الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

40/03/05

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- حجية خبر الواحد.

القرينة الثالثة:- أن يقال: إنَّ التعليل لا يقبل التخصيص ، فلسانه في مقامنا بل كلّ لسان كل تعليل عادةً يأبى عن التخصيص ، فلو كانت العلة هي مطلق الاصابة بعدم العلم أو بخلاف الواقع فيلزم أن نخصّص هذا التعليل ، لأنه هناك أمور لا تفيد العلم ومع ذلك يلزم الأخذ بها ، كالبيّنة والظاهر وخبر صاحب اليد وسوق المسلمين - أي هذه الأمارات الحجة - فهذه كلّها لا تفيد العلم بل يحتمل فيها مخالفة الواقع ولكن مع هذا خرجت من هذا التعليل والحال أننا قلنا إنَّ لسان التعليل دائماً هو آبٍ عن التخصيص ، ومنه يتضح أن العلّة ليست هي مجرد الاصابة بخلاف الواقع وإلا يلزم التخصيص المستهجن ، وإنما العلّة هي خوف الاصابة بخلاف الواقع الموجبة للندم وهذه لم يطرأ ولا يطرأ عليها تخصيص ، لأنَّ الأخذ بأيّ حجة من الحجج لا يورث الندامة.

القرينة الرابعة:- إن هذا التعليل هو تعليل عقلائي الهدف منه اقناع الطرف المقابل ، فحينما قالت الآية الكريمة ﴿ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ﴾ عللت بتعليل عقلائي وقالت ﴿ أن تصيبوا قوماً بجهالة ﴾ وهذا تعليل عقلائي ، فإذاً هذا التعليل ناظر إلى الموارد العقلائية التي لا يأخذ فيها العقلاء بالخبر والذي لا يأخذ به العقلاء هو خبر الفاسق وأما خبر العادل الثقة فهذا عليه نظام العباد فأصلاً نظامنا مستقر على الأخذ بخبر العادل ، فإذاً حيث عن هذا التعليل عقلائي فهو ناظر إلى المساحة العقلائية والمساحة العقلائية هي عدم الأخذ بمثل خبر الفاسق واما الأخذ بخبر العادل فهو مما يعتمد علي العقلاء لا أنه مما يرفض فلا يكون التعليل من البداية ناظراً إليه لأنه تعليل عقلائي والمفروض أن العقلاء يأخذون بخبر العادل فيكون خبر العادل خارجاً من هذا التعليل اشبه بالخروج الموضوعي ، لأنَّ المنظور في لتعليل من البداية هو الحالة العقلائية والحالة العقلائية هي أن لا يؤخذ بمثل خبر الفاسق لأنه يوجد فيه احتمال الاصابة بجهالة أما الأخذ بخبر العادل فهو مما قام عليه نظام العباد ولا يورث الندامة فلا يكون شمولاً لهذا التعليل.

هذه قرائن أربع على أن العليل ليس هو فقط وفقط بخوف اصابة القوم بعدم العلم حتي قال عن هذا ثابت أيضاً في خبر العادل ، كلا فهو ليس ثابت بخبر العادل بالبيان الذي ذكرناه فإنَّ التعليل مقيد العلة هي الاصابة بخلاف العلم المورثة للندم وهذه ليست موجودة في خبر العادل كما أوضحنا.ومن خلال هذا كله اتضح أنَّ الاشكال الثاني من الاشكالات التي وجهت إلى الآية الكريمة ثاب للدفع.

الاشكال الثالث:- أن يقال إنه يلزم التخصيص المستهجن ، فالآية الكريمة لو كانت تدل على حجية خبر العادل بمفهومها يلزم تخصيص المورد لأنَّ موردها على ما يذكر التأريخ واسباب النزول هو أنَّ الوليد أخبر بارتداد القوم والارتداد لا يثبت بخبر شخصٍ وإنما على الأقل يحتاج إلى بيّنة لأنَّ هذه قضية مهمة فإذاً يلزم تخصيص المورد المستهجن ، فلو كانت الآية الكريمة بمفهومها تدل على حجية خبر العادل يلزم من ذلك اخراج موردها منها واخراج مورد القاعدة من القاعدة مستهجن ،وهذا يسمونه تخصيص المورد الذي هو مستهجن فإنه لا يقبل بإخبار شخص واحد في اثبات الارتداد.

ويرّده:-

أوّلاً:- فهذا ليس رفضاً للمفهوم رأساً بل هو تقييدٌ للمفهوم والمستهجن هو تخصيص المورد بإخراجه رأساً أما أن نفترض أننا لا نخرج المورد وإنما نبقيه ولكن نقيده فهذا ليس بمستهجن ، وموردنا من هذا القبيل ، فخبر العادل لا نرفضه رأساً إذا اخبر عن الارتداد بل نقول له ليأتِ شخص آخر يخبر بهذا أيضاً ، وهذا تقييد لا إلغاء واخراج المورد من المفهوم رأساً ، كلا بل المورد بعدُ باقٍ تحت الآية الكريمة غايته نعمل فكرة التقييد فلا نقبل اخبار شخص عادل واحد بل نحتاج إلى ثاني والحاجة إلى الثاني لا تعني اخراج المورد وتخصيصه وإنما تعني التقييد والتقييد غير الالغاء راساً والمستهجن هو إلغاء المورد واخراجه رأساً.

ثانياً:- لو فرضنا أنَّه يلزم الالغاء رأساً لكن الالغاء لا يلزم في المورد الذي هو المنطوق وإنما في المفهوم والقضية سيقت لإفادة المنطوق والمنطوق وارد في الفاسق والفاسق لا نقبل اخباره وشهادته جزماً فلا يلزم اخراج المورد ، نعم إذا يلزم اخراج المورد فهو يلزم بلحاظ المفهوم لأن المفهوم يدل على أن خبر العادل حجة والحال أنه في الارتداد خبر العادل الواحد لا يكفي ، فإذا كان يلزم اخراج المورد فهذا يلزم في المفهوم لا في المنطوق والمستهجن هو اخراج المورد الذي سيقت له القضية والذي سيقت له القضية هو المنطوق هذا هو مستهجن والمفروض أنه لا يلزم هذا المحذور في مقامنا.

الاشكال الرابع:- أن يدّعى أنَّ الآية الكريمة لو ثبتت دلالتها على حجية خبر العادل فهي تختص فيما إذا جاءنا العادل بنفسه - كزرارة - وقال اخبرني الامام عليه السلام بكذا فحينئذٍ نقول هذا خبر فالآية الكريمة تقول بمفهومها ( لا تتبينوا ) يعني خذوا به ولكن أخبارنا عادةً هي مع الوسائط ، فالذي هو ثابت لنا بالوجدان هو الخبر بالمباشرة أي الشخص الذي يتكلم معي كالشيخ الطوسي(قده) مثلاً فإنه يتكلم معي لأنه يوجد عنده كتاب فيقول حدّثني فلان ، فآية النبأ تشمل الشيخ الطوسي وتقول لا تتبيّن عن خبره ، حينئذٍ نأتي إلى خبر الوسائط يعني الشيخ الطوسي يخبر عن المفيد فهل إخبار المفيد ثابت لنا بالوجدان ؟ كلا ، وإنما ثبت بـ( صدّق العادل ) الذي ثبت للطوسي ، وبهذا صار الحكم موجداً لموضوع نفسه ، وهو شيء مستحيل ، فإنَّ الحكم يثبت للموضوع في مرتبة متأخرة لا أنه يوجد الموضوع ، والموضوع هنا هو خبر الشيخ المفيد وحكمه الثابت له هو ( صدّق العادل ) ولا يوجد حكم ثانٍ ، فإذاً ( صدّق العادل ) التي هي واحدة هي حكمٌ لخبر المفيد وهي من أوجد خبر المفيد ، لأنها حينما ثبتت لخبر الطوسي أوجدت خبر المفيد ، فخبر المفيد وجِد بـ ( صدّق العادل ) الذي ثبت للطوسي ، فـ(صدّق العادل ) هو موجد لخبر المفيد وهو حكم لخبر المفيد ، لأنَّ خبر المفيد لا حكم له إلا أنه خبر ثقة ، والأثر لخبر الثقة أنه صدّقه ، فصار الحكم موجداً لموضوع نفسه وهذا شيء مستحيل.

وهذا الاشكال سيّال من الشيخ الطوسي وحتى زرارة[1] ، لأنَّ خبر زرارة وجد بـ ( صدّق ) يعني صدّق الحاكي عن زرارة ، والحكم الثابت لزرارة فيما يخبر عن الامام ، فصار ( صدّق ) موجداً للموضوع – للخبر - وهو في نفس الوقت حكم لنفس الخبر ، وهذا لا يمكن.

وهكذا الحال بالنسبة إلى كل هذه الوسائط هي ثبتت ووجدت بـ ( صدّق ) الثابت للخبر السابق عليها وأثرها وحكمها لكل واحدٍ من هذه الأخبار هي ( صدّق ).فكيف ندفع هذا الاشكال فإنَّ الأخبار التي نحن مبتلون بها هي كلّها من هذا القبيل ، فعلى هذا يلزم أن نلغي جميع هذه الأخبار عن الاعتبار ، فما هو الجواب ؟

[1] هذا ما صححه الشيخ الاستاذ في المحاضرة التالية / المقرر.