الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

40/03/30

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- حجية خبر الواحد.

ويمكن الجواب على ذلك:- بأنه يمكن أن نقول إنَّ السيرة على العكس ، أي أنهم يعتمدون على خبر الثقة بشكل مطلق ، فلو فرض أنه جاءني ثقة وقال أنا سمعت من المرجع الفلاني أنه قال كذا وكانت الفتوى فتوىً غريبة ، فإذا كان الشخص ثقة ونقل هذا أو قال أنا سمعت من صديقي الثقة ألا أنَّ السيرة جارية على الأخذ بخبره في مثل هذه الحالة ؟ نعم نأخذ بذلك ولا نتوقف فيه.

فإذاً من هذه الناحية الشواهد تدل على عكس ما ادّعي ، فإنَّ العقلاء يأخذون بخبر الثقة بشكلٍ مطلق.

نعم استدرك وأقول:- إنه ينبغي أن لا تكون هناك شواهد على العكس ، بأن أعلم أنَّ المرجع الفلاني لا يصدر منه هذا الكلام لأنني أعرف ، ذوقه فهذه الشواهد على العكس ليس من البعيد أنها توقف عن عمل السيرة ، فالسريرة لم تجرِ على العمل بخبر الثقة إذا كانت توجد قرائن وشواهد على العكس.

ولكن كلامنا هو أنه هل السيرة منعقدة على أن لا تأخذ بخبر الثقة إلا مع وجود شواهدٍ وفق المضمون ؟ ، فنحن نريد أن ننكر هذا ، أما إذا كانت هناك شاهد على العكس فلعله كما تقول وهو صحيح ، فلا أقل السيرة لا نجزم بانعقادها على الأخذ بالخبر إذا كانت هناك شواهد على العكس ، إنما الكلام هو أنه هل يلزم في الأخذ بالخبر وجود شواهد موافقة له أو يكفي كونه خبر ثقة من دون شواهد موافقة ، أما الشواهد المعاكسة فيمكن أن نقول هي تضرّ ، وهذه قضية يلزم الالتفات إليها.

والخلاصة:- إننا نقول في ردّ السيرة هو إنَّ أمر السيرة على العكس.

إن قلت:- لو فرض أنه شخصاً أخبرني أنَّ هذه السلعة سعرها كذا في السوق وهي مربحة وغير ذلك ، فهل آخذ بكلامه واستورد تلك السلعة بسرعة أو أبقى حتى أتأكد ؟ ليس من البعيد أني أبقى إلى حين التأكد ، وعلى هذا الأساس هذه السيرة تكون ضدّنا ، وهكذا إذا قيل يوجد تعزية في بيت فلان فهل أذهب إليهم بسرعة أو أنني لا أذهب إلا بعد حصول بعض الشواهد على الوفاق ؟ نعم قد أتوقف ولا أذهب إليهم بسرعة ، وهكذا لو قيل يوجد درس في هذا اليوم فلعله لا أذهب بسرعة وإنما قد أبقى انتظر الشواهد المؤيدة ، فما رأيك بهذه السيرة ؟

والجواب:- ليس من البعيد أنَّ هذه السيرة موجودة ، ولكن ينبغي الالتفات إلى أنه يوجد مقامان لا ينبغي الخلط بينهما ، المقام الأوّل مجال الأغراض التشريعية ، يعني قضية حرام وحلال وجائز وغير جائز وهذا شرعي أو غير شرعي ، والمقام الثاني هو مجال الأغراض التكوينية مثل أنَّ هذه السلعة مربحة أو غير مربحة أو أنه توجد تعزية في بيت فلان أو لا ، فهذه ليست اغراضاً تسريعيةً ، فهي ليست مرتبطة بالشرع والتشريع وإنما هي قضايا مرتبطة بالقضايا التكوينية ، ولا ينبغي الخلط بين المقامين ، وكلامنا في حجية خبر الثقة في المجال الشرعي لا المجال التكويني ، فلا ينبغي أن تذكر لي شواهد من المجال التكوين ، فمجالنا هو المجال الشرعي والأغراض التشريعية ، يعني مسألة روايات فهل مطلق وراية الثقة المتعرّضة للأحكام حجة أو بشرط أن يحصل وثوق ؟ ، فلا ينبغي أن تذكر لي شواهد من السيرة في المجال التكويني ، كما لا ينبغي أن تذكر لي شواهد توجد فيها قرائن معاكسة ، فعلى هذا الأساس محل كلامنا في المجال الشرعي من دون وجود قرائن معاكسة.

ويمكن أن نضيف شيئاً آخر إلى السيرة التي ذكرناها لإثبات حجية خبر الثقة وإن لم يحصل معه الوثوق:- وهي صحيحة عبد العزيز بن المهتدي المقدمة التي جاء فيها:- ( أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني ؟ قال: نعم ) فإنها تدل على أنَّ مطلق الثقة حجَّة ، وإنما كلامه كان في الصغرى وهي أنه ثقة أو غير ثقة، فإن كان ثقة فسوف آخذ منه معالم الدّين وإن لم يكن ثقة فلا ، أما أنه يوجد اشتراط إضافي كالوثوق فلا ، بل المهم أنه ثقة.

إن قلت:- من قال إنَّ نفس هذه الرواية حجة ؟!! لأنها تحتاج إلى مثبتٍ ، فإذا كان الوثوق معتبر فنحتاج إلى وثوقٍ لإثبات حجيتها ؟

قلت:- نحن نريد أن نستدل بالارتكاز الموجود في ذهنه ، وهذا الارتكاز كما هو موجود في ذهنه هو موجود في ذهني وذهنك ، فنحن نسأل أحياناً هل فلان ثقة حتى نعتمد عليه ؟ ، فإذاً الرواية تعبّر عن ارتكازٍ ولعل هذا الارتكاز لا يختصّ بالسائل وإنما يعمّنا نحن أيضاً ، فإذاً هذا يدل على أنَّ المرتكز العقلائي هو على أنَّ مطلق خبر الثقة حجة من دون شرط الوثوق ، وهذا السؤال الذي سأله والارتكاز الثابت في ذهنه أيضاً نحن قد نسأله ونبيّنه أحياناً ، وهذا معناه أنه يؤكد على أنَّ مطلق خبر الثقة حجة.

جواب السؤال الثالث:- إنه تارةً يكون الضعف من حيث سند الرواية ، وتارة يكون من حيث الدلالة.

أما ضعف السند:- فهل ينجبر بفتوى المشهور أو لا ؟

وفي الجواب نقول:- إنَّ الانجبار على نحوين ، فمرة يكون بشهرة النقل والرواية ، وأخرى بشهرة الفتوى - فإذاً الانجبار لا نخصّصه بفتوى المشهور وإنما نعمّمه حتى نعرف الأمر - فلو جاءتا رواية ضعيفة السند فهل ضعفها السندي ينجبر بنقل الكتب الروائية لها أو لا ؟ ، وهل إنَّ عملهم بها يكفي لجبر سندها أو لا ؟ ، ولعل من هذا القبيل مقبولة عمر بن حنظلة ، وهي مهمة ، لأنه توجد فيها أشياء مهمة في باب القضاء ، ولكن المشكلة هي أنَّ عمر بن حنظلة لا يوجد في حقه توثيق واضح ، وحينئذٍ قد يقال إنَّ نقل الرواة وأصحاب المعاجم الحديثية لهذه الرواية في كتبهم يدل على اعتبارها وإلا فلا معنى لأنَّ ينقلوا ما كان ضعيف السند فإنَّ هذا لغوٌ وبلا فائدة.

وفي الجواب نقول:- إذا فرض أن الذين نقلوها كانوا من المتقدمين[1] فلا يبعد أن يقال إنَّ هذا يشهد بأنها معتبرة عندهم ويأخذون بها ، فهذا يقوي يسندها فيندعم ضعف السند بنقل المشهور لها في كتبهم.

إن قلت:- لعلهم نقلوا هذه الرواية من باب أنه يُسجّل ولو الضعيف ويترك الأمر إلى الجيل الجائي - يعني أنا وأنت - ، فلعل الجائي تكون الرواية عنده معتبرة ويأخذ بها ، ولعله يجمع قرائن من هنا وهناك فيعمل بها ، فمن قال إنَّ الهدف حين تسجيل الرواية في الكتاب هو أنَّ نفس الكاتب يعمل بها ويراها معتبرة ؟ كلا بل قد لا يراها معتبرة ولكنه يترك الأمر إلى الأجيال اللاحقة ، ولا أقل هي تنفع بضمّها إلى ورايةٍ أخرى وباجتماع الروايتين يحصل وثوق.

فالمهم أنَّ نفس ذكر الرواية في الكتاب لا يدل على أنَّ صاحب الكتاب يستند إليها ويعمل بها ، وربما شهد على ذلك الشيخ المجلسي(قده) فإنه ذكر هذا التراث الكبير ولم يكن الهدف من ذكره لهذه الرواية أو تلك هو أنه يعمل بها أو ملتزم بها ، بل أراد أن يحفظ التراث ولعلك تنتفع به في يوم من الأيام إما بضمه إلى رواية ثانية أو غير ذلك ، فذكر الرواية لا يدل على أنَّ الهدف من ذكرها هو العمل ؟

قلت:- إنَّ ما ذكرته وجيهٌ في حق المتأخرين ، أما بالنسبة إلى المتقدّمين فلا يبعد أن يقال إن هدفهم هو العمل بالروايات ، فنفس ذكره للرواية في كتابه وفي أصله كاشف عن أنه يراها حجّة ويعمل بها ، وحينئذٍ يندعم ضعف السند بنقل القدماء للرواية في كتبهم الروائية.

ولكن يبقى شيء:- وهو أنه كيف نثبت الصغرى ، يعني أنَّ الكبرى قد نقبل بها ونقول إنَّ القدماء حينما يذكرون رواية في كتبهم فليس من البعيد أنَّ ذلك لأجل العمل بها ، لا كالمتأخرين الذين هدفهم حفظ التراث فقط ، ولكن من قال إنَّ هذه الرواية موجودة في تراث المتقدمين ؟ فإنه لا يوجد عندك تراث المتقدين وإنما أقصى ما يوجد عندك هو الكتب الأربعة ولا يمكن أن نقول إنَّ الهدف من ذكر هؤلاء المحمدون الثلاثة كان هو الاستناد إلى الرواية ، اللهم إلا أن تستشهد بما ذكروه في مقدمة كتبهم ، ولعله يكفي الكتاب الواحد والنقل الواحد ولا يحتاج إلى نقل كثرة كاثرة ، فإذا قلنا إن الصدوق(قده) قال في مقدمة كتابه:- ( لا أذكر إلا ما كان حجة بيني وبين ربي ) ، فلو استندنا إلى هذه العبارة فيكفي ولو كان النقل من قبل الصدوق(قده) فقط ولا يحتاج إلى ضمّ غيره ، يعني لا يحتاج إلى أن تكون موجودة في كتب الرواة بشكلٍ عام بل يكفي أن تكون موجودة في كِتابِ واحدٍ منهم ، إنما كلامنا فيما إذا فرض أنَّ هذا الكلام من قبل الصدوق(قده) لا نعتمد عليه ، أو أنه ليس بموجود ، فمجرّد ذكرها في الكتاب هل يكفي أو لا ، فلو تناقلها الرواة في كتبهم بهذا الشكل من دون أن يلتزم في المقدمة بذلك هل يكفي هذا أو لا ؟


[1] وكلما صارت الطبقة متقدمة اكثر كلما صار الاعتبار اقوى.