الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

40/01/21

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- مبحث حجية الاجماع.

الاشكال الثالث:- يقال إنَّ الفقهاء يصعب حصرهم فكيف نعرف أن جميع الفقهاء يبنون على هذا الرأي فربما يوجد في بعض الأماكن فقهاء لم نطلع على رأيهم ، فلعله يوجد فقيه في بلاد الهند أو غيرها ونحن لم نطلع عليه ، فإذاً لا يمكن حصر كل الفقهاء فإنَّ هذا صعب ، ولعل البعض نعرفه ولكن ليس له كتاب حتى نعرف رأيه من خلال كتابه ، فإذاً يتعذر تحصيل الاجماع بمعنى اتقاف جميع الفقهاء حتى يكون ذلك ملازماً لاستكشاف قول الإمام عليه السلام بنحو الملازمة العادية.

وجوابه:- إنه بناءً على هذه الطريقة لا يلزم اتفاق جميع الفقهاء ، بل يكفي اتفاق المبرّزين منهم ومن لآرائهم قيمة عالية مثل الشيخ الصدوق والكليني والطوسي وغيرهم فهؤلاء الذي كانوا قريبين من عهد الغيبة الصغرى المهم تحصيل آراءهم ، أما أنه يوجد فقيه في زمن متأخر مخالف فهذا لا يؤثر ، فإنَّ الذي يكشف رأيه عن تلقي الأجواء الواضحة من الامام عليه السلام هم الطبقة المبرّزة ، فإذاً هذا لا يتسجّل كإشكال على هذه الطريقة.

ومنه يتضح أنَّ هذه الطريقة يترتب عليها ما يلي:-

أوّلاً:- لا يلزم اتفاق جميع الفقهاء وإنما خصوص الطبقة المبرّزة كالشيخ الكليني ومن كان على هذا المنوال من المتقدمين.

ثانياً:- مخالفة جماعة من الفقهاء وإن كانت محرزة ولكن لا تضر مادامت تلك الطبقة المتقدمة قد أحرزنا اتفاقها ، فمادام تلك الطبقة المتقدمة متفقة على رأي افترض أن الشهيد الأوّل أو الشهيد الثاني ومن كان على هذا المنوال من المتأخرين مخالفتهم لا تضر ، فإنَّ المهم هو موافقة ومخالفة المتقدمين دون المتأخرين وإن بلغوا من العلم ما بلغوا.

ثالثاً:- أن نفترض أنه لا يوجد مدرك حتى على سبيل الاحتمال - المعتد به - فإذا احتملنا وجود مدرك من هنا وهناك قد استندوا إليه إما إلى أصل أو رواية أو غير ذلك ، فحينئذٍ لا يمكن أن نجزم بأنَّ هذا الرأي الذي اتفقوا عليه قد وصل إليهم من الامام يداً بيد لاحتمال أنهم استندوا إلى أحد هذه المدارك المحتملة.

ولكن نلفت النظر إلى أنا قلنا إنَّ المدار على الطبقة المتقدمة ، وحيث إنَّ تحصيل آراء المتقدمين صعب عادةً ، فعلى هذا الأساس يكون تحصيل الاجماع شيئاً صعباً ، مثلاً الشيخ الطوسي(قده) عنده كتاب فقهي ويمكن تحصيل رأيه منه ، أما الشيخ الكليني(قده) مثلاً فلا يوجد عنده كتاب فقهي.

ولو قلت:- نحن نعرف ذلك من خلال ذكر الرواية في الباب فإنه يدل على رأيه لأنه قال لا أذكر فيه إلا الأخبار الصحيحة ، والشيخ الصدوق أيضاً يقول ( ... إلا ما أفتي به ويكون حجية بيني وبين ربي ).

قلت:- أحياناً المورد ليس فيه رواية أصلاً حتى نقول من ذكره للرواية نستكشف أنه يبني على هذا الرأي بل مفروضنا أصلاً على هذه الطريقة لا توجد رواية ، فحينئذٍ يصعب - ولا نقول يستحيل - تحصيل اتفاق الطبقة المبرّزة من المتقدمين ، ولذلك يمكن أن نخرج بهذه النتيجة ، وهي أنَّ تحصيل الاجماع من خلال هذه الطريقة التي يلزم فيها اتفاق الطبقة المتقدمة المبرّزة شيء صعب لعدم تيسر العثور على آراء المتقدمين عادةً ، ولو امكن في مسألة من المسائل فتلك قضية ثانية ، ونحن في أبحاثنا الفقهية عادةً نقول:- ( والاجماع المدّعى لا عبرة به لاحتمال استناده إلى أحد هذه المدارك الأخرى المذكورة في المسألة ) ، وهذا الكلام مبني على هذه الطريقة أي طريقة الملازمة العادية ، يعني حتى لو حصّلنا الاجماع في الطبقة المتقدمة يبقى احتمال المدرك موجوداً فهذا الكلام مبني على هذه الطريقة فينبغي الالتفات إلى ذلك.

هذا كلّه بالنسبة إلى هذه الطريقة وقد تبيّن أنّ هذه طريقة صحيحة إلا أنها صعبة المنال ، هذا كلّه بالنسبة إلى الطريقة الثالثة من طرق تحصيل حجية الاجماع.

الطريقة الرابعة:- وهو تطبيق حساب الاحتمال لإثبات حجية الاجماع ، وهذه الطريقة ذكرها الشيخ النائيني وغيره ، وذلك بأن يقال:- إنَّ فتوى كل فقيه لها قيمة احتمالية في صالح اثبات حقانية الحكم المجمع عليه فإذا انضم إليه رأي الفقيه الثاني فسوف تصعد القيمة الاحتمالية وإذا انضم إليه الثالث والرابع ..... وهكذا ، فربما من تجميع القيم الاحتمالية قد يحصل الاطمئنان بحقّانية هذا الحكم الذي أجمع عليه الفقهاء.

إذاً نحن نثبت حقّانية هذا الحكم الذي أجمع عليه الفقهاء لا من باب طريقة التضمن أو قاعدة اللطف أو الملازمة العادية وإنما من خلال حساب الاحتمال التي هي قضية عقلائية ، كما لو جاءنا شخص اخبرنا بخبر وجاء شخص ثالث واخبرنا بنفس مضمون هذا الخبر وجاءنا ثالث ورابع .... وهكذا فحينئذٍ يحصل لك الاطمئنان ، وهذا تطبيق لحساب الاحتمال ولكن نحن لا نعرف هذا المصطلح ، فالإنسان العرفي يطبّق حساب من دون أن يعرف مصطلحه ، فنطبّق نفس هذه الطريقة في باب الاجماع.

وأشكل الشيخ النائيني(قده)[1] والسيد الخوئي(قده)[2] :- بأن هذه الطريقة وجيهة في الأمور الحسّية ، كما في مسألة الأشخاص الذي يأتون ويخبرون بخبر فهذا شيء محسوس فهو يقولون خارج البلد الشيء الفلاني فهم قد رأوه وهو شيء محسوس ، وحينما يأتي الشخص الثاني والثالث ويخبر فحينئذٍ صحيح هنا يتقوّى الاحتمال إلى درجة الاطمئنان ، ولكن المفروض في باب الاجماع أنَّ إخبار كل شخص عن هذا الحكم ليس إخباراً عن حسّ وإنما هو إخبار عن اجتهاده وعن حدسه ، وحينئذٍ مهما كثرت هذه القيم الاحتمالية قد لا يحصل الاطمئنان.

وهو شيء لا بأس به ولكن الأوجه منه أن يقال:- إن هؤلاء المجمعين حينما أجمعوا على حكم من الأحكام هل نجزم بوحدة مدركهم أو لا ؟ فإن جزمنا بوحدة مدركهم فمن الوجيه أن يقال بأنه يحصل للفقيه الاطمئنان بحقانية هذا المدرك ، لأنَّ هؤلاء من البعيد أنهم أخطأوا جميعاً مع دقتهم وعمق نظرهم في شيءٍ واحد ، وأما إذا لم نجزم بوحدة مدركهم واحتملنا تعدده فحينئذٍ لا يحصل الاطمئنان بالحقّانية ولا يكون لإجماعهم قيمة.

ولأجل هذه الفكرة نقول:- إنَّ بعض الاجماعات المدركية بناءً على ما ذكرنا قد يرتقي إلى مستوى الحجية فيما إذا علمنا بوحدة المدرك ، وقد نبهنا على غير موردٍ في هذا المجال في كتاب دروس تمهيدية في الفقه الاستدلالي ، ومن أمثلة ذلك ما ذكره الفقهاء في ماء المطر ، فإنهم قالوا بأنَّ ماء المطر بمجرد أن يصيب جسماً متنجّساً بحث تصدق الاصابة عرفاً فقد طهر ، والمدرك هو رواية الكاهلي عن رجلٍ ، ويحيى بن عبد الله الكاهلي يمكن توثيقه ، أما ( عن رجل ) فهذا إرسال ، ولكن لا يوجد مدرك آخر والحال أنَّ الفقهاء كلّهم حكموا بالطهارة في ماء المطر ، فعلى هذا الأساس ألا يحصل لك الاطمئنان بأنَّ هذا المدرك معتبر ؟! إذ ليس من البعيد أنهم يلتفتون إلى أنَّ الرواية هي ( عن رجل ) ويأخذون بها ، فليس من البعيد أن هذا يوجب الاطمئنان بالحقّانية.

إذن اتضح أنَّ الاجماعات المدركية يمكن الحكم بحجية بعضها فيما إذا فرض أنّا علمنا بوحدة المدرك واتفقوا على ذلك فحينئذٍ يحصل الاطمئنان للفقيه بحقّانية المدرك ويرتقي هذا الاجماع المدركي إلى مستوى الحجية.

 


[1] أجود التقريرات، الخوئي، ج3، ص172.
[2] مصباح الأصول، الخوئي، ج3، ص162.