الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

39/11/04

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- مبحث حجية الظواهر.

الدليل السادس:- إنَّ القرآن الكريم الموجود بأدينا لم يثبت أنَّ ترتيب آياته هو على وفق النزول ، بل لعله حصل اختلاف من هذه الناحية فبحسب النزول هناك نزول وبحسب الموجود بأيدينا يوجد ترتيب آخر ولعله لو لاحظنا الترتيب النزولي يكون الظهور بشكلٍ آخر غير ما هو الثابت بحسب القرآن الموجود بأيدينا ، ومادمنا نحتمل هذا الاحتمال فلا يمكن الأخذ بظواهر الكتاب الكريم الموجود بأيدينا لاحتمال أنَّ هذا الظهور ليس بمقصود لله عز وجل لو لاحظنا الترتيب النزولي.

وفيه:-

أوّلاً:- إنَّ هذا الكلام وجيه لو فرض أنَّ أهل البيت عليهم السلام لم يأمورنا باتباع ظواهر القرآن الكريم الموجود بأيدنا وهم قد امرونا باتباع هذه الظواهر حيث أمرونا بردّ الشروط وردّ الأخبار إلى الكتاب الكريم وما خالف الكتاب الكريم يطرح ، وهذا معناه بالدلالة الإلتزامية أنه خذوا بظواهر الكتاب الكريم واعملوا على طبقها وكلّ خبر خالف تلك الظواهر مطروح على الجدار وكلّ شرط خالف تلك الظواهر هو غير معتبر ، فإذن بعد إرجاع أهل البيت عليهم السلام إلى الكتاب الكريم في مسألة الشروط والأخبار لا يعود لهذه الشبهة مجال.

ثانياً:- هناك آيات كريمة إذا قرأناها نجد الترابط فيما بينها موجود ومحفوظ ومثل هذه لا يأتي فيها هذا الاشكال ، مثل ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ، الم ، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتيقن[1] الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون [2] الصلاة ومما رزقناهم ينفقون[3] أولئك على هدىً من ربهم[4] .... ﴾، فلاحظ هذا الترابط ، فكله نسقٌ واحد ، يعني يطمئن القارئ بأنَّ هذا الترابط موجود وأنها نزلت بهذه الهيئة وبهذا الشكل.

فإذن ما ذكر من دليل إن تم فهو يتم في الآيات غير واضحة الارتباط ، فهو أخص من المدّعى ، أما الآيات واضحة الارتباط فهذا الكلام لا يأتي فيها.

الدليل السابع:- إنَّ القرآن الكريم وردت أخبار تدل على تحقق التحريف فيه ومعه كيف يؤخذ بظواهره بعد فرض وقوع التحريف فيه ؟!!

وفيه:-

أوّلاً:- يرد نفس مما ذكرناه ثانيا ًفي ردّ الدليل السابق ، يعني قلنا إنَّ ارجاع الأئمة إلى الكتاب من حيث الشروط ومن حيث الأخبار معناه هو الامضاء لظواهر الكتاب الكريم وأنه لا مشكلة فيها وإلا كيف أرجعونا إليها ؟!! ، فنفس هذا يأتي هنا ونقول إنه بعد أن أرجعنا الائمة عليهم السلام إلى ظواهر الكتاب في باب الشروط وفي باب الأخبار لا يعود لهذا الدليل مجال.

ثانياً:- نحن نرفض أخبار التحريف أشد فإنها مخالفة لصريح كتاب الله عزّ وجل حيث يقول ﴿ إنا نحن نّلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ فتكون حينئذٍ مردودة ولا حجية لها.

إنَّ قلت:- لعل نفس هذه الآية فيها تحريف.

قلت:- في ردّ ذلك نذكر المقدمات الثلاث التالية:-

المقدمة الأولى:- إنَّ نفس هذه الآية الكريمة لا يمكن فيها التحريف بأن نقول هي محرّفة وذلك لوجهين:-

الأوّل:- إنَّ معنى التحريف هنا هو الزيادة يعني أنَّ هذه الآية الكريمة زيادة وهي قد دسّت في الكتاب الكريم والتحريف بالزيادة مجمع على بطلانه ، يعني من يحتمل التحريف لا يقول بالتحريف بنحو الزيادة وإنما بنحو النقص أو بنحو تغيير المواقع أما أنه زيدت آية فهذا لا يقول به قائل ولا يحتمله محتمل ، مضافاً إلى أنَّ أئمتنا عليهم السلام كانوا يقرأون هذه الآية وكذلك كل المسلمين ، فلو كان هناك تحريف في هذه الآية لاشتهر ، لأنَّ قوام القرآن هو هذه الآية الكريمة فهي تدل على أن الحافظ لقرآن الكريم هو الله تعالى ، فهي أساس القرآن الكريم والسند له ، فلو كان يوجد فيها شبهة تحريف لبيّنت ولنقلت ولو بشكلٍ من الأشكال الخفيّة ، ولا أحد يقول بذلك ، فإذن يحصل اطمئنان بأنه لا يوجد في هذه الآية تحريف للاجماع على بطلان الزيادة ، مضافاً إلى أنَّ هذه الآية هي أساس القرآن الكريم فلو كان فيها شائبة احتمال التحريف لأشتهر ذلك ولشاع والحال أنَّ الأئمة عليهم السلام كانوا يقرأونها ولا يوجد شياع ولم يدّع أحد ذلك فيحصل الاطمئنان بأنه لا تحريف فيها ، وبالتالي لا تأتي فكرة التخصيص ، وبالتالي لا تأتي شبهة أنَّ ( حافظون ) يعني من غير فكرة التحريف.

المقدمة الثانية:- صحيح أنَّ الآية الكريمة دلت على هذا ولكن لماذا لا نخصّصها بالأخبار الدالة على التحريف ، وتصير النتيجة هي أنه إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون إلا في هذا الورد الأول فإن فيه تحريف وإلا في المورد الثاني فإنَّ فيه تحريف ، أي بعدد الأخبار والواردة الدالة على التحريف ، فلو كان هناك أخبار تدل على عشر تحريفات في القرآن الكريم فتصير عشر تخصيصات للآية الكريمة ، فلنلتزم بذلك.

وجوابه:- إنَّ الآية الكريمة من حيث لسانها آبية عن التخصيص ، أو بالأحرى مضمونها غير قابل للتخصيص ، لأنَّ المهم هو بيان قدسية القرآن الكريم وأنه هناك قوة أعلى هي الحافظة له ، فمثل هذا المضمون لا يقبل التخصيص ، ففكرة التخصيص موهونة هنا.

المقدمة الثالثة:- إنَّ القدر المتيقن من مصداق الحفظ هو الحفظ من التحريف ، فـ ﴿ إنّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ فالقدر المتيقن من الحفظ هو حفظه من التحريف.

إذن من تمام كلامنا اتضح أنَّ أخبار التحريف لا يمكن قبولها ، والتالي هذا الدليل لا يكون تاماً.

[1] البقرة/السورة2، الآية2.
[2] البقرة/السورة2، الآية3.
[3] البقرة/السورة2، الآية4.
[4] البقرة/السورة2، الآية5.