أو أكثر ، وأما من الشيخ الطوسي(قده) إلى صاحب الكتاب فهو مذكور في الفهرست.

هذه هي طريقة صاحب الوسائل(قده) وهل هذه طريق على النسخة أو أنه يوجد مؤشر يدل على أنها ليست على النسخة ؟ ليس من البعيد أنَّ هذه إما حيادية أو أنها تؤشر على أنها ليست على نسخة معينة ، لأنه من البعيد أنَّ كل هذه الطرق الثلاثة عشر أو الأربعة عشر تنتهي إلى الشهيد الثاني(قده) وكلّها على نسخةٍ معينة ، فلو كانت كذلك فهذا معناه أنه صارت عنده خمسة عشر نسخة ، فمن البعيد أن تكون عنده خمسة عشر نسخة أو أربعة عشر نسخة من كتاب علي بن جعفر ، ولا تقل: إنَّ هذا ممكن ، فنقول: إنَّ هذا بعيد ، وقد تقول: هي نسخة واحدة ولكنها وصلت بطرق متعددة ، ولكن نقول: إنَّ هذا بعيد أيضاً ، فكيف أنَّ هذه النسخة نفسها وصلت من الشهيد الثاني(قده) وإلى الشيخ الطوسي(قده) فإنَّ هذا بعيد ، وأنا يحصل لي الاطمئنان بأنها شبيهة بطرق الاغا بزرك الطهراني ، فإنه حينما تطلب من الاجازة فهو يعطيك خمس أو ستة طرق يوصلها إلى محطةٍ ، وتلك المحطة أيضاً يوصلها إلى محطةٍ ثانية ، ثم إلى الشيخ الطوسي(قده) ، فهذه اجازات ليست على نسخةٍ معنية وإنما هي عن نفس الشخص ، فلا تنفع.

ونفس الشيء يأتي في ابن إدريس:- فابن إدريس توجد عنده المستطرفات ، لأنه في آخر السرائر ذكر أنه قد وصلتني بعض الأصول وسوف أذكر ما استطرفته منها ، فهو ذكر أبواباً وقال الباب الأوّل أذكر فيه ما استطرفته من أصل موسى بن بكر ويذكر عدداً من الروايات التي استطرفها ، ثم يقول باب ما نقلته من أصل فلان .... وهكذا ، وصاحب الوسائل(قده) ينقل ما نقله ابن إدريس(قده) في مستطرفاته ، فهل هذه الروايات معتبرة أو لا ؟ ، والاشكال الموجود هو أنه صحيح أن ابن إدريس قد وقعت بيده هذه الأصول وقد سجّل منها ولكن من قال إنَّ نسخة هذه الأصول هي نسخة معتبرة فإنَّ ابن إدريس لم يذكر طريقه إليها ، فكيف تعتبر تلك المنقولات ؟ ، نعم أحدها أصل محمد بن علي بن محبوب الأشعري حيث قال عنه ( إنه موجود عندي بخط الشيخ الطوسي ) ، وقال هو قد وصل إلي ، فمادام قد وصل إليه فسوف يكون معتبراً ، لأنَّ الشيخ الطوسي عنده طريق معتبر إلى محمد بن عليّ بن محبوب ، أما غير هذا الأصل فلا يوجد له سند ، ولذلك ما ينقله ابن إدريس في مستطرفاته يكون غير معتبر ، وقد تعلّمنا هذا من السيد الخوئي(قده).

ولكن بعد ذلك نقل البعض أنَّ السيد الخوئي(قده) صار يعتبر المستطرفات ، ببيان:- أنه إذا رجعنا إلى مجلّد الاجازات في البحار وجدنا أن ابن إدريس يقع في بعض محطات الاجازات وهو يذكر طريقه الذي ينتهي إلى الشيخ الطوسي ، وعليه فسوف يثبت أن جميع المستطرفات لها طريق لأنه يوجد عنده طريق إلى الشيخ الطوسي والشيخ الطوسي عنده طرق إلى هذه الأصول التي نقل عنها ، فنلصق طريقاً بطريق ، وهذا لم أره في كتاب من السيد الخوئي(قده) ، فهو اعتبر مستطرفات السرائر بهذا الطريق.


[1] وسائل الشيعة، العاملي، ج30، ص169، الفائدة الخامسة.