الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

40/01/19

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- مبحث حجية الاجماع.

الاجماعذكر الأصوليون بعد الفراغ عن مبحث حجية الظواهر مبحث الاجماع من باب أنه أحد الأمارات ، فكما أنَّ الظواهر أمارة كذلك من أحد الأمارات الاجماع المنقول فإنه أمارة على مثلاً تحقق الاجماع وبالتالي رضا الامام عليه السلام ، ووجهوا أنظارهم إلى الاجماع المنقول بخبر الواحد ، وسكتوا عن الاجماع المحصّل ، ولعل النكتة في ذلك هو أن المتداول عندهم في باب الاجماعات هي الاجماعات المنقولة بخبر الواحد أما الاجماع المحصّل فتحصيله صعب ، مضافاً إلى أنهم أرادوا أن يستفيدوا من أدلة حجية خبر الثقة فيقال إنه إذا نقل الثقة الاجماع كالسيد المرتضى والشيخ المفيد فيشمله دليل حجية خبر الثقة ، وبالتالي سوف يثبت تحقق الاجماع ببركة حجية خبر الثقة ، وكان من المناسب البحث عن الاجماع المحصّل في البداية ثم البحث بعد ذلك عن الاجماع المنقول كما نصنع نحن ، فأوّلاً نتكلم عن الاجماع المحصّل وكيف هو حجة ، فإذا ثبت كونه حجة فحينئذٍ نأتي ونقول إذا كان الاجماع منقولاً بخبر الثقة فهل يثبت تحققه بأدلة حجية خبر الثقة ؟ ، يعني اطلاقها يشمل الاجماع المنقول أوّلاً ، فالمناسب هو ما نصنعه.والبحث عن الاجماع كدليلٍ من الأدلة في مقابل الكتاب والسنَّة ظهر أوّلاً عند العامة قبل أن يظهر عندنا الامامية ، فهم الأصل له وهو الأصل لهم ، لأنَّ تصحيح الخلافة كان بالاجماع ، فالمستند عندهم هو الاجماع ، فبدايته كانت من العامة وأما عند الخاصة ، فالدليل عمدهم هو الكتاب والسنَّة ، ولكن بمرور الزمن ظهرت فكرة الاجماع ، ولعل بدايتها من زمن السيد المرتضى(قده) فهو الذي تداول في كلماته التعبير بالاجماع ولعله حصل تأثر بالمدرسة الأخرى ، فالمقصود هو أن بدايات تحقق الاجماع من السيد المرتضى وإلا في كلمات الشيخ الصدوق أو الكليني أو من سبقهم لم يثبت الاستعانة بهذا المصطلح ، وهذه قضية ليست مهمة وإنما هي قضية جانبية أو تاريخية.وقد حصل خلاف في وجه حجية الاجماع ، فماذا الاجماع حجة ، يعني لأيّ نكتة هو حجة ؟ فالإمامية ذهبت إلى أنه حجة لا بما هو هو وإنما من باب كاشفيته عن موافقة راي الامام فإذا لم نحرز الموافقة فلا حجية له ، وبناءً على هذا سوف لا يكون هو من أحد الأدلة وإنما الدليل هو الكتاب السنَّة ودوره دور الكاشف عن السنَّة - أي عن رأي الامام وموافقة الامام - ، فإذاً هو ليس دليلاً مستقلاً في مقابل الكتاب والسنَّة ، كما هو الحال في العقل فحينما يقال العقل من أحد مدارك الأحكام هل يعني حكم العقل بما هو هو حجّة أو العقل يستكشف أنَّ الشرع حتماً في باب الظلم مثلاً يحكم بأنَّ الظلم حرام أو السرقة حرام لأنها نحوٌ من الظلم ؟ الصحيح أنَّ العقل دوره أنه يستكشف ، فإنَّ حجيته ليست بما هو هو وإنما من باب أننا من حكم العقل نستكشف حكم الشرع ، وبالتالي تعود الأدلة واقعاً إلى اثنين ، ولكن حسب الترتيب هي أربعة ، فأدلة الأحكام عندنا وإن كانت صورةً وشكلاً وإعلاماً أربعة ولكن واقعاً هي اثنان وهما الكتاب والسنَّة ، وأما الاجماع والعقل فهما أدلة من باب كاشفيتهما عن رأي المعصوم والشريعة وإلا فهما بما هما لا حجية لهما ، وهذا واقع يلزم الالتفات إليه.وأما عند العامة فالإجماع بما هو هو حجة ، واستندوا في ذلك إلى الكتاب الكريم مرة ، وإلى السنَّة أخرى ، وإلى حكم العقل ثالثة ، والمهم هو الكتاب والسنَّة ، فلنلاحظ بماذا يستدلون.

وقبل أن نذكر أدلتهم نذكر شيئاً:- وهو أنَّ صاحب الحدائق(قده) في مبحث صلاة الجمعة بمناسبةٍ أخذ يتحامل على الاجماع وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حصر المدارك في اثنين:- ( إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) ولم يقل الاجماع فماذا يعني الاتيان بالاجماع ؟!! وتحامل على علم الأصول وقال إنَّ هذا هو الذي صار سبباً إلى جعل الاجماع حجة فتحامل على الأصول وعلى الاجماع ، ونصّ عبارته:- ( قد عرفت دلالة خبر الثقلين على أن ما يعمل به يجب أن يكون متمسكاً فيه بكتاب الله تعالى وأخبار العترة والزاعم لكون ذلك مدركاً شرعياً زائداً على ما ذكره صلى الله عليه وآله وسلم يحتاج إلى اقامة البرهان والدليل وليس له إلى ذلك سبيل إلا مجرّد القال والقيل ومن الظاهر أن عدّ أصحابنا رضوان الله عليهم الاجماع مدركاً إنما اقتفوا فيه العامة لاقتفائهم لهم في هذا العلم المسمّى بعلم أصول الفقه وما اشتمل عليه من المسائل والأحكام والبحاث وهذه المسألة من أمّهات مسائله ولو أنَّ لهذا العلم من أصله أصلاً أصيلاً لخرج عنهم عليهم السلام ما يؤذن بذلك إذ لا يخفى على من لاحظ الأخبار أنه لم يبق أمر من الأمور التي يجري عليها الانسان في وروج أو صدور من أكلٍ وشربٍ ونومٍ ونكاحٍ وتزويجٍ وخلاءٍ وسفرٍ وحضرٍ ولبس ثيابٍ ونحو ذلك إلا وقد خرجت الأخبار في بيان السنن فيه فكيف غفلوا عليهم السلام عن هذا العلم )[1] .

ونعلّق بتعليق بسيط فنقول:- إنك قلت إنَّ النبي صلى الله عليه وآله سلم قال ( إني تارك فيكم الثقلين ) فهذا الاجماع جعلتموه دليلاً ثالثاً ، ولكن الجواب عن هذا واضح ، فإنَّ الاجماع نتمسّك به من باب كاشفيته عن أحد الثقلين لا بما هو هو ، وكل ما يكشف عن رأي المعصوم بنحو القطع تكون حجيته راجعة إلى السنَّة لا أنه يصير دليلاً مستقلاً ، وبالتالي يكون تقسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدرك إلى اثنين يدل بالالتزام على نفي هذا الثالث فإنَّ الثالث نحن نتمسّك به ليس بما هو هو وبشكل مستقل ، نعم هذا يرد على العامَّة لأنهم يتخذونه بشكلٍ مستقل.

أما الأدلة التي تمسك بها العامة لحجية الاجماع فاهما دليلان:-

الأوّل:- الكتاب الكريم ، وهي قوله تعالى:- ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً ﴾[2] .

وتقريب الدلالة:- إنها قالت ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ... ﴾ عني أنَّ سبيل المؤمنين هو الحجة وهو عبارة عن الاجماع ، فإذا أجمعوا على شيءٍ فهذا هو سبيل المؤمنين وهو عبارة عن الاجماع ، والذي يتّبع غير سبيل المؤمنين هذا - يعني ما أجمعوا عليه – نولّه ما تولّى ونصلِه جهنَّم ، وقد نقل ذلك الغزالي في المستصفى[3] .

والجواب على ذلك:- إنَّ المقصود من الآية الكريمة - إما جزماً أو احتمالاً ويكفينا الاحتمال - أنها تريد أن تقول من يشاقق الرسول أي يؤذيه من بعد أن تبيّن له الهدى - أي تبين له أن هذا رسول حق من الله عزّ وجلّ - ويتبع غير سبيل المؤمنين فسبيل المؤمنين مثل عمّار والمقداد وأبو ذر وغيرهم ، يعني نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس إيذاءه ، فالذي يشاقق الرسول ويتبع غير هذا السبيل الذي هو سبيل المؤمنين الذي هو النصرة فسوف نولّه ما تولى ، فلآية الكريمة ناظرة إلى هذه المسألة ولا ترتبط بمسألة الاجماع من قربٍ ولا من بعدٍ ، وهذا الذي ذكرناه لا أقل هو احتمال وجيه في الآية الكريمة ، فإذا لم نقل بأنَّ هذا هو الظاهر من الآية الكريمة فلا أقل تعود الآية مردّدة ومجملة ، فلا يمكن التمسّك بها لإثبات حجية الاجماع.

الدليل الثاني:- الحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه عن أنس بن مالك:- ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:- إنَّ أمتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم )[4] [5] ، ورواه أبو داود في سننه عن أبي مالك الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وآله هكذا:- ( إنَّ الله أجاركم من ثلاث خلال ، أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعاً ، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق ، وأن لا تجتمعوا على ضلالة )[6] .

فإذاً متى ما اجتمع الفقهاء على حكم فهذا يدل على صحة هذا الحكم وحجية الاجماع.

والجواب:- إنَّ الحديث أجنبي عن مسألة حجية الاجماع ، وإنما هو ناظر إلى اتفاق الأمة واجماعها على قضية من القضايا ليس قضية شرعية وحكم شرعي وإنما قضية سياسية أو اتخاذ موقف كحربٍ أو قضايا سياسية أو اجتماعية ومن هذا القبيل ، والقرينة على ذلك هو التعبير بالضلالة ، فإنه قال ( لا تجتمع على ضلالة ) ، فإن هذا التعبير لا يتناسب مع الاتفاق على حكمٍ شرعي فإنه لا يعبّر عنه ( على ضلالة ) ، فإذاً ( دعا لكم أن لا تجتمعوا على ضلالة ) بمعنى أنه إذا اتفقتم على قضية اجتماعية معيّنة فإذاً هذه القضية الاجتماعية ليست ضلالة ، فهي ناظرة إلى مثل هذه الأمور وليست ناظرة إلى الأحكام الشرعية والاجماع في باب الأحكام الشرعية.

فإذاً كلا هذين المدركين لا يمكن التمسّك به.

[1] الحدائق الناضرة، البحراني، ج9، ص362، مبحث صلاة الجمعة.
[2] النساء/السورة4، الآية115.
[3] المستصفى، الغزالي، ج1، ص175.
[4] سنن ابن ماجة، ابن ماجة، ج2، ص1303، ح3950، ط دار احياء التراث العربي.
[5] وذكره الغزالي ايضاً في المستصفى، ج1، ص175، منشورات دار المعرفة.
[6] سنن ابي داود، أبو داود، ج4، ص98.