الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

40/03/24

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- حجية خبر الواحد.

والاستدلال بهاتين الطائفتين من الروايات يمكن أن تخدش فيه:-

أولاً:- إنَّ هذا تمسّك بالخبر لإثبات عدم حجية الخبر وهذا لا يجوز ، فإذاً التمسّك بهذه الروايات ليس بصحيح ، لأنها ليست بالغةً حدّ التواتر وليست محفوفة بالقرينة القطعية حتى تكون حجّة جزماً من ثم يتمسّك بها لإثبات عدم حجّية الخبر ، فإذاً هذه الطريقة باطلة ، فلا يجوز التمسّك بالخبر لإثبات عدم حجية الخبر ، خصوصاً[1] وأنها أخبار ضعيفة السند ، فإنه أما بالنسبة إلى الأولى التي تقول ( ما علمتم أنه ... ) فيرويها محمد بن إدريس في آخر السرائر - وهو ثقة بلا إشكال - نقلاً من كتاب مسائل الرجال ، هناك وسائط بينه وبين الكتاب وهو لم يذكرها فتكون الرواية مرسلة.

ولعلّ شخص يقول:- إنَّ ابن إدريس الحلي ولا يمكن أن يعتمد على كتابٍ من دون وجود طريق إليه.

فنقول:- إنَّ هذا الكلام لا ينفع ، فإنَّ الطريق ليس مذكوراً ، ولعل ذلك الطريق لو عثرنا عليه لا نراه معتبراً وإن كان الناقل له ابن إدريس.

وأما الثانية التي قالت ( ما كان عليه شاهد أو شاهدين ) فسندها هو ( محمد بن يحيى عن أحمد[2] عن علي بن الحكم عن عبد الله بن بكير عن رجلٍ عن أي جعفر ) ، فهي مرسلة أيضاً.

فإذاً الردّ الأوّل على هذه الروايات هو أنَّ أنها بنفسها أخبار آحاد فلا يمكن التمسّك بها لإثبات عدم حجية خبر الواحد خصوصاً وأنها ضعيفة السند.

وقد يقال:- أوليس فيما سبق حينما ذكرنا أدلة الحجية ذكرنا أنَّ من أدلة الحجية هو آية النبأ ، ثم الدليل الثاني الذي تمسكنا به هو السيرة ، وكذلك الدليل الثالث هو السنَّة ، فكيف تمسكنا هناك بالأخبار - بالسنَّة - لإثبات حجية الخبر أما هنا فلا تقبل بذلك ؟

والجواب:- إنه حينما تمسّكنا بالأخبار هناك فقد قلنا إنه لابد أن تبلغ حدّ التواتر ، وإذا لم يكن التواتر اللفظي موجوداً فيوجد تواتر معنوي ، وإذا لم يكن التواتر المعنوي موجوداً فصاحب الكفاية(قده) اضطر إلى أن يبتكر فكرة التواتر الاجمالي ، فالكل ملتفٌ إلى ذلك ، فنحن لا نستدل بخبر الواحد على حجية خبر الواحد ، وإنما يلزم أن يكون متواتراً .

ثانياً:- إنَّ هذه الطائفة معارضة بما دلَّ على حجية خبر الثقة ، إذ توجد أخبار كثيرة دلت على حجية خبر الثقة وذكرنا بعض الروايات هناك وقلنا إنَّ من الروايات الجيّدة هي رواية ( العمري وابنه ثقتان ) ، فقد يقال إنه يتمسّك بهذه الرواية ، ولكننا أشكلنا على هذه الرواية فيما سبق ، ولكن توجد روايات أخرى غيرها ، فتوجد أخبار كثيرة بعنوان الثقة ، فحينئذٍ تصير معارضة إلى هذه الطائفة اليتي تجعل المدار الى وجود شهد أو شاهدين أو على العلم بالصدور فتصير معارضة فيما بينها.

وأراد السيد الخوئي(قده) أن يصعّد اللهجة فقال[3] :- إنه توجد أخبار تدل على حجية خبر الثقة وهي مقدّمة على هذه الطائفة - التي تقول ما دل عليه شاهد أو شاهدان فخذ به أو ما علمتم به - ، والسبب في تقديمها أنَّ النسبة بينهما هي العموم والخصوص مطلقاً ، والأخصّ مطلقاً هو الروايات التي تدل على أنَّ خبر الثقة حجة ، فتخصّص ذاك العموم الذي يقول خُذ بما كان عليه شاهد أو شاهدان وإلا فلا تأخذ به ، فتلك مطلقٌ فتأتي هذه فتخصّصها.

وبيان التخصيص:- هو أنَّ تلك الطائفة التي فيها شاهد أو شاهدان تقول إذا كان عليه شاهد أو شاهدان فهو حجة سواء كان الراوي ثقة أو غير ثقة ، فالمدار يكون على الشاهد أو الشاهدان ، أما الذي لم يكن عليه شاهد أو شاهدين فهو ليس بحجة سواء كان راوي السند ثقة أو غير ثقة ، فإذاً هي تدل على أنَّ المدار هو أن يكون عليه شاهد أو شهدان أما وجود الوثاقة وعدم وجودها فهو ليس بمهم ، ثم تأتي الطائفة المعارضة التي أبرزناها والتي تدل على أنَّ خبر الثقة حجة ، فـهذه تأتي وتخرج حالةً وهي أنه إذا كان الراوي ثقةً فالرواية حجّة وليس من المهم وجود شاهدٍ أو شاهدين ، وعليه سوف تصير النسبة هي العموم والخصوص المطلق.

أقول:- إنَّ النسبة ليست هي العموم والخصوص المطلق ، بل هي من العموم والخصوص من وجه ، لأنَّ تلك الطائفة تجعل المدار على الشاهد والشاهدين هو حجة وكون الراوي ثقة أو ليس بثقة فهذا ليس بمهم ، فالذي عيله شاهد هو حجة سواء كان الراوي ثقة أو غير ثقة والذي ليس عليه شاهد فهو ليس بحجّة سواء كان الراوي ثقة أو ليس بثقة ، أما تلك الطائفة فهي تقول إذا كان الراوي ثقة فالرواية حجّة سواء كان عليه شاهد أو شاهدان أو لا وإذا لم يكن ثقة فهو ليس بحجّة سواء وجد شاهد أو شاهدان أو لا ، فالنسبة واضحة أنها عموم وخصوص من وجه وليس عموم وخصوص مطلق.

وهنا توجد مادتان للمعارضة ، ومادة المعارضة الأولى هي إذا كان الراوي ثقة وليس عليه شاهد فهنا يتعارضنَ ، لأنَّ الطائفة الثانية تقول خذ به وهو حجَّة أما الطائفة الأولى- التي تقول لابد أن يكون عليه شاهداً - تقول هو ليس بحجَّة ، وأما مورد المعارضة الثاني فهو أنه إذا كان عليه شاهد وكان الراوي ليس بثقة فهنا يتعارضنَ أيضاً ، فإنَّ الطائفة الثانية تقول خذ به والطائفة الأولى تقول لا تأخذ به.وأما مادة الافتراق - التي لا يوجد فيها معارضة – هي ما إذا فرض أنه كان يوجد شاهد والراوي ثقة فهنا لا يتعارضان ، وأيضاً توجد مادّة معارضة ثانية وهي أن يكون ليس بثقة ولا يوجد عليه شاهد فحينئذٍ لا تعارض بينهما.فإذاً توجد مادّتان للمعارضة ومادّتان لعدم المعارضة.والخلاصة:- هي أنَّ النسبة هي العموم والخصوص من وجه وليس مطلقاً.وعليه فجواب السيد الخوئي(قده) لا يمكن الأخذ به ، لأنَّ النسبة ليست هي العموم والخصوص المطلق حتى يصير تخصيص ونقول إنَّ طائفة أخبار الثقة تخصّص هذه الطائفة، وإنما صارت النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه ، وإذا صارت النسبة هي العموم الخوص من وجه فسوف نحتاج إلى بيانٍ لتقديم أخبار حجية خبر الثقة بالرغم من أنَّ السنبة هي العموم والخصوص من وجه.

ولعل قائل يقول:- لنبقي النسبة هي العموم والخصوص من وجه فيتساقطن.

ولكن نقول:- إنَّ هذا لم يَصِر جواباً ثانياً ، ونحن نريد جواباً ثانياً حيث قلنا إنَّ أخبار الشاهد والشاهدين معارضة بأخبار تدل على أنَّ المدار على الوثاقة ، فنحن أردنا جواباً ثانياً ، فإذا قلت هما يتساقطان لم يَصِر ذلك جواباً ثانياً.

فإذاً كيف نقدّم أخبار خبر الثقة على تلك الطائفة ؟

[1] وهذا جواب ثانٍ ولكني ادمجه مع الأول.
[2] يعني احمد بن محمد بن عيسى.
[3] مصباح الأصول، الواعظ الحسيني، ج2، ص176، ط جديدة. مصباح الأصول، الخوئي، ج2، ص151، ط قديمة.